الجيش اللبناني بين القرار السياسي وسلاح حزب الله.. من يحدد حدود حركته؟

الجيش اللبناني بين القرار السياسي وسلاح حزب الله.. من يحدد حدود حركته؟

Loading

تعود جذور الجيش اللبناني إلى مرحلة الحرب العالمية الأولى، حين بدأت فرنسا بتشكيل وحدات عسكرية محلية في بلاد الشام. وبعد فرض الانتداب الفرنسي على لبنان عام 1920، أُنشئت قوات عسكرية عُرفت باسم “قوات الشرق الخاصة” (Troupes Spéciales du Levant)، وضمت متطوعين لبنانيين وسوريين، وعملت على حفظ الأمن الداخلي وحماية الحدود ودعم الإدارة الفرنسية.

ومع استقلال لبنان، بدأت عملية فصل الوحدات اللبنانية عن القوات الفرنسية. وفي الأول من أغسطس/ آب 1945، تسلمت الدولة اللبنانية قيادة القوات العسكرية من السلطات الفرنسية، وهو التاريخ الذي اعتُمد لاحقًا عيدًا للجيش اللبناني.

بدأت الدولة منذ ذلك الحين بناء مؤسسة عسكرية عبر إنشاء الكلية الحربية ومدارس الاختصاص، وتطوير القوات البرية والبحرية والجوية، وتعزيز التعاون العسكري مع الدول العربية والغربية. كما تشكلت أفواج قتالية واختصاصية متعددة، أبرزها المشاة والمدرعات والمدفعية والتدخل والمغاوير والمجوقل والهندسة.

لكن الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 دفعت الجيش إلى واحدة من أصعب مراحل تاريخه. فقد انقسمت بعض وحداته على أسس سياسية وطائفية، وتراجعت قدرته على الانتشار في مناطق واسعة من البلاد مع صعود الميليشيات المسلحة وسيطرتها على أجزاء من لبنان.


بعد إعادة توحيد المؤسسة العسكرية، انتقل التحدي من الحفاظ على وحدة الجيش إلى تحديد موقعه داخل دولة لم تنجح في توحيد السلاح وقرار الحرب والسلم.

 

 وحدات من الجيش اللبناني خلال مرحلة إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتوحيدها بعد انتهاء الحرب الأهلية – غيتي

مؤسسة عسكرية تحت سلطة الدولة


يشكل الجيش اللبناني المؤسسة العسكرية الشرعية التابعة للدولة، ويستند وجوده وصلاحياته إلى الدستور والقوانين النافذة، وفي مقدمها قانون الدفاع الوطني.

لا يخصص الدستور اللبناني فصلًا مستقلًا للجيش، لكنه يحدد الإطار الدستوري لعمله من خلال صلاحيات السلطات الدستورية، وأبرزها: 
  • رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتولى هذه الصفة وفق أحكام الدستور، بينما تخضع القوات المسلحة لسلطة مجلس الوزراء.
  • مجلس الوزراء هو السلطة التي تضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات، بما فيها السياسة الدفاعية، ويتخذ القرارات المتعلقة باستخدام القوات المسلحة.
  • مجلس النواب يمارس الرقابة على الحكومة، ويقر القوانين المتعلقة بالدفاع الوطني والموازنات العسكرية.
تخضع القيادة العسكرية لمبدأ السلطة المدنية الديمقراطية، وتعمل تحت إشراف السلطات الدستورية المنتخبة.

ولا تعني صفة رئيس الجمهورية بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة امتلاكه منفردًا قرار استخدام الجيش، إذ يخضع هذا القرار للسلطة التنفيذية مجتمعة، فيما تتولى القيادة العسكرية تنفيذ المهمات ضمن القوانين والقرارات الصادرة عن المؤسسات الدستورية.


الجيش اللبناني في قانون الدفاع الوطني

يعد قانون الدفاع الوطني الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 102 لعام 1983 المرجع الأساسي الذي ينظم عمل المؤسسة العسكرية، وينص على أن الجيش هو القوة المسلحة الشرعية للجمهورية اللبنانية، ويتولى تنفيذ السياسة الدفاعية التي تقررها الدولة.

وتشمل مهام الجيش الدفاع عن استقلال لبنان وسيادته ووحدة أراضيه، وحماية الحدود البرية والبحرية والجوية، ومواجهة أي اعتداء خارجي، والمحافظة على الأمن والاستقرار عند تكليفه من السلطات المختصة، ومساندة القوى الأمنية عند الضرورة، وحماية المؤسسات الرسمية والمنشآت الحيوية، إضافة إلى المشاركة في أعمال الإغاثة والإنقاذ خلال الكوارث والأزمات.

كما يقوم الجيش، من الناحية القانونية، على مجموعة من المبادئ، في مقدمها الولاء للجمهورية اللبنانية والدستور، والالتزام بالقوانين والأنظمة العسكرية، والحياد السياسي وعدم الانخراط في العمل الحزبي، واحترام حقوق المواطنين والحريات العامة ضمن إطار القانون.

ويتألف الهيكل القيادي من قائد الجيش وهيئة الأركان والمجلس العسكري والقيادات والوحدات المختلفة. ويتولى قائد الجيش إدارة المؤسسة والإشراف على جاهزيتها وتنفيذ المهمات الموكلة إليها، وفق توجيهات السلطة السياسية وأحكام قانون الدفاع الوطني.



من الانسحاب السوري إلى سؤال السلاح


مع انتهاء الحرب الأهلية، ثم انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، استعاد الجيش موقعه بوصفه مؤسسة أساسية لحماية الأمن والاستقرار وبسط سلطة الدولة.

لكن التحدي الأبرز بقي مرتبطًا بمسألة احتكار الدولة للسلاح، في ظل احتفاظ حزب الله بترسانة عسكرية مستقلة عن مؤسسات الدولة، تشمل صواريخ وطائرات مسيّرة وقدرات قتالية متنوعة.



خاض الجيش مواجهات ضد تنظيمات مسلحة وإرهابية، وحمى الحدود، إلا أن قدرته على فرض سيادة الدولة على كامل الأراضي بقيت موضع نقاش. كما واجه تحديات اقتصادية ولوجستية، ولا سيما خلال الأزمة المالية، إلى جانب التوترات الإقليمية والاعتداءات الإسرائيلية.

واليوم، يرتبط مستقبل دوره بقدرته على تعزيز سلطة الدولة وترسيخ مبدأ حصرية السلاح بيد مؤسساتها. فالجيش استعاد جزءًا كبيرًا من حضوره بعد الانسحاب السوري، لكنه لم يستعد وحده القرار السيادي الكامل.

وهنا يبرز السؤال الأساسي:


هل تكمن المشكلة في قدرات الجيش وإمكاناته، أم في القرار السياسي الذي يحدد حدود حركته؟


انتشار للجيش اللبناني في بيروت بعد انسحاب القوات السورية عام 2005، في مرحلة عاد فيها سؤال بسط سلطة الدولة إلى الواجهة – غيتي

الجيش بين 8 و14 آذار

دافع فريق 8 آذار عن معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، معتبرًا أن قدرات حزب الله العسكرية تشكل عنصر ردع في مواجهة إسرائيل في ظل محدودية تسليح الجيش. في المقابل، رأى فريق 14 آذار أن استمرار سلاح مستقل عن الدولة يمنع قيام سياسة دفاعية واحدة، ويبقي قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية.

يرى الخبير العسكري العميد المتقاعد مارسيل بالوكجي، في حديث إلى موقع “التلفزيون العربي”، أن دور الجيش بعد انسحاب القوات السورية بقي مقيدًا بفعل الضغط السياسي، ولم تُتح للمؤسسة العسكرية حرية كاملة في التحرك أو الحصول على دعم غير مشروط.

ويشرح أن الاستراتيجية المعتمدة بعد عام 2005 قامت، في كثير من الأحيان، على ألا تتعارض القرارات المتعلقة بالجيش مع مصالح حزب الله. لذلك، بحسب رأيه، مرت القرارات المتوافقة مع مصالح الحزب بسهولة، بينما واجهت تحركات أخرى عراقيل سياسية.

ويستبعد بالوكجي تحميل الجيش مسؤولية هذا الواقع، لأن المؤسسة كانت تنفذ أوامر السلطة السياسية. لكن القرار الذي وجّه عملها خضع، في فترات كثيرة، لحسابات ومصالح الأحزاب المشاركة في الحكم، ما حد من قدرتها على التحرك بحرية فوق كامل الأراضي اللبنانية.



عمل الجيش في تلك المرحلة وسط انقسام سياسي حاد بين فريقي 8 و14 آذار، وانعكس هذا الاستقطاب على هامش حركته في الملفات الحساسة، ولا سيما في علاقته مع حزب الله.

وبحسب بالوكجي، اتسمت العلاقة بين الطرفين بحساسية شديدة، لأن القرار السياسي كان يراعي نفوذ الحزب وتأثيره الواسع في البلاد. ويتحدث بالوكجي عن قنوات تنسيق أمنية وميدانية بين الطرفين في بعض المناطق والملفات، مشيرًا إلى أن اعتبارات سياسية وأمنية حالت دون تحرك الجيش في قضايا مرتبطة مباشرة بالحزب، وأبقت المؤسسة تحت سقف الغطاء الذي توفره السلطة السياسية.



من نهر البارد إلى أحداث 7 أيار

واجه الجيش خلال السنوات التالية تحديات أمنية كبرى، كان أبرزها معركة نهر البارد عام 2007 ضد تنظيم “فتح الإسلام”، والتي شكلت اختبارًا عسكريًا قاسيًا للمؤسسة.

وأظهرت المعركة قدرة الجيش على خوض مواجهة طويلة ضد تنظيم مسلح داخل مخيم فلسطيني، لكنها كشفت أيضًا محدودية تجهيزاته وحاجته إلى الدعم العسكري واللوجستي.



وجاءت أحداث 7 أيار/ مايو 2008 واتفاق الدوحة في ظل انقسام سياسي حاد وتعاظم نفوذ حزب الله سياسيًا وعسكريًا. وبقي الجيش في تلك المواجهات حريصًا على منع الانقسام الداخلي والحفاظ على السلم الأهلي، لكنه لم يكن قادرًا على فرض حصرية السلاح أو التحكم في قرار الحرب والسلم.


خلال أحداث 7 أيار/ مايو 2008، تجنب الجيش الدخول في مواجهة شاملة مع الأطراف المتقاتلة، وعمل على حماية المؤسسات والمرافق واحتواء الانتشار المسلح، قبل أن يتسلم عددًا من المواقع التي أخلاها المسلحون.


أثار هذا الموقف قراءتين متعارضتين: إحداهما اعتبرته ضرورة لمنع انقسام المؤسسة وانزلاق البلاد إلى حرب أهلية، والأخرى رأت فيه عجزًا عن فرض سلطة الدولة.


بالنسبة إلى بالوكجي، فقد حاول الجيش في تلك المرحلة الحفاظ على صورة متوازنة، وأن يؤدي دوره بما يخدم مصلحة البلاد، مع تجنب الدخول المباشر في أي ملف يمس حزب الله.

فعلى المستوى الميداني، كان العسكريون ينفذون التعليمات الصادرة إليهم، فيما بقي التنسيق قائمًا على مستوى القيادة بناءً على طلب السلطة السياسية.

كما تضمنت البيانات الوزارية في تلك المرحلة معادلة “الجيش والشعب والمقاومة”، التي تحولت إلى إطار سياسي حد من قدرة الجيش على التحرك منفردًا في بعض الملفات الحساسة، إلا بقرار أو غطاء من السلطة السياسية.

وبحسب هذا الرأي، لا تقع مسؤولية هذه السياسة على العسكريين، بل على السلطة السياسية التي كانت تحدد سقف حركة المؤسسة.

ومع ذلك، بقي جزء من الرأي العام ينظر إلى الجيش باعتباره متأثرًا بالتوازنات السياسية، في ظل عجز السلطة أو إحجامها عن تغيير المعادلة القائمة.


“فجر الجرود”.. اختبار للقدرة وحدود القرار

دخل الجيش بعد عام 2017 مرحلة جديدة، بعدما شكلت معركة “فجر الجرود” محطة بارزة في مسيرته، مع نجاحه في طرد تنظيم “الدولة” من الحدود الشرقية.

ولم ينه هذا الإنجاز التحديات التي تواجه المؤسسة، لكنه أثبت قدرتها على التخطيط والتنفيذ وخوض معارك معقدة عند توفر القرار والدعم والغطاء السياسي.

تزامنت عملية “فجر الجرود” التي نفذها الجيش اللبناني داخل الأراضي اللبنانية مع عمليات خاضها حزب الله والجيش السوري في الجانب السوري من الحدود. ويقول بالوكجي إن هذا التداخل الجغرافي فرض قدرًا من التنسيق الميداني غير المباشر بين العناصر والوحدات، من دون أن يعني ذلك وجود قيادة عمليات مشتركة معلنة.

ويقول إن الجيش سعى إلى الحفاظ على توازن دقيق، يؤمن تنفيذ مهمته وحماية الحدود، مع إبقاء عمليته ضمن المهمة والحدود التي أعلنتها قيادة الجيش.

ومع نجاح الجيش في العملية، برز اسم قائده آنذاك جوزيف عون، الذي قاد المؤسسة خلال مراحل شديدة الحساسية بعد توليه منصبه عام 2017، بدءًا من الاحتجاجات الشعبية عام 2019، مرورًا بالانهيار الاقتصادي، وصولًا إلى الحرب على الحدود الجنوبية.



مؤسسة في مواجهة الانهيار

وجد الجيش نفسه بعد عام 2019 أمام أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، انعكست على رواتب العسكريين وقدرات المؤسسة اللوجستية والتشغيلية.

وتراجعت قيمة الرواتب بصورة حادة، وازدادت صعوبة تأمين الوقود والصيانة والتجهيزات والطبابة، فيما بقي الجيش مطالبًا بحفظ الأمن الداخلي وضبط الحدود ومواجهة الأزمات.

ومع ذلك، حافظت المؤسسة على تماسكها، مستفيدة من مساعدات خارجية قدمتها دول عدة، بينها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ودول عربية، إضافة إلى برامج دعم وتدريب وتجهيز.

وفي يناير/ كانون الثاني 2025، انتقل جوزيف عون من قيادة الجيش إلى رئاسة الجمهورية، لتدخل المؤسسة مرحلة جديدة عُيّن خلالها العماد رودولف هيكل قائدًا للجيش في مارس/ آذار من العام نفسه.


تراجعت قيمة الرواتب بصورة حادة، فيما بقي الجيش مطالبًا بحفظ الأمن الداخلي وضبط الحدود ومواجهة الأزمات – غيتي

من حماية الحدود إلى ترتيبات الجنوب


مع تصاعد الضغوط الدولية لإعادة تثبيت سلطة الدولة وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية، وجد الجيش نفسه في قلب معادلة سياسية وأمنية أكثر تعقيدًا.

فالمطلوب منه لم يعد يقتصر على حماية الحدود والحفاظ على الأمن الداخلي، بل بات يشمل الاضطلاع بدور أساسي في أي ترتيبات جديدة للجنوب، وتنفيذ القرار 1701، وتعزيز انتشار الدولة على الحدود.


ينص القرار 1701 على وقف الأعمال العدائية، واحترام الخط الأزرق، ودعم انتشار الجيش بالتعاون مع “اليونيفيل”، وإنشاء منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي سلاح أو أفراد مسلحين غير تابعين للدولة اللبنانية والقوات الدولية.

ومع بدء مسار تفاوضي غير مباشر برعاية أميركية بشأن الانسحاب والترتيبات الأمنية، برز الجيش بوصفه الجهة المفترض أن تنتشر في المناطق التي تخليها القوات الإسرائيلية. ويربط الإطار المتداول بين انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار الجيش، بالتوازي مع مسار يتعلق بسلاح حزب الله، إلا أن هذه العناصر لم تتحول كلها بعد إلى آلية تنفيذية مكتملة.


 


هل يستطيع الجيش حصر السلاح؟

يربط مارسيل بالوكجي قدرة الجيش على حصر السلاح بنضوج قرار سياسي لبناني وإقليمي، معتبرًا أن المسألة لا يمكن حسمها بقرار داخلي منفرد، في ظل ارتباط حزب الله بإيران وتشابك الملف اللبناني مع التفاهمات الأميركية–الإيرانية.

وبحسب تحليله، من الصعب أن يفرض الجيش حصرية السلاح ما لم يتوفر قرار سياسي واضح، لأن البعد الإقليمي يفرض قيودًا على حركة جميع الأطراف ويخلق تعقيدات تتجاوز المؤسسة العسكرية.

ولا يرى بالوكجي أن المشكلة تكمن في قدرات الجيش. فالمؤسسة، بحسب قوله، قادرة على تنفيذ المهمات الموكلة إليها، وتمتلك القدرة البشرية والعسكرية، وحصلت على مدى سنوات على دعم وتدريبات متقدمة من الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، كما تمتلك وحدات خاصة قادرة على تنفيذ مهمات مختلفة داخل لبنان.

“المشكلة ليست في قدرات الجيش، بل في القرار السياسي”.

أما الحديث عن “الاستراتيجية الدفاعية“، فيعتبره غير كافٍ ما دام القرار السياسي يقيد حركة الجيش ويمنعه من تنفيذ بعض المهمات الاستراتيجية.

ويشير إلى أن الجيش يستطيع القيام بمهمات محدودة وانتشارات موضعية، لكن التحدي يظهر عندما يتعلق الأمر بملفات كبرى، ولا سيما المواجهة مع إسرائيل أو الاقتراب من مصادر القوة التي يمتلكها حزب الله.

ويضرب مثالًا بمنطقة تلال علي الطاهر، معتبرًا أن الجيش قد يستطيع الانتشار أو تسليم مواقع محددة، لكنه لا يستطيع الذهاب بعيدًا في أي خطوة تصطدم بقرار سياسي ما زال خارج يده.



في المقابل، تقوم المقاربة الرسمية المعلنة على أن حصر السلاح عملية سياسية وأمنية تدريجية تقودها الدولة، وأن دور الجيش هو تنفيذ القرارات التي تتخذها المؤسسات الدستورية، لا اتخاذ قرار نزع السلاح أو تحديد توقيته من تلقاء نفسه.

كما يرى مؤيدو حزب الله أن بحث السلاح لا يمكن فصله عن استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية وضمانات الدفاع عن لبنان، وهو طرح تختلف معه القوى التي تعتبر أن بقاء سلاح مستقل يمنع بناء استراتيجية دفاعية واحدة.



اتفاقات مرتفعة السقف وواقع أكثر تعقيدًا


يرى بالوكجي أن هناك فجوة بين الاتفاقات التي يتم التوصل إليها في الخارج وبين إمكان تنفيذها على أرض الواقع.

فقد تتضمن التفاهمات أهدافًا مرتفعة السقف وضمانات ووعودًا، لكن ترجمتها ميدانيًا تبقى صعبة في ظل غياب آلية مراقبة واضحة، وقواعد اشتباك جديدة، وضمانات أميركية ودولية جدية.

كما يشدد على أن القوات الدولية لا تستطيع وحدها تنفيذ الاتفاقات في الجنوب إذا لم تحصل على صلاحيات واضحة ودعم فعلي، وإذا لم تكن هناك إرادة سياسية لبنانية لتطبيقها.

وبحسب تحليله، لا تزال خطة الانتشار حتى الآن محدودة وغير قادرة وحدها على معالجة أزمة حصرية السلاح، وقد تتحول الإجراءات إلى وسيلة لكسب الوقت بانتظار اتضاح اتجاه المسار الإقليمي الأميركي–الإيراني.

ويعتبر أن القرار العسكري لا يزال منفصلًا عن القرار السياسي الأوسع، إذ يستطيع الجيش اتخاذ قرارات موضعية في أماكن محددة، لكنه لا يستطيع فرض قراره على كامل الأراضي اللبنانية من دون سلطة سياسية موحدة.

ويضيف أن مسألة السلاح خارج الدولة لا تزال من دون حل نهائي، وأن ما تغير حتى الآن هو الشكل أكثر من جوهر المعادلة.


هل نحن أمام مهادنة أم تسوية قابلة للاستمرار؟


يصف بالوكجي المرحلة الحالية بأنها “مهادنة” أكثر منها حلًا نهائيًا.

فحتى إذا هدأت الجبهة أو عادت الأطراف إلى الحدود السابقة، يبقى احتمال تجدد المواجهة قائمًا إذا صدر قرار إقليمي يعيد تفعيلها.

ويرى أن حزب الله، رغم تراجع جزء من قدراته، لا يزال قادرًا على إحداث اضطراب داخلي وأداء دور مؤثر، نظرًا إلى امتداده داخل الدولة وعلاقاته السياسية والمؤسساتية.

تبقى هذه التقديرات جزءًا من تحليل بالوكجي للمشهد، ولا تعني أن المواجهة المقبلة حتمية، لكنها تعكس، برأيه، هشاشة التسويات القائمة ما دامت مسألة القرار والسلاح لم تُحسم.

القوات الدولية والفراغ الأمني


إلى جانب الجيش، اضطلعت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان “اليونيفيل” بمهام متعددة في الجنوب، بينها دعم الجيش ومراقبة وقف الأعمال العدائية والتنسيق بين الأطراف.

ويطرح احتمال انتهاء مهمة القوات الدولية أو تعديلها سؤالًا أساسيًا بشأن الجهة التي ستملأ الفراغ الأمني بعد رحيلها.

ينتقد بالوكجي الرهان الكامل على القوى الخارجية لتطبيق تسوية لم تُحسم شروطها داخليًا. ويرى أن واشنطن تحاول معالجة الأزمة من خلال الضغط على حزب الله، فيما لم تُنجز الدولة اللبنانية الإصلاحات التي تساعدها على تنفيذ قراراتها وبسط سلطتها.

وبرأيه، كلما اتُخذ قرار داخلي، يجري الانتقال سريعًا إلى الاعتماد على المواكبة الدولية أو على القوات الدولية لتنفيذه، بدل بناء قدرة مؤسسات الدولة على فرضه.

ويحذر من إعادة إنتاج التجربة نفسها إذا جاءت قوات دولية جديدة أو أُعيد تشكيل القوة الموجودة من دون معالجة أصل المشكلة، أي ازدواجية القرار والسلاح.



نفوذ حزب الله داخل مؤسسات الدولة


في تحليله للمسار التفاوضي وإمكان تنفيذه داخليًا، يرى مارسيل بالوكجي أن ازدواجية القرار لا تزال قائمة، مثلما بقيت ازدواجية المعادلة الأمنية.

ولا يستند نفوذ حزب الله إلى قوته العسكرية وحدها، بل أيضًا إلى تمثيله النيابي والوزاري وتحالفاته السياسية ودوره في التوافقات الحكومية. وفي المقابل، يربط الحزب سلاحه بمواجهة إسرائيل، فيما ترى قوى لبنانية أخرى أن استمرار قوة عسكرية خارج المؤسسة العسكرية يمنع توحيد قرار الحرب والسلم.

ويظهر أثر هذا الخلاف عند الانتقال إلى التنفيذ؛ فالجيش لا يحدد توقيت حصر السلاح أو آليته، بل ينتظر تكليفًا حكوميًا وغطاءً سياسيًا واضحًا. لذلك، لا يعكس بطء التنفيذ بالضرورة عجز المؤسسة العسكرية، بقدر ما يكشف غياب اتفاق سياسي على المهمة وحدودها.


 

 

لا يواجه لبنان تداعيات المواجهة مع إسرائيل فحسب، بل خلافًا داخليًا على الجهة التي تملك قرار الحرب والسلم، وعلى موقع سلاح حزب الله في الترتيبات الأمنية المقبلة، بحسب ما يقول بالوكجي.

ويرى بالوكجي أن نجاح المسار الذي يديره رئيس الجمهورية بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يُقاس بالتفاهمات السياسية وحدها، بل بقدرته على تثبيت الانسحاب الإسرائيلي، وتعزيز انتشار الجيش، وتحويل الاتفاقات إلى قرارات حكومية وآليات تنفيذ واضحة.

 


من يضع الاستراتيجية الدفاعية؟


يؤكد بالوكجي في خلاصة حديثه أن الجيش لا يضع الاستراتيجية الدفاعية للدولة، وإنما تضعها السلطة السياسية.

وبحسب ما يقول، فإن أقصى ما يستطيع الجيش القيام به هو أداء دوره بوصفه قوة أمنية وعسكرية تحافظ على الاستقرار وتمنع الانقسام الداخلي، ضمن حدود القرار الذي تمنحه إياه المؤسسات الدستورية.

أما في الملفات الاستراتيجية الكبرى، فيبقى قرار المؤسسة مرتبطًا بالسلطة السياسية التي تحدد متى تتحرك، وأين، وتحت أي غطاء.

تكشف المحطات الممتدة من عام 2005 إلى ترتيبات الجنوب الحالية أن الجيش استطاع الحفاظ على تماسكه، وخوض مواجهات أمنية، والانتشار عند الحدود، رغم الأزمات المالية والسياسية. لكنها تكشف أيضًا أن المؤسسة العسكرية لا تحدد وحدها الاستراتيجية الدفاعية، ولا تستطيع حسم مسألة السلاح أو قرار الحرب والسلم خارج تكليف واضح من السلطة السياسية. 


لذلك لا يختصر السؤال في قدرة الجيش على أداء مهماته، بل في قدرة الدولة على إنتاج قرار موحد يمنحه الصلاحيات والغطاء والموارد اللازمة. وبين سلاح حزب الله، والاعتداءات الإسرائيلية، والتوازنات الداخلية والإقليمية، يبقى دور الجيش انعكاسًا لحدود القرار السياسي بقدر ما هو انعكاس لقدراته العسكرية.



المراجع


  1. الدستور اللبناني، المادة 49.
  2. قانون الدفاع الوطني الصادر بالمرسوم الاشتراعي رقم 102/1983.
  3. الموقع الرسمي للجيش اللبناني.
  4. مقابلة خاصة مع الخبير العسكري العميد المتقاعد مارسيل بالوكجي – موقع “التلفزيون العربي”.