الجيش 70.. مقاتلون من تيغراي في قلب الحسابات العسكرية بشرق السودان

الجيش 70.. مقاتلون من تيغراي في قلب الحسابات العسكرية بشرق السودان

Loading

الجيش 70.. مقاتلون من تيغراي في قلب الحسابات العسكرية بشرق السودان

متابعات/ السودانية نيوز

على امتداد المناطق الحدودية بين السودان وإثيوبيا، يتمركز تشكيل عسكري من المقاتلين التيغرانيين يحمل اسم “الجيش 70” .. آلاف المقاتلين والضباط السابقين في القوات الإثيوبية يشكلون قوام هذه القوة، التي انتقل أفرادها إلى السودان خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022، قبل أن يتحول وجودهم في شرق السودان إلى جزء من الحسابات العسكرية المرتبطة بالحرب السودانية والنزاع على المناطق المتنازع عليها غرب الإقليم الإثيوبي.

لم يعد التشكيل مجرد مجموعة من العسكريين الذين فروا من الحرب السابقة بحثا عن ملاذ آمن. فقد شارك مقاتلون منه إلى جانب قوات عبد الفتاح البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع، فيما ارتبط وجوده في المناطق الحدودية باحتمالات تحرك عسكري داخل تيغراي، خصوصا باتجاه منطقة ولقايت. وفي أغسطس 2026، عاد اسم الجيش 70 إلى الواجهة مع تقارير عن عبور مقاتلين منه الحدود ومشاركتهم في اشتباكات قرب شيريرينا.

من تيغراي إلى شرق السودان

تعود جذور الجيش 70 إلى الحرب التي اندلعت في تيغراي في نوفمبر 2020، عندما اندلعت الموواجهات بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات جبهة تحرير شعب تيغراي. وخلال الحرب، غادر عسكريون من أصول تيغرانية مواقعهم في القوات الإثيوبية، بينما فر آخرون إلى السودان مع تقدم العمليات العسكرية وتراجع القوات التيغرانية.

وتكونت المجموعة من ضباط وجنود سبق لهم العمل داخل المؤسسة العسكرية الإثيوبية، بينهم أفراد خدموا في وحدات نظامية، وآخرون كانوا ضمن القوة الإثيوبية المشاركة في بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة لأبيي. ومع انتقالهم إلى السودان، احتفظ هؤلاء بخبراتهم العسكرية وعلاقاتهم السابقة، قبل أن يظهروا لاحقا ضمن تشكيل يعرف باسم الجيش 70.

وتقدر مجموعة الأزمات الدولية، في تقريرها الصادر في 18 فبراير 2026 بعنوان “إثيوبيا وإريتريا وتيغراي.. برميل بارود في القرن الإفريقي”، عدد المقاتلين التيغرانيين الذين شاركوا إلى جانب القوات التابعة للبرهان بعدة آلاف، معظمهم من غرب تيغراي وولقايت. كما أشار التقرير إلى انضمام مئات من أفراد القوة الإثيوبية السابقة في بعثة أبيي إلى القوات المتحالفة مع البرهان في شرق السودان ووسطه. ويضع التقرير هذه المجموعة ضمن التشكييلات التي بقيت في السودان بعد انتهاء الحرب الإثيوبية، ثم دخلت في مسار الحرب السودانية.

ويشرح ماغنوس تايلور، نائب مدير مشروع القرن الإفريقي في مجموعة الأزمات الدولية، طبيعة الدور الذي لعبه هؤلاء المقاتلون في السودان، قائلا في مقابلة مع دويتشه فيله إنهم “لعبوا دورا مهما في دفع قوات البرهان إلى التراجع أمام قوات الدعم السريع في شرق السودان وحتى داخل الخرطوم. ثم استمرت هذه العلاقة”.

موقع عسكري يتجاوز اللجوء

اختيار شرق السودان قاعدة للجيش 70 يرتبط بموقعه الجغرافي، فالمناطق التي يتمركز فيها المقاتلون قريبة من الحدود الإثيوبية، وتوفر منفذا مباشرا إلى غرب تيغراي. كما أن وجودهم في السودان يضعهم على مقربة من منطقة ولقايت، التي تمثل واحدة من أبرز نقاط الخلاف بين القوى التيغرانية وقوات من أمهرة.

وتسيطر قوات من أمهرة على المنطقة منذ الحرب الإثيوبية، فيما تتمسك القوى التيغرانية باعتبارها جزءا من إقليم تيغراي. وأدى النزاع على ولقايت إلى بقاء عشرات الآلاف من النازحين بعيدا عن مناطقهم، مع استمرار الخلاف بشأن الإدارة المحلية وترتيبات عودتهم.

في هذا الموقع، يجمع الجيش 70 بين خبرة عسكرية اكتسبها أفراده داخل القوات الإثيوبية، ووجود ميداني قريب من مناطق النزاع. وتكتسب هذه المعادلة أهمية إضافية مع استمرار التوتر بين جبهة تحرير شعب تيغراي والسلطات الفيدرالية، وتعثر تنفيذ الترتيبات الأمنية التي نص عليها اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022.

وتشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن قيادة قوات الدفاع عن تيغراي تنظر إلى المقاتلين الموجودين في شرق السودان باعتبارهم قوة يمكن الاستفادة منها في تحرك متزامن باتجاه ولقايت. ووفقا للتقرير، فإن قيادة القوات التيغرانية تأمل في الحصول على دعم الجيش 70 في حال شن هجوم من الجهة الغربية على المنطقة المتنازع عليها، بالتزامن مع تحرك من داخل تيغراي.

من جبهة السودان إلى شيريرينا

في 2024 و2025، ظهرت مؤشرات على مشاركة مقاتلين تيغرانيين في العمليات العسكرية داخل السودان. وتحدث تقرير نشرته منصة “صحيح السودان” في 14 مايو 2026 عن مشاركتهم في معارك الجزيرة وسنار خلال نوفمبر 2024، وعن وجود مركز قيادة لهم في ود مدني. كما تداولت منصات سودانية تسجيلا لضابط سوداني يشكر فيه مقاتلين تيغرانيين عقب استعادة المدينة في يناير 2025.

وفي سبتمبر 2026، نشرت قوات الدعم السريع تسجيلات لأسرى قالت إنهم مقاتلون من تيغراي كانوا يقاتلون إلى جانب القوات التابعة للبرهان، عقب سيطرتها على حامية جبل قدام في منطقة النيل الأزرق. وذكرت منصة “سودان وور مونيتور” أن أحد الأسرى وصفه ناشرو التسجيل بأنه ضابط في جبهة تحرير شعب تيغراي.

لكن التطور الأكثر ارتباطا بالجيش 70 جاء في أغسطس 2026، عندما اندلعت اشتباكات في منطقة شيريرينا غرب تيغراي، قرب الحدود السودانية. وتحدث تقرير نشرته “مدى مصر” في الأول من أكتوبر عن عبور مقاتلين من الجيش 70 من السودان إلى إثيوبيا في مطلع أغسطس، واستهدافهم مواقع للقوات الإثيوبية قرب شيريرينا. ووصف التقرير التشكيل بأنه يضم آلاف المقاتلين والضباط من أصول تيغرانية، سبق لهم الخدمة في القوات الفيدرالية الإثيوبية قبل فرارهم أو انشقاقهم خلال الحرب.

وأشارت مجموعة جينز للتحليل الدفاعي إلى أن اشتباكات الأول من أغسطس كانت أول مواجهة مسلحة بين جبهة تحرير شعب تيغراي والقوات الفيدرالية منذ يناير 2026، وأنها وقعت في منطقة قريبة من الحدود السودانية.وتعيد المواجهات إبراز الدور المحتمل للمقاتلين الموجودين في السودان في أي تصعيد جديد داخل الإقليم.

قوة في ظل انقسام تيغراي

يتحرك الجيش 70 في بيئة سياسية وعسكرية تغيرت بصورة كبيرة منذ اتفاق بريتوريا. فالاتفاق الذي أنهى الحرب في نوفمبر 2022 نص على ترتيبات لنزع سلاح قوات تيغراي وتسريح مقاتليها وإعادة دمجهم، لكن عملية نزع السلاح لم تكتمل، وبقيت تشكيلات عسكرية قائمة داخل الإقليم وخارجه.

وفي مايو 2026، استعادت جبهة تحرير شعب تيغراي السيطرة على المؤسسات الإقليمية في ميكيلي، وأعادت تنصيب رئيسها دبرصيون جبرميكائيل على رأس الإدارة، منهية عمليا ترتيبات الإدارة المؤقتة التي نشأت بعد اتفاق السلام. وترافق ذلك مع تصاعد المواجهة السياسية والعسكرية مع السلطات الفيدرالية، ثم تجدد الاشتباكات في أغسطس وسبتمبر.

ومع توسع المواجهات في سبتمبر، امتدت العمليات إلى مناطق عدة داخل الإقليم، بينها محاور قريبة من الحدود. وفي أكتوبر، تواصلت الاشتباكات في شيرارو وراما ووسط تيغراي، فيما شهدت الأيام الأولى من نوفمبر تحركات عسكرية باتجاه المناطق الحدودية.

وفي الخامس من نوفمبر 2026، أعلن بدء برنامج لنزع السلاح وإعادة التأهيل يستهدف نحو 5500 مقاتل سابق من قوات الدفاع عن تيغراي في ميكيلي. ويأتي البرنامج في وقت لا تزال فيه تشكيلات مسلحة قائمة، بينما يظل الجيش 70 خارج الإقليم في شرق السودان، بما يحمله ذلك من امتداد عسكري يتجاوز ترتيبات التسريح المحلية.

المقاتلون السابقون بين العودة والقتال

تتداخل حسابات الجيش 70 مع واقع المقاتلين السابقين الذين خاضوا الحرب الإثيوبية، ثم وجدوا أنفسهم أمام احتمال العودة إلى القتال مع تجدد المواجهات. وفي تقرير نشرته قناة الجزيرة في 25 سبتمبر 2026، تحدث شبان من تيغراي عن رفضهم الانضمام مجددا إلى القوات، وعن مغادرتهم الإقليم خوفا من التجنيد القسري.

وقال شيويت، وهو أحد الذين تحدثوا إلى الجزيرة، “نجوت بالفعل من حرب واحدة. لم أكن أريد أن أخوض تجربة أخرى”. وأضاف أنه ترك أشقاءه الذين كانوا يعتمدون عليه ومشروعا تجاريا بذل جهدا كبيرا لبنائه.

أما غبرهيووت، وهو مقاتل سابق، فقال “قيل لنا إننا نقاتل من أجل شعبنا، لكن بعد انتهاء الحرب رأيت المقاتلين الجرحى وعائلات القتلى يُتركون لمواجهة مصيرهم”. وأضاف “أعرف كيف تبدو ساحة المعركة. لا أريد العودة إليها والمخاطرة بألا أعود إلى منزلي”.

ظهرت المقالة الجيش 70.. مقاتلون من تيغراي في قلب الحسابات العسكرية بشرق السودان أولاً على السودانية نيوز.