![]()
الحرب على الأرض.. والأبناء بعيدون عنها
متابعات –السودان الآن – إن أكثر ما يثير الأسى في هذه الحرب أن أبناء عامة الناس هم الذين يدفعون ثمنها الأكبر؛ فمنهم من قضى نحبه، ومنهم الجريح والمفقود والمشرّد، ومنهم من يقف في الخنادق والثغور يواجه أهوال القتال، بينما ينعم آخرون بالأمن والاستقرار بعيداً عن ألسنة النار.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: إذا كانت الحرب التي تُرفع لها الشعارات وتُطلق حولها الدعوات قضية عادلة أو معركة مصيرية كما يصفها أنصار هذا الطرف أو ذاك، فلماذا يكون أبناء البسطاء هم الوقود الدائم لها؟ ولماذا تبدو النجاة والتعليم والحياة الآمنة أكثر قرباً لأبناء أصحاب القرار والنفوذ والخطاب السياسي والإعلامي؟
إن المشكلة ليست في أن يحرص الإنسان على سلامة أبنائه، فذلك أمر فطري لا يختلف عليه الناس، وإنما تكمن المعضلة في ازدواجية المعايير؛ حين يُطلب من عامة الناس تقديم التضحيات، بينما تُفتح لأبناء آخرين أبواب الأمان والحياة المستقرة بعيداً عن أجواء الحرب.
ومنتهى القبح في حرب أبريل أن يلوذ قادتها ودعاتها بأبنائهم إلى الملاذات الآمنة، ويؤمنوهم خلف الحدود، ثم يُزج بأبناء المستضعفين في أتون القتال دون أن يطرف لهم جفن. فإن كانت حرب كرامة عند قوم، أو حرباً من أجل الديمقراطية عند آخرين، فإن أولى الناس بتحمل تبعاتها هم أصحاب الدعوة إليها والقائمون عليها، وإلا كان ذلك انفصاماً واضحاً وازدواجية لا تخفى.
وحرِيٌّ بمن يقودون الحروب أو يدعون إليها أن يتأملوا صفحات التاريخ؛ فقد كان القادة في مختلف العصور يشاركون الناس تبعات ما يدعون إليه، ولا يجعلون أبناء الآخرين وحدهم وقوداً للصراعات.
وفي واقعنا اليوم، يظل ابن المواطن البسيط هو الأكثر تعرضاً للخسارة؛ فهو الذي يتحمل القتل والإصابة والنزوح والفقد، بينما يبقى كثير من أصحاب النفوذ والخطاب بعيدين عن هذا الثمن القاسي.
إن القضية ليست قضية أشخاص بأعيانهم، ولا استهدافاً لفئة بعينها، وإنما هي دعوة للتأمل في عدالة توزيع الأعباء، وفي حق الناس جميعاً في أن تكون التضحيات والمسؤوليات متساوية، لا أن يتحملها طرف واحد دون غيره.


وبقول أهلنا في دارجتهم البليغة: أولاد الناس ما لاقينهم في كَرْتَلَة