السودانيون وكراهية الذات!

السودانيون وكراهية الذات!

Loading

أحد أزمات السودان العويصة تلك الكراهية الكامنة في نفوس بعض السودانيين لجزء من ذواتهم!
تحديدا ذلك الجزء المتسبب في طردهم من الصفوف الأمامية للنادي العربي!
لما سوداني تكون ملامحه عربية من حيث لون البشرة ونوع الشعر ويسمع تعليقا عابرا من أحد مواطني دول الخليج: غريبة أنك سوداني! أنت لا تشبه السودانيين!
يستقبل السوداني هذا التعليق بفخر وفرح وكأنه حاز على تذكرة لدخول الجنة! كأنه تخلص من عبء ثقيل ويتنفس الصعداء لأنه تخفف من حمولة السودان التي تؤخره عن الركب العربي!
هذا الاستلاب العربي لو لم يكن له تأثير مباشر على واقعنا السياسي والعقلية التي أدارت شأننا العام لما توقفنا عنده أبدا!!
ولكن بكل أسف كانت النتيجة المباشرة لذلك الاستلاب هي أن السودان في حد ذاته حسب المخيال السياسي المستلب للنخب السودانية لا يستحق أن يكون محور دوران الفعل السياسي!
فالسودان يجب تسخيره لخدمة مصالح الآخرين!
السودان ناجح بقدر ما يقدم للأمة العربية والإسلامية وليس بقدر ما يقدم لشعبه!
أذكر عندما كنت تلميذة في المدرسة في السعودية وكانت الأخبار في التلفزيون تتحدث عن مجاعة في السودان وكانت الزميلات من جنسيات مختلفة يسألننا عن حقيقة ما يجري، ما أذكره تماما هو أن زميلاتي السودانيات اتفقن على إنكار المجاعة بصيغة مضحكة جدا: المجاعة ما في السودان المجاعة في جنوب السودان! وهذا كان في الثمانينات! أي قبل انفصال الجنوب بكثير!
وكان التعاطف منعدما تماما بين زميلاتي السودانيات اللاتي غلب عليهن الخجل والغضب الشديد من الحديث عن مجاعة في السودان وعرض صور تلك الملامح في الشاشات منسوبة للسودان!!
الآن يمتعض كثيرون من الحديث عن المجاعة خلال هذه الحرب لأن من يكابدون الجوع من إثنيات لا نشعر بأنها جزء من الوطن وتستحق ليس مجرد التعاطف بل المسؤولية المباشرة!
كيف نسهر على تنمية ونهضة وطن دون أن تكون نفوسنا مسكونة بحبه واحترام كل مكوناته!
كيف ننهض بوطن وهناك شيء كامن في اللاوعي الجمعي لنا يحثنا على التهرب من الانتماء لهذا الوطن لأن ذلك يحرمنا من الانتماء العربي كامل الدسم الذي نحلم به!
نحن لا نتهرب وننفر من الجنوب وجبال النوبة ودارفور فقط!
نحن ننفر ونتهرب حتى من النهر والبحر والدليل أننا لم ننجح في تنمية وتعمير ولايات شمال ووسط وشرق السودان ونرتقي بها لتصل إلى مستوى جوارها العربي والإفريقي!
حتى مواطن النهر والبحر عندما يخرج إلى العالم العربي يشعر بأنه ليس عربيا كامل الدسم فيتأزم!
كل العوامل السياسية والاقتصادية وطبيعة أنظمة الحكم ودورها في التخلف والحروب مفهوم جدا!
ولكن يجب ألا نغفل العامل السيكولوجي المعقد هذا في إفشالنا!
يجب أن نتعلم ونتدرب على حب أنفسنا كما هي!
يجب أن نتعلم ونتدرب على حب وطننا كله ولا نكره بعض أجزائه ونتمنى ذهابها!
نجاحنا الباهر والمتفرد في قتل بعضنا البعض ووحشية حروبنا الأهلية وفي نفس الوقت عدم قدرتنا على قول بغم لأي محتل أجنبي دليل على أزمتنا العميقة! أزمة كراهية الذات واحتقارها!
يجب أن نتطلع إلى بلورة فكر سياسي يجعل محور دورانه هو السودان! فكر لا يساوم على مصالح السودان أبدا! ولكي يفعل ذلك لا بد أن يعالج العقدة الجماعية الخفية ويبث في السودانيين التصالح التام مع أشكالهم وألوانهم وملامحهم ويجعل هدفهم المركزي هو سلام وتنمية وحرية وطنهم، يجب استبدال الشوق إلى انتماء عربي مستحيل بشوق إلى انتماء ممكن جدا لسودان خالٍ من الحروب والمجاعات، سودان ناهض ومتطور.
أقول قولي هذا وأنا امرأة مستعربة استعرابا كاملا، وأعتبر العروبة كأفق ثقافي أحد مدخلات الهوية السودانية، ولكن يجب على السوداني أن يتعقل خصوصية علاقته بالفضاء العربي ولا يتنكر للمكونات غير العربية الغالبة عليه.