![]()
في ظل التوتر المتصاعد مع الولايات المتحدة، والحرب التي أعادت ترتيب أولويات الدولة الإيرانية، لا يبدو المشهد، وفق التصريحات الإيرانية الأخيرة، قائمًا على مركز واحد يدير جميع التفاصيل، بل على منظومة تتداخل فيها أدوار القيادة السياسية والحكومة والمؤسسة العسكرية والأمنية، مع بقاء القرارات الإستراتيجية مرتبطة بقمة هرم السلطة.
وفي هذا السياق، أعاد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في رسالته الأخيرة، التأكيد على دعمه للرئيس مسعود بزشكيان، واصفًا إياه بالرئيس الصادق والحريص، وداعيًا إلى تجنب الاستقطاب والحفاظ على التماسك الداخلي.
لكن رسالة المرشد لم تقتصر على دعم الحكومة، إذ رسمت أيضًا الخطوط العامة للمرحلة المقبلة، من خلال التأكيد على إظهار قوة إيران، ومعالجة نقاط الضعف بعيدًا عن العلن، وتعزيز الإنتاج المحلي، والاعتماد على ما يعرف بـ”اقتصاد المقاومة”، إلى جانب مواجهة تداعيات العقوبات.
بزشكيان.. دبلوماسية تحت سقف المواجهة
في المقابل، يقدم الرئيس مسعود بزشكيان معادلة تبدو مكملة لهذا التوجه. فالحكومة الإيرانية تؤكد أن طهران لا تسعى إلى الحرب، لكنها في الوقت نفسه لن تستسلم لها، مع التشديد على أهمية الدبلوماسية والحوار، بالتوازي مع إعلان الاستعداد للدفاع عن البلاد بكل قوة.
ويأتي هذا الخطاب في وقت يقر فيه بزشكيان بأن العقوبات والضغوط الاقتصادية تضرب الاقتصاد الإيراني بصورة مباشرة، خصوصًا مع تراجع التجارة الخارجية.
وهنا تتحرك الحكومة باعتبارها الجهة المسؤولة عن إدارة الأزمة الاقتصادية اليومية، من التضخم وارتفاع الأسعار إلى الوظائف والاستثمار والإنتاج، فضلًا عن محاولات تقليص الاعتماد على الدولار وتعزيز الإنتاج المحلي.
لكن هامش تحرك الحكومة يبقى مرتبطًا بالسقف السياسي والأمني الذي تحدده القيادة العليا.
الحرس الثوري.. المعادلة العسكرية والاقتصادية
أما على المستوى العسكري والأمني، فتبدو الصورة أكثر وضوحًا. فالحرس الثوري الإيراني يتحدث عن سيناريوهات متعددة للتعامل مع الحرب الاقتصادية والضغوط الأميركية، مؤكدًا امتلاك خطط لمواجهة تداعيات هذه الضغوط.
وفي خطاب المؤسسة العسكرية، لا تبدو الحرب الاقتصادية منفصلة عن المواجهة العسكرية، إذ يجري الربط بصورة مباشرة بين ما تسميه طهران “الصمود العسكري” و”الصمود الاقتصادي”.
إيران تحت الضغط.. من يمسك بالقرار في زمن الحرب؟#الأخيرة pic.twitter.com/NAPHrMRIfu
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 29, 2026
وهذا يعكس الدور الذي يلعبه الحرس الثوري في منظومة الأمن القومي الإيراني، خصوصًا في الملفات المرتبطة بالمواجهة الخارجية والردع العسكري، بينما تظل الحكومة مسؤولة بصورة أكبر عن إدارة الاقتصاد والخدمات والملفات الداخلية.
غياب المرشد يضاعف الغموض
لكن المعادلة تصبح أكثر تعقيدًا مع غياب المرشد عن الظهور العلني.
فغياب الظهور المباشر لا يعني بالضرورة غياب القيادة أو توقف عملية اتخاذ القرار. فإذا كان المرشد لا يزال يتلقى التقارير ويشارك في تحديد الخيارات الكبرى، فإن السؤال لا يتعلق بغياب مركز القيادة بقدر ما يتعلق بكيفية توزيع الصلاحيات بين مؤسسات النظام خلال فترة الحرب.
خارجيًا، تحاول طهران الجمع بين المسارين الدبلوماسي والعسكري. فمن جهة، تحافظ على قنوات التواصل مع القوى الإقليمية والدول التي يمكن أن تساعد في تخفيف آثار العقوبات والضغوط الاقتصادية، ومن جهة أخرى، تبقي أدوات الردع العسكري حاضرة.
لكن التحدي الأكبر قد لا يكون سياسيًا أو عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا. فمع استمرار العقوبات والحصار وتراجع التجارة الخارجية، تبرز تساؤلات حول قدرة الدولة الإيرانية على تحويل شعار “اقتصاد المقاومة” من خطاب سياسي إلى سياسة اقتصادية قابلة للاستمرار على المدى الطويل.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم هو: من يدير إيران؟ بل: هل يستطيع هذا التوزيع بين القيادة السياسية والحكومة والمؤسسة العسكرية والأمنية الحفاظ على وحدة القرار إذا امتدت الحرب لفترة طويلة؟
خلافات داخلية.. لكن أين تقف حدودها؟
وفي هذا السياق، قال مصدق بور، مدير مركز الدراسات الإستراتيجية الإيرانية العربية، إن هناك بالفعل تباينًا في الرؤى والآراء داخل إيران بشأن المفاوضات أو خيار الحرب، لكن هذا التباين لا يمسّ المبادئ الأساسية.
وأوضح في حديثه للتلفزيون العربي من طهران أن هناك إجماعًا واضحًا حول مسألة عدم الثقة بالولايات المتحدة، إلى جانب اتفاق عام على ضرورة التحلّي باليقظة والحذر وتجنّب القرارات المتسرعة.
وأضاف أن الخلافات تتركز حول ما إذا كان ينبغي الاستمرار في المفاوضات أو التوجّه نحو المواجهة العسكرية، أو اعتبار أن أحد الخيارين يُكمل الآخر.
هل تعكس تصريحات بزشكيان وخامنئي اختلافا حقيقيا في تقدير الأزمة؟#الأخيرة pic.twitter.com/mpfijDmbFe
— التلفزيون العربي (@AlarabyTV) August 29, 2026
هل تنجح الضغوط الأميركية؟
وبشأن سؤال حول ما الذي يجعل الضغط الحالي على إيران ناجحًا بالنسبة لإدارة الرئيس دونالد ترمب، قال باولو فون شيراك، رئيس معهد السياسات العالمية، إنه لا توجد إجابة حاسمة في نهاية المطاف، لكن الضغوط الاقتصادية ستضيّق الخناق على الاقتصاد الإيراني.
وأوضح في حديثه للتلفزيون العربي من واشنطن أن الولايات المتحدة لا تملك السيطرة الكاملة على المشهد، مشيرًا إلى أن إيران ما زالت قادرة على التعامل مع الصين عبر السكك الحديدية، أو عبر بحر قزوين مع دول أخرى، ما يتيح لها الحصول على بضائع وسلع بطرق متعددة.
وأضاف أن “شريان الحياة الحقيقي يرتبط بالموانئ، ليس فقط في ما يتعلق بالنفط، بل أيضًا بالسلع الأخرى”، لافتًا إلى أن هذه الموانئ تخضع لحصار، ما يجعل المسألة في النهاية مسألة وقت.
