اليمن بين تصاعد المواجهات وتعثر الحوار.. ما فرص الحل السياسي؟

اليمن بين تصاعد المواجهات وتعثر الحوار.. ما فرص الحل السياسي؟

Loading

يغيب الحوار عن المشهد اليمني، فيما تتقدم لغة السلاح والمدفعية، بالتزامن مع عملية عسكرية أطلقتها الحكومة اليمنية لاستعادة مؤسسات الدولة من جماعة أنصار الله الحوثيين.

وجاءت العملية عقب تقدم الجماعة في مدينة المخا الساحلية قبل نحو شهر، لترد القوات الحكومية بتحركات تهدف إلى إحكام السيطرة على الساحل الغربي المطل على مضيق باب المندب، وإبعاد الحوثيين عن مركز مدينة تعز، ومنع أي تقدم لهم باتجاه مدينة مأرب.

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على الجبهات الداخلية، إذ تلقي الهجمات العابرة للحدود بظلالها على المشهد اليمني. فقد شنّت جماعة أنصار الله الحوثيين هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة استهدفت العمق السعودي، في تطور يعيد الصراع إلى مربع المواجهة المباشرة مع المملكة العربية السعودية، التي تقود التحالف الداعم للحكومة اليمنية.

لماذا يتعثر الحوار السياسي في اليمن؟

وفي خضم هذه التطورات، برزت مؤشرات على استعداد إيران لتسهيل الحوار السياسي بين السعودية والحوثيين، بهدف خفض التصعيد. ويثير هذا الطرح تساؤلات بشأن دوافع طهران، إذ يُنظر للحوثيين بكونهم ذراعًا ينفذ سياسات إيران في المنطقة.

وتواجه جهود استئناف الحوار اليمني عقبات عدة، في مقدمتها انعدام الثقة بين أطراف الصراع وتضارب المواقف بشأن شرعية السلطة.

فالحكومة اليمنية تنظر إلى جماعة أنصار الله الحوثيين باعتبارها ميليشيات خارجة عن القانون، وهو موقف يتقاطع مع ما ورد في بيان للمجلس الانتقالي الجنوبي صدر الإثنين، وتضمن تأييدًا للحكومة.

في المقابل، يتمسك الحوثيون بخطاب يدين استمرار الحصار والقصف على المناطق الخاضعة لسيطرتهم.

“الحوار يتحول أحيانًا إلى مقدمة لصراع جديد”

وفي هذا الإطار، قال المحلل السياسي عبد الواسع الفاتكي، إن الحوار في اليمن كثيرًا ما يتحول إلى مقدمة لصراع جديد، إذ سرعان ما يعقب جلسات التفاوض اندلاع مواجهات عنيفة، وهو ما يعكس طبيعة البنية السياسية المعقدة في البلاد حيث تتوزع السلطة بين أطراف متعددة، كل منها يسعى لفرض رؤيته على طاولة الحوار.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من تعز، أشار الفاتكي إلى أن مؤتمر الحوار الوطني كان نموذجًا بارزًا، إذ شاركت فيه مختلف القوى اليمنية وخرج بوثيقة شاملة لحل مشكلات البلاد، غير أن الأطراف لم تكن صادقة في التزاماتها. فبينما حضر الحوثيون جلسات الحوار، كانوا في الوقت نفسه يتمددون عسكريًا خارج صعدة.

وأضاف أن الحديث عن الحوار في الظروف الراهنة يبدو سابقًا لأوانه، خاصة أن جماعة الحوثي ترى فيه وسيلة لتثبيت مكاسبها السياسية والعسكرية، بينما تبدي السلطة الشرعية استعدادًا للتفاوض حقنًا للدماء، لكنها تصطدم برفض الحوثيين لأي مرجعيات وطنية، وإصرارهم على حوار يكرّس سلطتهم.

وأكد الفاتكي أن الحكومة اليمنية قدمت تنازلات عديدة في مراحل سابقة عبر وساطات إقليمية ودولية، لكن الحوثيين استخدموا محطات الحوار كهدن لإعادة ترتيب صفوفهم والتحشيد العسكري.

ورأى أن السلطة الشرعية لا تمانع الدخول في مفاوضات وفق الثوابت الوطنية، غير أن الطرف الآخر يسعى إلى فرض مشروعيته عبر القوة والعنف، ما يجعل أي حديث عن طاولات تفاوض في ظل هذا الاحتقان الداخلي والمشاريع المتعددة أمرًا بالغ الصعوبة.

“الأزمة اليمنية تتجاوز الخلافات بين الأطراف”

من جهته، أكد المحلل السياسي أنس القاضي أن الحوار يبقى السبيل الأمثل لحل الأزمة اليمنية، وأن إمكانية إطلاقه ما زالت قائمة، غير أن الأزمة تحمل طابعًا مزدوجًا، فهي أزمة مشروعية سياسية وأزمة ديمقراطية. فمنذ عام 2011 لا توجد سلطة شرعية بالمعنى الدستوري، إذ يتوزع الحكم بين مجلس سياسي في صنعاء ومجلس قيادة في عدن، فيما يغيب رئيس منتخب شعبيًا.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من صنعاء، أوضح القاضي أن الحوار اليمني – اليمني قادر على معالجة البعد الداخلي للأزمة إذا ما كان جادًا وصادقًا، لكنه يصطدم ببعد خارجي يتمثل في الدور الإقليمي، خصوصًا الدور السعودي الذي، بحسب قوله، يعيق حتى الآن إطلاق مثل هذا الحوار.

وأضاف أن أزمة الشرعية المستمرة منذ 2011 أفرزت تعدد السلطات، وهو ما يجعل كل طرف متمسكًا بالسيطرة على ما يملك.

وأشار إلى أن الحوار بطبيعته يجمع القوى المتناقضة والمتصارعة، وهو ضروري لحل القضية اليمنية في بعدها الداخلي بين هذه السلطات المتنازعة.

“مشاركة الجنوب شرط لأي تسوية”

من جانبه، أكد المحلل السياسي أوسان بن سدة أن المجلس الانتقالي الجنوبي لا يعارض الحوار السياسي، بل يتمسك به شريطة أن يكون الجنوب طرفًا رئيسيًا فيه، وأن تُحدد مسارات واضحة بضمانات دولية تكفل حقوق الجنوبيين وتمنع تجاوزهم.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من لندن، أوضح أن الأطراف الشمالية، سواء الحوثيون أو خصومهم، دأبوا على التعامل مع الجنوب باعتباره هامشًا يمكن إقصاؤه من أي حل شامل للأزمة اليمنية، وهو ما يرفضه المجلس الانتقالي.

وأضاف أن الحوار يجب أن يضمن تطلعات الجنوبيين وتضحياتهم، ويحول دون تكرار سيناريوهات الإقصاء السابقة.

وأشار بن سدة إلى أن الحوثيين لا يؤمنون بالحوار السياسي، بل يستخدمونه كغطاء لفرض شروطهم عبر القوة العسكرية، معتبرًا أن الجماعة لا تعرف سوى “حوار المدافع والدبابات”، وهو الشكل الوحيد الذي تسعى لفرضه في أي مفاوضات قادمة.

“التنازلات ضرورة لإنجاح الحوار اليمني”

بدوره، قال الصحفي والخبير بالشأن اليمني أنور العنسي إن الحوار يظل الخيار الأفضل في أي زمان ومكان، حتى وإن لم يحقق كامل تطلعات الأطراف، مشددًا على أن أي تفاهم أو اتفاق لا يمكن أن يكون مثاليًا أو مرضيًا للجميع، بل يتطلب تنازلات مؤلمة وقبولًا بفكرة التعايش وتحمل اختلافات المواقف.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من استديوهات لوسيل، أوضح العنسي أن نجاح أي حوار يستلزم أولًا ترسيخ ثقافة الحوار وقيمه وفلسفته، وتحديد ما يراد منه، معتبرًا أن الدخول في مفاوضات بلغة خشبية وأحكام مسبقة لا يمكن أن يقود إلى نتائج حقيقية.

وأشار إلى أن الحوار كان ممكنًا في مراحل سابقة، سواء خلال مؤتمر الحوار الوطني في صنعاء أو عبر جولات المشاورات الأربع التي عقدت في الكويت وسويسرا وستوكهولم، لكنه تعثر بسبب تعطيل النتائج وعدم تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، لافتًا إلى أن أبرز أسباب التعطيل كانت التدخلات الخارجية التي حالت دون استكمال المسار السياسي.