![]()
يقترب موعد انسحاب القوات الأميركية من العراق، ومع دنوه يشتد القلق في إقليم كردستان خشية تداعياته ومخاطره على الإقليم، في ظل توتر مستمر تعيشه المنطقة بسبب الصراع الأميركي الإيراني، الذي وجد الإقليم نفسه في خضمّه.
ولا يقتصر القلق في أربيل على مآلات هذا الصراع وانعكاساته، بل يمتد إلى العلاقة مع الحكومة العراقية المركزية في بغداد، في ظل بقاء ملفات عدة عالقة بين الطرفين، قد لا تجري رياح تسويتها لمصلحة الإقليم في حال إتمام الانسحاب الأميركي.
ويقترب إقليم كردستان العراق من محطة مفصلية في علاقته بالولايات المتحدة والحكومة المركزية في بغداد، مع قرب مغادرة قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن البلاد، ومنها الإقليم، بحلول نهاية الشهر الحالي.
أربيل تحذر من تداعيات الانسحاب
يثير الانسحاب الأميركي قلقًا في إقليم كردستان، عبّر عنه رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، معتبرًا أنه يترك الإقليم مكشوفًا من دون توفير منظومات دفاعية تحميه.
ويشمل الاتفاق منظومات الدفاع الجوي الموجودة في أربيل، التي أسهمت في التصدي لهجمات إيرانية بصواريخ بالستية وطائرات مسيّرة استهدفت مواقع في إقليم كردستان.
ويأتي الانسحاب، وفق بارزاني، في توقيت شديد الحساسية، إذ يرى أن التهديدات التي يتعرض لها الإقليم مستمرة ما دامت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قائمة، وقد يكون الإقليم أكثر عرضة لها في ظل عدم تمكينه من شراء الأسلحة والمنظومات اللازمة لحمايته.
وحذر بارزاني من تكرار تداعيات الانسحاب الأميركي من العراق عام 2011، الذي أعقبه صعود تنظيم “الدولة” الذي احتل مساحات واسعة من البلاد، قبل عودة القوات الأميركية ضمن التحالف الدولي.
ودعا رئيس حكومة الإقليم المجتمع الدولي إلى التحرك للحفاظ على الاستقرار قبل تدهور الأوضاع، محذرًا من اضطراره إلى العودة مجددًا إلى المشهد العسكري.
في المقابل، تتبنى الولايات المتحدة موقفًا مختلفًا، إذ ترى وزارة الخارجية الأميركية أن القوات الأمنية العراقية، بما فيها قوات البيشمركة، طورت قدراتها بصورة متزايدة.
وسبق الانسحاب المرتقب إعلان إقليم كردستان توحيد جميع قوات البيشمركة الكردية ضمن وزارة البيشمركة، باعتبارها جزءًا من منظومة الدفاع العراقية، وإن الإقليم سيعمل على تطوير هذه القوات وتقويتها من أجل الدفاع عن البلاد، وفق بارزاني.
ملفات عالقة بين بغداد وأربيل
ورغم ذلك، تبقى العلاقة بين بغداد وأربيل عرضة للتوتر في ظل ملفات عدة، أبرزها رواتب موظفي إقليم كردستان، والمناطق المتنازع عليها، إضافة إلى ملف حصر السلاح بيد الدولة.
ويرى الإقليم أن تأجيل حسم هذا الملف لمدة تسعة أشهر قد تترتب عليه تداعيات سلبية على النظام الاتحادي ومكتسبات إقليم كردستان.
ولا تقتصر المخاوف من تداعيات الانسحاب الأميركي على الوجود العسكري في العراق، إذ سبق للقوات الأميركية أن انسحبت من سوريا، فيما لم تتدخل عند دخول القوات العراقية الحكومية إلى محافظة كركوك عقب استفتاء إقليم كردستان عام 2017.
مخاوف أمنية من الانسحاب الأميركي
وفي هذا الإطار، يقول الباحث السياسي والرئيس السابق للجنة العلاقات الخارجية في برلمان إقليم كردستان العراق ريبوار بابكي إن المخاوف التي عبّر عنها رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني “حقيقية”، مرجعًا إياها إلى عدم قيام الحكومة العراقية، بحسب رأيه، بواجباتها تجاه الإقليم، ولا سيما في ما يتعلق بتسليح قوات البيشمركة وتوفير منظومات الدفاع الجوي.
ويرى بابكي، في حديث إلى التلفزيون العربي من أربيل، أن قرار الانسحاب الأميركي من العراق لا يصب في مصلحة البلاد، معتبرًا أن القرار جاء تحت ضغوط مارستها “فصائل مسلحة وقوى سياسية عقائدية في العراق”، حسب قوله.
ويشير إلى أن المفاوضات العراقية الأميركية بشأن انسحاب القوات الأميركية وقوات التحالف تعود إلى سنوات سابقة، لكنه رأى أن القرار النهائي لا يتوافق مع السياسة الأمنية العراقية، على حد تعبيره.
وحذر بابكي من أن الفصائل المسلحة الموالية لإيران لا تقتصر تهديداتها على المواقف السياسية، بل شنت، بحسب قوله، هجمات على إقليم كردستان خلال الفترة الماضية، واستهدفت منشآت حيوية للطاقة، ما أدى إلى سقوط ضحايا مدنيين.
ويقول إن الإقليم قد يصبح “ضحية” لقرار الانسحاب، في ظل عدم وجود بيئة أمنية كافية لحمايته، مضيفًا أن أجواء الإقليم تعرضت لهجمات من فصائل مرتبطة بالصراع بين إيران والولايات المتحدة.
البيشمركة ومخاطر تنظيم “الدولة”
وفي ما يتعلق بقدرة قوات البيشمركة على حماية الإقليم، يقول بابكي إن القوات الكردية قادرة على التصدي للهجمات البرية، لكنها لا تمتلك، بحسب قوله، منظومات دفاع جوي تتيح لها مواجهة هجمات قد تأتي عبر أجواء الإقليم.
ويضيف أن مصدر قلق آخر يتمثل في وجود جيوب لتنظيم الدولة، مشيرًا إلى وقوع هجمات في محافظة كركوك واشتباكات بين جهاز مكافحة الإرهاب العراقي وعناصر من التنظيم.
ويقول إن قوات التحالف الدولي، التي جاءت إلى العراق بناءً على طلب الحكومة العراقية بعد سيطرة تنظيم الدولة على مساحات واسعة من البلاد، أدت دورًا مهمًا في محاربة التنظيم، من خلال إسناد قوات البيشمركة والجيش العراقي جويًا.
ويضيف أن هذه القوات أنفقت مليارات الدولارات على تجهيز القوات العراقية، بما فيها قوات الحشد الشعبي وقوات البيشمركة، معتبرًا أن انسحابها تحت تأثير ضغوط الفصائل المسلحة لا يصب في مصلحة العراق.
أربيل وواشنطن.. تحالف استراتيجي
وفي شأن موقف الولايات المتحدة من مخاوف إقليم كردستان، يقول بابكي إن التصريحات الأميركية تؤكد باستمرار أن الإقليم يمثل “حليفًا استراتيجيًا وموثوقًا” لواشنطن، مشيرًا إلى متانة العلاقات بين الجانبين.
ويلفت إلى أن وزارة الحرب الأميركية قدمت دعمًا ماليًا لقوات البيشمركة، خصوصًا في ظل عدم انتظام صرف رواتبها من جانب الحكومة العراقية، وذلك بموجب مذكرة تفاهم بين وزارة شؤون البيشمركة ووزارة الحرب الأميركية.
لكن بابكي أشار إلى أن الولايات المتحدة لم تسلّح قوات البيشمركة، حتى الآن، بمنظومات دفاع جوي، رغم إدراكها، بحسب قوله، لحجم المخاوف التي قد يخلّفها انسحاب القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي من العراق وإقليم كردستان.
ويخلص إلى أن مستقبل الإقليم الأمني سيبقى مرتبطًا بمدى قدرته على مواجهة التهديدات البرية والجوية، في ظل غياب منظومات دفاع جوي كافية، واستمرار المخاوف من نشاط الفصائل المسلحة وعودة تنظيم الدولة.
