![]()
بدون تردد!!!
هادية صباح الخير تكتب!!
كلمة سبدرات… رصاصة في صدر العنصرية ورسالة لبناءالسودان….
لم تكن كلمة اللواء ركن عادل سبدرات في احتفال تكريم مبادرة كسلا المجتمعية كلمة عابرة تُقال في مناسبة وتنتهي بانتهاء التصفيق.. كانت مثل البرق الخاطف، والسيف البتّار؛ قصيرة في زمنها، عميقة في معناها، ومباشرة في رسالتها.
تحدث الرجل بقامة دولة، وحين تحدث لم يتحدث عن نفسه، ولم يجعل التكريم منصة للحديث عن إنجازاته، بل ذهب مباشرة إلى ما هو أكبر: هيبة الدولة، التعايش السلمي، ونبذ خطاب الكراهية.
تلك الكلمات استوقفتني كثيراً.
فهذا الرجل ترك بصمته في أمن كسلا وأمان أهلها، وخاض معارك ليست كلها بالرصاص. كانت هناك معركة أخرى ضد المخدرات وتجارها، من أجل حماية شباب كسلا ومستقبلهم. وفي مناطق كانت عصية حتى على دخول القوات النظامية، كان الحضور الأمني واستعادة هيبة الدولة رسالة بأن لا مكان للفوضى حين تتقدم الدولة.
لكنني، في الحقيقة، لم أتأثر فقط بما قاله سبدرات عن الأمن والدولة.. بل توقفت طويلاً عند حديثه عن القبيلة.
قال إنه لم يكن يعرف القبيلة التي ينتمي إليها إلا بعد وصوله إلى الكلية.
كم هي عميقة هذه الجملة!
وكم نحن بحاجة إلى أن نسمعها اليوم، في السودان كله، لا في كسلا وحدها.
فالقبيلة قد تكون جزءاً من نسيجنا الاجتماعي وتراثنا، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى جدار يفصل السوداني عن أخيه السوداني. وحين تتحول الهوية القبلية إلى معيار للانتماء والحقوق والواجبات، فإننا نكون قد ابتعدنا عن المعنى الحقيقي للوطن.
ولهذا، فإن تكريم سبدرات ورفاقه اليوم لم يكن مجرد احتفال بأشخاص قدموا أدواراً في مواقعهم؛ بل كان ملحمة مجتمعية تقول إن كسلا تعرف كيف تحفظ الجميل، وكيف تكرّم أصحاب البصمات، وكيف تفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها التكاتف.
ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
وما أجمل أن يكون التكريم نفسه رسالة.. أن تقول كسلا لكل السودان: نحن مختلفون في قبائلنا ومناطقنا ولهجاتنا، لكننا نتساوى في وطن واحد.
لقد أنهكت الحرب السودان، ولم تترك بيتاً إلا وطرقته، ولا مجتمعاً إلا وأثقلت كاهله. ولذلك فإن المرحلة القادمة لا تحتمل مزيداً من خطاب الكراهية، ولا تحتمل أن نعيد إنتاج الانقسام بالأسماء والقبائل والمناطق.
المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة البناء.
نبني الدولة قبل أن نبني الطرق.
نبني الإنسان قبل أن نبني المؤسسات.
ونعيد تعريف الانتماء على أساس الوطن، لا على أساس القبيلة.
وأتمنى أن تتحول كلمات سبدرات إلى رسالة تتجاوز جدران قيادة المدفعية في كسلا، لتصل إلى كل بيت سوداني، وإلى كل مكوّن من مكونات هذا الوطن.
رسالة تقول إن السودان لا يحتاج أن يسأل أبناءه: من أي قبيلة أنت؟
بل يحتاج أن يسألهم: ماذا قدمت للسودان؟
وحينها فقط يصبح للتكريم معنى أكبر.
لذلك لم أستطع أن أمر على تلك الكلمات مروراً عابراً. وجدتني أردد مع القصيدة الحماسية:
جعلي وشايقي.. أية فايدة؟
يكفي النيل أبوي.. والجنس سوداني.
نعم..
يكفينا أننا سودانيون.
يكفينا هذا الوطن الذي جمعنا، والنيل الذي لا يسأل عابرَه عن قبيلته، والأرض التي لا تفرّق بين أبنائها.
وإذا كانت كسلا قد بدأت اليوم بتكريم رجال تركوا بصماتهم، فلتكن الخطوة التالية أن نترك جميعاً بصمتنا في شيء أكبر: سودان بلا كراهية، كسلا متماسكة، ودولة تكون فيها المواطنة هي العنوان الأول والأخير.
ذلك هو التكريم الحقيقي.
وذلك هو السودان الذي يستحق أن نبنيه.
The post بدون تردد!!! ✍️هادية صباح الخير تكتب!! كلمة سبدرات… رصاصة في صدر العنصرية ورسالة لبناءالسودان…. first appeared on مسار ميديا.