![]()
لم يعد ملف السلاح في لبنان قضية أمنية منفصلة عن شكل الدولة ومستقبل قرارها السياسي والمشهد الأمني، فإن النقاش حوله يدخل اليوم مرحلة أكثر تعقيدًا، في ظل تمسك السلطات اللبنانية بمعادلة جيش واحد وقرار واحد، مقابل رؤية مختلفة يطرحها حزب الله، الذي يحذر من محاولات أميركية لتجريد لبنان من عناصر قوته وإعادة توجيه مسار الصراع.
في المقابل، تطالب الدولة اللبنانية بتنفيذ اتفاق الإطار والضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية، في وقت تواصل فيه تل أبيب تصعيدها في الجنوب وتؤكد استعدادها للبقاء لفترة طويلة في مواقعها.
وبين هذه المسارات المتشابكة، تتداخل أسئلة السيادة والانسحاب الإسرائيلي ومستقبل الاتفاق مع موقع حزب الله داخل المعادلة السياسية والأمنية، ومدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض قراراتها على كامل أراضيها.
اتفاق الإطار أمام اختبار السلاح والانسحاب
ويأتي ذلك رغم توقيع بيروت وتل أبيب، في 26 يونيو/ حزيران الماضي، اتفاق “صيغة إطار” برعاية أميركية، ينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من كامل الأراضي اللبنانية المحتلة، مقابل انتشار الجيش اللبناني فيها ونزع سلاح الجماعات المسلحة.
ورغم الاتفاق، تواصل إسرائيل هجماتها على لبنان، التي بدأت في 2 مارس/ آذار الماضي، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 4 آلاف شخص وإصابة نحو 12 ألفًا، وفق أرقام رسمية لبنانية.
وتطرح هذه التطورات سؤالًا أساسيًا: هل يدخل لبنان فعلًا مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح؟ أم أن توازنات الداخل وضغوط الخارج ستبقي البلاد عالقة في مستقبل الاتفاق مع إسرائيل وشرعيته؟
“صراع على شكل الدولة ودورها”
وفي هذا الإطار، قال جورج سولاج، رئيس تحرير جريدة “الجمهورية” اللبنانية، إن الأزمة في لبنان تتجاوز مجرد خلاف داخلي، فهي معركة حقيقية حول مستقبل البلاد وهويتها ودورها.
وأوضح أن جوهر الصراع يتمثل في السؤال الكبير: هل سيبقى لبنان ساحة لحروب الآخرين؟ وهل سيظل أبناء الجنوب مهددين يوميًا بالهجمات الإسرائيلية وتدمير منازلهم وأرزاقهم؟ وهل سيبقى لبنان رهينة سلاحين وجيشين وقرارات غير شرعية تُفرض لخدمة أجندات إقليمية؟
وفي حديث إلى التلفزيون العربي من بيروت، أشار سولاج إلى أن العقدة الأساسية لا تكمن في التصريحات، بل في موقف حزب الله الذي يرفض تسليم سلاحه بحجة استمرار الاحتلال الإسرائيلي، مقابل رواية إسرائيل التي تؤكد أنها لن تنسحب ما دام الحزب يحتفظ بسلاحه وقرار الحرب.
وأضاف أن هذه هي المعضلة الجوهرية: مواجهة عسكرية أمنية بين إسرائيل وحزب الله من جهة، ومعركة سياسية دبلوماسية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية من جهة أخرى، ويبقى الرهان على أي من المسارين سيفرض نفسه في النهاية.
وتابع أن القضية أبعد من مجرد مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة، إذ إن حزب الله استفاد من المسار التفاوضي الذي أطلقه رئيس الجمهورية اللبنانية، حيث توقفت عمليات اغتيال قياداته في الضاحية الجنوبية ومناطق بيروت، كما توقف القصف على الضاحية والبقاع الشمالي.
“حزب الله يتمسك بمسار المقاومة”
من جهته، قال الباحث في العلاقات الدولية طارق فخري إن حزب الله يعلن اليوم تمسكه بمسار المقاومة، سعيًا لتحقيق إنجازات ميدانية تتيح له مواجهة الأخطار والتهديدات الناجمة عن الاحتلال الإسرائيلي واستباحته للمدن وسفك دماء المدنيين.
وأوضح أن الحزب، من جهة أخرى، لا يرفض المسار الدبلوماسي إذا كان مكمّلًا للمسار العسكري والميداني، لكنه يصرّ على أن تكون المفاوضات غير مباشرة، معتبرًا أن المفاوضات المباشرة تمنح إسرائيل مكاسب مجانية.
وأكد أن هذا الخيار يستند إلى الدستور وإلى المساحات المشتركة بين اللبنانيين، مشيرًا إلى أن الانقسام القائم يتمحور حول شكل المفاوضات لا حول مبدأ التفاوض نفسه.
وأضاف فخري أن المفاوضات المباشرة باتت أمرًا واقعًا، لكن السؤال الجوهري هو جدواها، إذ يرى أنها لم تحقق أي نتائج تخدم لبنان، بل منحت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مكاسب داخلية، وأعطت إسرائيل فرصة لتعزيز روايتها وتكريس الانقسام الداخلي اللبناني.
وتابع أن إسرائيل لا تريد للبنان أن يكون كتلة موحدة في مواجهتها، بل تسعى إلى إبقائه مفتتًا وضعيفًا، وتستخدم المسار التفاوضي المباشر لتكريس وجودها من دون تقديم أي مكسب للبنان.
وختم فخري بالقول إن رؤية حزب الله تقوم على الجمع بين التحرير والوحدة الوطنية، معتبرًا أن تحقيق هذين الهدفين لا يمكن أن يتم إلا عبر حوار وطني شامل يضم جميع القوى السياسية، غير أن بعض الأطراف، وعلى رأسها رئيس الجمهورية، اختارت القطيعة مع الحزب بدل الانخراط في هذا الحوار.
ما البديل عن المفاوضات؟
وبشأن سؤال حول إصرار لبنان على المضي في المفاوضات، قال الباحث السياسي والكاتب داود رمال إن الدولة اللبنانية والسلطات الدستورية وجدت نفسها أمام نتائج لم تكن سببًا فيها، إذ لم تكن هي من قررت خوض حرب الإسناد الأولى أو الثانية، بل كان القرار بيد حزب الله وإيران، ما أدى إلى توريط لبنان في معركة لا يعرف كيف يخرج منها.
وأوضح أن خيار المفاوضات جاء نتيجة ظرف طارئ، بعدما وصل الجيش الإسرائيلي إلى مسافة لا تتجاوز كيلومترين من مدينة النبطية، وكاد أن يسقط مدينة صور ويصل إلى القاسمية، في ظل انهيار كامل في المواجهة وتقدم إسرائيلي سريع يقتل بلا رادع.
وأضاف أن السلطة الدستورية لم يكن أمامها سوى اللجوء إلى المفاوضات المباشرة، وطلب تدخل الجانب الأميركي لوقف التقدم الإسرائيلي عند تلك الحدود. وتابع: “حين نتساءل عن جدوى المفاوضات، فإن السؤال الطبيعي يصبح: ما هو البديل عنها؟”.
وأشار رمال إلى أن البديل يتمثل في الاستجابة لسياسة “الأبواب المفتوحة” التي لا يزال رئيس الجمهورية يعتمدها حتى الآن، عبر الدعوة إلى تفاهم جدي مع الأطراف الأخرى، شرط أن يكون تفاهمًا حقيقيًا لا مجرد مماطلة.
