![]()
لما انفصل الجنوب، كان يبدو واضحًا من هو الجنوبي ومن هو الشمالي. كانت القبيلة هي الأساس، وكانت الأسماء تأتي في المرتبة الثانية. وكان الشكل، أو «خِلقة الله»، يشكّل أيضًا عنصرًا أساسيًا في تحديد الهوية. هذه الأوهام كانت هي المعيار.
زمان، كان عندنا زميل في حنتوب من أبناء النيل الأزرق، وبكل الحسابات كان سودانيًا حتى النخاع. لكن الضابط الذي قابلناه لاستخراج الجنسية من أجل الشهادة السودانية كان سودانيًا أبيض، «حلبيًا». فرفض أن يمنح زميلنا موافقته على منحه الجنسية، وطلب منه أن يثبت سودانية أسرته.
كلنا أصابنا الزعل، لكن زميلنا كان أشدنا زعلًا، وبكى بمرارة، وكان يردد: «أنا المزعلني إنو الزول ده ما سوداني، وجاي يعمل لي أنا السوداني معاينة، وموافقته أو عدمها هي اللي بتحدد أنا أكون سوداني وللا لا».
طيب، هسّة كيف نفصل كردفان أو دارفور؟ بالأشكال؟ بالأسماء؟ بالقبيلة؟
طيب، أم درمان التي دائمًا نُصرّ على أنها السودان، مكوّنة أصلًا من قبائل غرب السودان، كلهم بلا فرز. فهل هم الآن ينتمون إلى الغرب، أم ينتمون إلى الوسط؟ وما المعيار؟
بيت المهدي، بعض أصوله من دارفور، وبيت الخليفة من دارفور وكردفان، وكثير من أمراء المهدية من غرب السودان. ما المعيار؟
وفي انفصال الجنوب حدثت مشكلة كانت أطرافها أسرًا أم درمانية عريقة، ومنها مناضلون يفاخر بهم السودان، مثل علي عبد اللطيف.
أذكر جيدًا «جون»، الكهربائي الذي مدّ لي شبكة الكهرباء في بيتي، وهو جنوبي، وأحضر لي «جورج»، صديقه، ليقوم بأعمال البوهية. وكانا يناقشانني في قضية الانفصال، وكانت على وشك الوقوع.
حاولت أن أقول لهما إنكم إذا اخترتم الانفصال، فستكونون قد تنازلتم عن نصيبكم من تراب السودان في مناطق عديدة، وحرمتُمونا من تراب السودان في الجنوب. كانا مقتنعين بضرورة الوحدة، لكنهما كانا يعلمان أن الحركة الشعبية لن تسمح لهما بحرية الاختيار.
الذين يريدون تقسيم السودان، كيف ستقسمونه؟ أقصد: كيف سيتم توزيع البشر، وهم قد تداخلوا لمئات السنين، وأصبحوا أسرًا متداخلة لا يفرّق بينها حتى الخلاف السياسي، إن وُجد؟
مجرد التفكير في تقسيم السودان يعدّ جريمة. نعم، يُجرَّم من يريد تقسيم السودان بنية التقسيم، ويُحاكم عليها.