جداتنا السودانيات.. حين تحذّر الذاكرة من فتنة الحاضر

جداتنا السودانيات.. حين تحذّر الذاكرة من فتنة الحاضر

Loading

مصر والسودان.. دماء الضحايا ومسؤولية حماية الأخوّة

لم تكن جداتنا السودانيات بحاجة إلى دروس في السياسة ليدركن أن أمن السودان من أمن مصر، وأن ما يضطرب في بلد قد تتردد أصداؤه في البلد الآخر. فقد علّمتهن الحياة أن الجغرافيا قد ترسم الحدود، لكنها لا تمحو روابط التاريخ والوجدان والمصالح المشتركة.

أتذكر حديث جدتي عن الأيام التي أعقبت اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات في السادس من أكتوبر 1981. يومها، تسلّل القلق إلى مجالس النساء في قريتنا، واختلطت أخبار السياسة بمخاوف الأمهات على الأوطان والأبناء.

كانت جدتي قد عاشت فترة من حياتها في مصر، وتركت هناك ذكريات ورفيقة عزيزة. وحين تولى حسني مبارك الرئاسة في أكتوبر من العام نفسه، كانت تحاول طمأنة رفيقاتها السودانيات، وبث الأمل في نفوسهن بأن تستقر الأحوال، وأن تنعم صديقتها وأبناؤها بالأمان.

لم تكن جدتي تملك لغة السياسيين، لكنها كانت تملك حكمة الحياة. كانت تعرف أن اضطراب الدول لا يقف عند حدودها، وأن الخوف على الآخرين وجه من وجوه المحبة، وأن غياب السلام في بلد لا يترك جيرانه بمنأى عن تداعياته.

حين تصبح الدماء وقودًا للفتنة

اليوم، تعود تلك المخاوف في مشهد أكثر قسوة، بينما يشهد السودان نزاعًا مسلحًا مستمرًا منذ أبريل 2023. وفي هذا السياق، تداولت وسائل إعلام ومصادر مختلفة تقارير عن مقتل معدّنين سودانيين في غارات جوية قرب الحدود، إلى جانب تقارير عن مقتل مواطنين مصريين في الخرطوم. ولا تزال ملابسات هذه الوقائع وتفاصيلها والجهات المسؤولة عنها بحاجة إلى توثيق مستقل وتحقيق شفاف، ما لم تؤكدها جهات رسمية أو مصادر موثوقة بصورة قاطعة.

إن تأكدت هذه الوقائع، فهي مآسٍ موجعة تستوجب كشف الحقيقة، وتحديد المسؤوليات بالأدلة، ومحاسبة كل من تثبت إدانته وفق القانون. أما تحويل تقارير غير محسومة إلى خصومة بين شعبين، فهو ظلم جديد يُضاف إلى آلام الضحايا.

من حق السودانيين أن يطالبوا بالحقيقة والعدالة بشأن ما يُنسب إلى هذه الوقائع، ومن حق المصريين أن يطالبوا بالعدالة لمواطنيهم. لكن لا يجوز أن تصبح دماء الأبرياء ذريعة للانتقام، أو أن يُحمَّل شعب كامل مسؤولية فعل لم تثبت نسبته إليه.

فالعدالة لا تتحقق بدم جديد، والكرامة لا تُسترد بإهانة شعب، والحق لا يحتاج إلى الكراهية كي ينتصر.

إن أخطر ما يهدد العلاقات بين السودان ومصر ليس وقوع الحوادث وحده، بل تحول الوقائع غير المحسومة إلى أحكام جماعية، وتقدّم الشائعات على الأدلة، واستخدام الغضب مبررًا للتحريض والعداء.

الأمن المشترك.. اختبار المواقف لا الشعارات

إن أمن مصر والسودان ليس شعارًا للاستهلاك السياسي، بل مسؤولية تفرضها الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح. فمصر تحتاج إلى جوار مستقر وحدود آمنة، والسودان يحتاج إلى السلام، وصون سيادته ووحدة أراضيه، وحماية مواطنيه.

ولا يستقيم الحديث عن الأخوّة مع تجاهل دماء الضحايا، كما لا تستقيم المطالبة بالحقوق مع التحريض على الأبرياء. المطلوب تحقيق شفاف، ومواقف مسؤولة، وتعاون يمنع تكرار المآسي، وخطاب إعلامي يميّز بين الخبر المؤكد والادعاء، ولا يحوّل الألم إلى كراهية.

وتُختبر العلاقات الراسخة في لحظات الغضب، حين يكون الاختيار بين الانجرار وراء الفتنة وانتظار الدليل، وبين تعميم الاتهام والاحتكام إلى العدالة.

ماذا كانت ستقول جداتنا اليوم؟

لو جلست جدتي بين رفيقاتها السودانيات اليوم، وسمعت التقارير المتداولة عن معدّنين سودانيين ومواطنين مصريين، لربما أعادت السؤال الذي ظل يرافق مجالسهن: لماذا يدفع الأبرياء ثمن صراعات لا يملكون قرارها؟

كانت تعرف أن الحزن على السودانيين لا يستوجب كراهية المصريين، وأن الإنصاف للمصريين لا يقتضي تجاهل حقوق السودانيين. وكانت تعرف أن الإنسان يستطيع المطالبة بحقه من دون أن يسلب الآخرين إنسانيتهم، وأن الغضب لا يفقد مشروعيته حين يُوجَّه نحو الحقيقة والعدالة بدلًا من التحريض.

رحم الله جداتنا السودانيات؛ فقد تركن لنا إرثًا من الحكمة والمودة، وذكّرننا بأن الشعوب أكبر من أزماتها، وأن الروابط الإنسانية لا ينبغي أن تُترك فريسة للحسابات السياسية أو حملات التحريض.

لا تجعلوا التقارير غير المحسومة وقودًا للكراهية ضد المصريين أو السودانيين. طالبوا بالحقيقة، وتمسكوا بالعدالة، وارفضوا الفتنة؛ فالأوطان لا يحميها التحريض، والشعوب لا تصون كرامتها بالانتقام.

اللهم احفظ السودان ومصر، وأطفئ نار الحرب في السودان، وأنصف المظلومين، وارحم الضحايا، واحفظ الشعبين من الفتن والعداوات، واجعل السلام والعدل أساسًا لعلاقة تصون الكرامة والحقوق، وتعيد إلى البيوت أمنها وإلى القلوب طمأنينتها.

فالأمن المشترك ليس أن يخاف كل بلد على نفسه فحسب، بل أن يعمل البلدان معًا حتى لا يخاف الشعبان على مستقبلهما.