حدود الانفتاح وشروط التقارب.. ما مستقبل العلاقة بين سوريا وحزب الله؟

حدود الانفتاح وشروط التقارب.. ما مستقبل العلاقة بين سوريا وحزب الله؟

Loading

تثير الأنباء عن اجتماع بين ممثلين عن الحكومة السورية الجديدة وحزب الله اللبناني في تركيا تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين الطرفين، في ظل التحولات السياسية والأمنية التي شهدتها سوريا منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد أواخر عام 2024.

وفي حين تحدثت وكالة “رويترز” عن اجتماع بين الجانبين، نفت دمشق رسميًا عقد أي لقاءات مباشرة مع مسؤولين في الحزب. لكن هذا النفي لا يلغي احتمال انفتاح الحكومة السورية على التواصل مع حزب الله، إذ سبق أن أشار وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال زيارته إلى لبنان في يوليو/ تموز الماضي، إلى استعداد بلاده للقاء ممثلي الحزب “إذا اقتضت المصلحة ذلك”.

وكان حزب الله قد تدخل عسكريًا إلى جانب نظام الأسد خلال الحرب السورية، فيما تتهم دمشق الحزب حاليًا بزعزعة الأمن والاستقرار داخل سوريا، إلى جانب اتهامات مرتبطة بتهريب ونقل الأسلحة عبر الحدود السورية اللبنانية.

ويأتي هذا التطور المحتمل في وقت تسعى فيه دمشق إلى إعادة رسم علاقاتها الإقليمية، بعد سنوات من الصراع والتدخلات العسكرية، بينما يواجه حزب الله تداعيات حربه الأخيرة مع إسرائيل، إلى جانب ضغوط أميركية على الحكومة السورية لدفعها إلى الحد من نفوذ الحزب في لبنان.

شكل العلاقة بين سوريا وحزب الله

مرت العلاقة بين سوريا وحزب الله بتطورات وتحولات كبيرة، تراوحت بين التحالف العسكري الوثيق وفترات من التوتر والاشتباكات.

في الثمانينيات، وبعد تأسيس حزب الله، شهدت العلاقة بين سوريا والحزب تقاطعًا في المصالح، وحتى صدامًا بسبب تباين أجندات نظام الأسد وحزب الله، في ظل سعي إيران إلى تثبيت نفوذها في المنطقة.

ثم دخلت العلاقة بين الطرفين مرحلة أخرى في التسعينيات. وانتهت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990 بقبول حزب الله بالهيمنة السورية في لبنان، وتوجيه سلاحه نحو مواجهة إسرائيل بتنسيق مع دمشق.

وبعد الانسحاب السوري من لبنان عام 2005، لعب حزب الله دورًا أساسيًا في حماية مصالحه مع الحليف السوري، مع تعزيز نفوذه الذاتي.

وعندما بدأت الثورة السورية عام 2011، شارك حزب الله عسكريًا إلى جانب نظام بشار الأسد، وخاض معارك، أبرزها معركة القصير والقلمون، لحماية خطوط الإمداد ونظام الحكم. وتكبد الحزب خسائر بشرية كبيرة، مما جعله جزءًا لا يتجزأ من المعادلة الأمنية السورية.

وبعد الإطاحة بنظام الأسد في أواخر عام 2024، توترت العلاقات مع الحكومة السورية الجديدة، حيث اتهمت دمشق الحزب بتهريب ونقل أسلحة عبر الحدود السورية اللبنانية.

وتصاعد التوتر إثر اتهام وزارة الدفاع السورية عناصر من حزب الله بعبور الحدود وقتل أفراد من الجيش السوري، تلا ذلك قصف متبادل واشتباكات، قبل تثبيت وقف لإطلاق النار.

“شروط التقارب بين سوريا وحزب الله”

وفي هذا الإطار، قال مدير وحدة الدراسات السياسية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، مروان قبلان، إن هذه ليست المرة الأولى التي ترد فيها تقارير عن اجتماع بين ممثلين عن القيادة السورية الجديدة وحزب الله، مشيرًا إلى أن اجتماعًا مماثلًا سبق أن عُقد في تركيا قبل أشهر قليلة.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من استديوهات لوسيل، أوضح قبلان أنه سواء انعقد الاجتماع بالفعل أم لا، فإنه يرى أن لقاء من هذا النوع سيُعقد في مرحلة ما، لكن ذلك يتطلب من حزب الله إبداء مجموعة من المواقف الأساسية، أولها الاعتراف بواقع جديد في سوريا، حيث انتهى عهد نظام الأسد، ولا عودة إلى الوراء.

وأضاف أن الأمر الثاني يتمثل في مراجعة حزب الله لتجربته السابقة في سوريا، والاعتراف بخطأ تدخله إلى جانب النظام السابق، وأكد أن الحزب مطالب أيضًا بالاعتذار العلني للشعب السوري عن الأخطاء الكبرى التي ارتكبها، إذ وقف ضد إرادة السوريين.

وشدد قبلان على أن طي صفحة الماضي يتطلب التخلص من إرث تلك المرحلة، ورأى أن سوريا الصديقة للحزب تُعد عاملًا أساسيًا لبقائه، بل إنها أهم له من إيران.

وأشار إلى أن لبنان وسوريا، رغم الخلافات السياسية التي شهدتها السنوات الماضية، يشكّلان في النهاية بلدًا واحدًا أمام عدو مشترك هو إسرائيل، وأن الطرفين يعانيان بشدة بسبب ذلك، ما يستدعي البحث عن قواسم مشتركة تعزز التعاون بينهما.

“تواصل غير مباشر بين دمشق وحزب الله”

من جهته، قال الباحث السياسي محمد علوش إن حزب الله يتبع سياسة الصمت الكامل إزاء ما يُثار حول لقاءات مع القيادة السورية الجديدة، لكنه في المقابل عبّر أكثر من مرة عن رغبته في أن تكون سوريا مستقرة وأن تربطه بها علاقات طبيعية.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من بيروت، أوضح علوش أن الدور التركي في هذا المسار ليس خافيًا، إذ تكثفت الاتصالات منذ نحو ثمانية إلى عشرة أسابيع، وكانت أنقرة تسعى إلى ترتيب تفاهمات، على الأقل أمنية، بين القيادة السورية الجديدة وحزب الله، لضمان عدم وقوع خلافات أو صدامات، خصوصًا على الحدود اللبنانية  – السورية.

ورأى علوش أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان اللقاء المباشر قد حصل في تركيا، بل لماذا جرى تسريب خبر كهذا في هذا التوقيت، مشيرًا إلى أن التسريب لا يخدم أي طرف، لا حزب الله ولا تركيا ولا حتى سوريا.

وأوضح أن دمشق، التي تسعى اليوم إلى استعادة شرعية داخلية وخارجية عبر ضبط الحدود ومنع أي نفوذ خارجي، ليست من مصلحتها أن تظهر وكأنها تعقد اجتماعات مع حزب الله في وقت يتعرض فيه الأخير لهجمة واسعة إقليميًا ودوليًا، معتبرًا أن ذلك يضر بصورة سوريا، وهو ما يفسر النفي الرسمي الصادر عنها.

وأكد أن أي لقاء من هذا النوع، إن حصل، لن يكون في مصلحة إسرائيل، بل سيخدم سوريا ولبنان معًا، مشددًا على أن التواصل بين دمشق وحزب الله قائم بالفعل ولو بشكل غير مباشر، أما غير المؤكد فهو انعقاد الاجتماع في تركيا.

وختم علوش بالقول إن ما يريده حزب الله من سوريا بالدرجة الأولى هو ضمان ألا تكون جزءًا من القوى التي تستهدفه أو تضغط عليه في نقاط ضعفه.

“الحوار مع الجميع ضمن المصلحة الوطنية”

من جانبه، قال عضو مجلس الشعب السوري حسن الدغيم إن أول رسالة وجهتها دمشق إلى حزب الله منذ يوم التحرير كانت التأكيد على أن السياسة الوطنية لا تقوم على الثأر، بل على بناء الدولة، مشيرًا إلى أن المصلحة الوطنية اقتضت تجاوز منطق الانتقام لصالح بناء سوريا.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من دمشق، أوضح الدغيم أن النقطة الثانية تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدول، فحزب الله ليس دولة بل ميليشيا مسلحة خارجة عن القانون في بلدها، ولذلك فإن سوريا اليوم تتعامل معه على هذا الأساس، مؤكدة دعمها لسيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها والتعامل معها ككيان رسمي.

وأشار إلى أن هناك انفتاحًا أوليًا من دمشق يقوم على مبدأ الحوار مع الجميع، بما في ذلك حزب الله، لكن مع التأكيد أن التعامل مع الدول يختلف عن التعامل مع الميليشيات.

وختم بالقول إن أي لقاء محتمل مع حزب الله يجب أن يكون منطلقه المصلحة الوطنية السورية، وأن يصب في خدمة الشعبين السوري واللبناني.

جهود لفتح قنوات تواصل بين سوريا وحزب الله

من جانبه، قال رئيس تحرير جريدة المدن، منير الربيع، إن هناك منذ فترة جهودًا لفتح خطوط تواصل بين حزب الله وسوريا، سواء عبر تركيا أو عبر قنوات أخرى، وصولًا إلى تصريحات نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم التي أبدى فيها استعدادًا للقاء مباشر مع القيادة السورية، وهو ما سبقه أيضًا تصريح لوزير الخارجية السوري.

وفي حديثه للتلفزيون العربي من بيروت، أوضح الربيع أن هذا السياق يعكس حالة من الانفتاح والتواصل غير المباشر، حيث جرى تبادل رسائل عبر قنوات متعددة، مشيرًا إلى أن النفي في المراحل الأولى أمر طبيعي في مثل هذه الملفات الحساسة، ريثما تتضح الأمور وتأخذ مسارًا منظمًا سواء عبر تفاوض أو عبر استمرار هذه القنوات المفتوحة.

وأضاف أن هناك شروطًا واتهامات متبادلة بين الطرفين، فضلًا عن وجود شكوك وإحراجات، فحزب الله يواجه انتقادات بسبب دوره السابق في سوريا، فيما تبدو دمشق حريصة على التعامل مع لبنان من دولة إلى دولة، ما يجعل أي تواصل مباشر مع الحزب محفوفًا بالإرباك.

وأشار الربيع إلى أن الموقف السوري كان واضحًا في أكثر من مناسبة، إذ شدد الرئيس السوري أحمد الشارع قبل أشهر على استعداد دمشق لدعم الدولة اللبنانية وتعزيز سيادتها، وهو موقف يتقاطع مع رؤى دول إقليمية مثل تركيا التي طرحت نفسها كوسيط لاحتواء حزب الله ومنع إسرائيل من استكمال عملياتها العسكرية في لبنان أو سوريا.

وختم بالقول إن دمشق أبدت استعدادًا لتحصين الدولة اللبنانية ضمن إطار يفصل حزب الله عن المسار الإيراني، بما يعكس مصلحة مشتركة بين لبنان وسوريا تقوم على التعاون والتعاضد في مواجهة التحديات الإسرائيلية.