![]()

كتب – عطاف محمد مختار
لا تزال ميليشيا الحوثي الإرهابية سادرةً في غيّها، بلا ورع، فها هي تتجاوز كل الخطوط الحمراء باستهدافها محطة (طيبة) لتوزيع الكهرباء في مدينة سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا حدث لا يمكن أن يختزل في محول؛ فالمحطة ليست هدفاً، عسكرياً، بل منشأة مدنية تمد المسجد النبوي الشريف بالكهرباء لمرقد سيد الخلق والمرسلين، هناك حيث أضواء الروضة، وبرودة الأروقة، وصوت الأذان الذي ينساب من مآذن طيبة إلى آذان الدنيا..
مدينتك الهدى والنور..
هنالك للصلاة رياضها الفيحاء
والقـرآن فجريا
تضىء به لهى وصدور
بساعات الاجابة تحفل الدنيا
وانهار الدعاء تمور
من يضرب منشأةً تخدم المسجد النبوي الشريف لا يخطئ التصويب، ولا يشتبك على جبهة، إنه يمدّ يده إلى مدينة تهفو إليها قلوب المسلمين؛ المدينة التي هاجر إليها المصطفى صلى الله عليه وسلم، والتي يهاجر إليها المسلمون بقلوبهم قبل أقدامهم.
مدينتك الحقيقة والسلام
مدينتك الحديقة يا رسول الله
هنالك للهواء اريجه النبوي
موصولا بانفاس السماء وكاسها الكافور
هنالك للثرى طيب
بدمع العاشقين ولؤلؤ منثور
هنالك للضحى حجل باسوار البقيع
وخفة وحبور.
ما حدث استفزاز لأكثر من مليار مسلم، واستخفاف برمز تجتمع عليه الأمة وإن اختلفت في كل شيء سواه.
الخطورة ليست في ما سقط، بل في ما يُراد له أن يسقط بعده. فمن يجرؤ اليوم على الاقتراب من محيط الحرمين ينفذ مخططاً مرسوماً بعناية، أكبر من إدراكه، ولن يتورع غداً عمّا هو أخطر.
الاعتداء على طيبة ليس مجرد اعتداء على سيادة دولة وحرمة مكان، بل محاولة لاستهداف الحرمين واستثارة مشاعر المسلمين، ليس في مكة والمدينة فحسب، وإنما في مشارق الأرض ومغاربها.
والساعة التي اختيرت لميقات الغدر، ليست أمراً عابراً، كان في الخامسة وإحدى عشرة دقيقة صباحاً، والناس في طريقهم إلى صلاة الفجر. من يختار هذه الساعة لا يبحث عن أثرٍ عسكري، بل عن أثر في الوجدان.
الضربة التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء، ليست موجهة إلى المملكة وحدها، إنما إلى صدور المسلمين، هي استفزاز صارخ لهم، ولكل البلاد الإسلامية، وانتهاك لحرمة المقدسات. وكيف لا، وهي مرقد الصادق الأمين؟
مدينتك الهدى والنور
وتسبيح الملائك في ذؤابات النخيل
وفي الحصى المنثور
مدينتك الحقيقة والسلام
على السجوف حمامة
وعلى الربى عصفور
مدينتك الحديقة أقرب الدنيا
إلى باب السماء وسقفها المعمور
الإدانات العربية والإسلامية التي صدرت ليست مجرد مجاملة، بل اعتراف بأن المدينة المنورة ليست فقط شأناً سعودياً خالصاً؛ فمن يمسّ الحرمين الشريفين يمسّ أمانةً مودعة في أعناق الأمة.
استهداف ما يتصل بمقدسات المسلمين، ولو عبر محطة كهرباء تخدمها، جريمة تدان بلا مواربة، ويجب ردع مرتكبوها بردعٍ لا لبس فيه، ويجب أن يتم اقتلاعهم اقتلاعاً (محاسبة، وعزل سياسي، وقطع لكل غطاء يتيح تكرار المحاولة).
الصمت موالاةٌ لمن يُسكَت عنه، والاكتفاء بالبيانات تمرينٌ على الاعتياد، حتى يصير المساس بحرمة طيبة خبراً يُطوى مع أخبار اليوم.
حرمة المدينة المنورة والمسجد النبوي الشريف ليست ملكاً لدولة، ولا ورقةً في نزاع إقليمي، بل أصلٌ من أصول اجتماع المسلمين. وإن فرطنا فيها فقد فرطنا في معنى الأمة الإسلامية قبل أن نفرط في جغرافيا مدينة.
طيبة لا تقاس بمحولٍ عاد إلى الخدمة، بل بمن يجرؤ على أن يرسل إليها ناراً في ساعة الفجر، وبمن يرى الحطام ثم يشيح بوجهه، كأنها شأنٌ لا يعنيه.
سلام الله يا أنحاء يثرب
يا قصيدة حبنا العصماء
سلام الله يا أبوابها
وبيتها ونخلها اللفاء
سلام يا مآذنها وفوج حمامها البكاء
ويا جبل الشهادة والبقيع سلام.