حرب الكرامة أم حياة بكرامة؟.. السؤال الذي يسبق الحوار السوداني

حرب الكرامة أم حياة بكرامة؟.. السؤال الذي يسبق الحوار السوداني

Loading

حرب الكرامة أم حياة بكرامة؟.. السؤال الذي يسبق الحوار السوداني

متابعات – السودان الآن — أعاد الفريق أول عبد الفتاح البرهان، القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي، ملف الحوار السوداني إلى الواجهة، بعد إعلانه في خطابه بمناسبة العيد الـ72 للقوات المسلحة استجابته لمبادرة مجموعة سودانية مستقلة لتيسير حوار شامل، مع توفير ضمانات انعقاده ومشاركة أطرافه وحماية المشاركين.

لكن الإعلان جاء وسط جدل سياسي متصاعد، خصوصاً بعد رفض قوى «صمود» للمبادرة، ووصف خالد عمر لها بأنها «مناورة أُعدّت في مطبخ المؤتمر الوطني».

وبعيداً عن الخلاف حول الجهة الداعية أو مكان الحوار والمشاركين فيه، يبرز سؤال أكثر عمقاً: ماذا يعني إنهاء الحرب بالنسبة لكل طرف؟

تعريفان لنهاية الحرب

يرى البرهان أن الحوار يأتي بعد حسم التمرد كقوة عسكرية موازية للدولة، وهو ما يرتبط بخروج القوات من المدن والمواقع التي تسيطر عليها، وتجميع عناصرها في معسكرات، ثم النظر في أوضاع من لم يرتكبوا جرائم.

وبهذا التصور، يصبح احتكار الدولة للسلاح أحد الشروط الأساسية لنهاية الحرب، وليس مجرد نتيجة أمنية لها.

في المقابل، تنظر «صمود» إلى الحرب باعتبارها نزاعاً على مستقبل السلطة وشكل الدولة والمؤسسة العسكرية، وترى أن إنهاءها يبدأ بوقف إطلاق النار والهدنة الإنسانية، ثم ترتيبات أمنية وعملية سياسية شاملة وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وهنا يظهر الخلاف الأساسي: هل يكون الحوار نتيجة لنهاية الحرب، أم وسيلة للوصول إليها؟

المعركة لا تتوقف عند الميدان

هذا الاختلاف يجعل الصراع يتجاوز السيطرة على الأرض إلى سؤال الشرعية بعد الحرب.

فإذا انتصر تعريف الجيش، فإن نهاية الحرب تعني إنهاء وجود القوة العسكرية الموازية للدولة، ثم الانتقال إلى ترتيب المرحلة السياسية.

أما إذا انتصر تصور «صمود»، فإن النهاية ستكون تسوية سياسية وأمنية بين أطراف الصراع، بما يسمح بنقل أوزان الحرب من الميدان إلى طاولة التفاوض.

وبذلك يصبح السؤال الأهم: من يملك حق تحديد اللحظة التي انتهت فيها الحرب؟

ميزان القوة يتغير

يأتي هذا الجدل في وقت تبدلت فيه موازين القوة الميدانية مقارنة بمراحل سابقة، مع تقدم الجيش في عدد من مناطق شمال كردفان، بينها بارا وجبرة الشيخ، وتوسعه غرباً، وفق ما يورده المقال.

ولا يعني ذلك أن الحرب حُسمت، لكنه يعني أن أي تفاوض مقبل لن يبدأ بالضرورة من النقطة نفسها التي كانت قائمة قبل أشهر.

وفي المقابل، تراهن «صمود» بدرجة كبيرة على رصيدها السياسي والدعم الدولي والإقليمي، في ظل تراجع الرصيد الشعبي لبعض القوى المدنية بسبب مواقفها من الحرب ومسار المرحلة الانتقالية.

من فوض المجموعة المستقلة؟

الحوار بصيغته الجديدة يفتح سؤالاً آخر يتعلق بالمجموعة التي أعلن البرهان أنها صاحبة المبادرة.

فإذا كانت المجموعة مستقلة، فمن أين تستمد تفويضها؟ ومن يحدد لها الأطراف المشاركة؟ وهل تملك صلاحية تحديد أجندة الحوار وقواعده ومخرجاته؟

فالاستقلالية لا تعني بالضرورة التفويض، كما أن إعلان تشكيل مجموعة مستقلة لا يحسم وحده مسألة تمثيل السودانيين.

وقد يكون نقل مسؤولية تحديد المشاركين إلى مجموعة مستقلة مدخلاً لتجنب إقصاء مسبق لأي طرف، لكنه في الوقت ذاته يضع المجموعة أمام اختبار صعب يتعلق بمدى استقلال قرارها ومصدر شرعيتها.

البرهان يكسب مساحة سياسية

سياسياً، يمنح الإعلان البرهان مساحة جديدة يمكن من خلالها تقديم نفسه باعتباره داعماً لحوار سوداني يجري داخل البلاد، مع توفير الضمانات المطلوبة له، من دون أن يكون طرفاً مباشراً في إدارته.

وهذه الورقة قد تمنحه مساحة أوسع في مخاطبة الضغوط الدولية، خصوصاً إذا استمر رفض بعض القوى السياسية للمبادرة.

لكن نجاح الخطوة سيظل مرتبطاً بقدرة المجموعة المستقلة على بناء توافق حقيقي حول المشاركين والأجندة والضمانات، قبل الانتقال إلى حوار فعلي.

للحوار ميقات

المشكلة، وفق قراءة المقال، قد لا تكون في مبدأ الحوار نفسه، وإنما في توقيته.

فالحوار السياسي يحتاج إلى ظروف تجعل أطرافه مستعدة للدخول فيه، كما يحتاج إلى توازنات واضحة وأجندة متفق عليها حتى لا يتحول إلى ساحة جديدة للصراع.

وفي ظل استمرار المعارك، يبقى السؤال قائماً: هل حان وقت الحوار، أم أن لحظة الحوار لم تصل بعد؟

ففي السودان، كما تقول الخلاصة، قد لا تكون المشكلة في أن السودانيين لا يريدون الحوار، وإنما في أن لكل حوار ميقاتاً.. ولكل نهاية للحرب تعريفاً مختلفاً.