![]()
في يوم خرطومي مشرق، من أول ايامي في العمل الصحفي، خرجت مع مجموعة من صيادي الأخبار المخضرمين، وغير المخضرمين، بالصحيفة، مستفون في (بوكس) عم محمد، بعضنا فوق بعض، حتى لحظة انفلات سراحنا وانتشارنا في عرصات (الجمهورية) و(أبو جنزير). نزلت قبالة شركة (مايو للعاملين)، اسمها بعد التأميم، وقد استعادت اسمها الأصلي (فرانكو بينتو)، بعد أن تسلمها ملاكها الأصليين، بفضل يحسب لانتفاضة ابريل. وكان ممن المفترض أن أذهب لدائرة حكومية لا اذكرها، وتسقط بعض الأخبار للصفحة الأولى، ولكنني لحظت مجموعة من المتجمهرين، في حال يشبه الإضراب، أمام الشركة، وجلهم من كبار السن، فساقني الحس الصحفي الفضولي، لمعرفة ما يحدث، ولكن وكأنما القوم في انتظار من يفشُون إليه بمحنتهم، وحينما علموا بأنني صحفي، تبرعوا جميعاً بعد الإلتفاف حولي، بشرح مأساتهم، في مشهد مسرحي عبثي، فقال كبيرهم، بأنهم من عمال الشركة، ممن يعملون في خدمات الضيافة، والحراسة، لسنوات طويلة، وأنهم تلقوا خطابات فصلهم الجماعي من صاحب الشركة صباح اليوم، دون سابق إنذار، وكان عيد الأضحى حسبما ما أذكر، على مدي أسبوع من ذلك التاريخ، أو اقل، كان وضعاً مأساوياً، حين نظرت إلى الحزن الذي يكسو وجوههم، والأسمال التي على أجسادهم، فقررت أن أجري تحقيقاً، صحفياً، أدافع به عن حقوق القوم، ضارباً بعرض الحائط المهمة الأساسية التي كلفتني بها الصحيفة.
كتبت كل كلمة سمعتها، انتزعها انتزاعاً من بين أصواتهم المتصاعدة المتداخلة، واحتوت تصريحاتهم الغاضبة، على الكثير من المعلومات شديدة الخصوصية، شديدة الحساسية، فيما يخص مجلس إدارة الشركة، وقد تبدت غرارتي، وقلة تدريبي، في إصراري على كتابة كل شيء، وحتى أسماء افراد مجلس الإدارة، وفيهم من المتنفذين، القادر على الإطاحة بمستقبلي المهني من أساسه، ولكنني أمعنت، واستدعيت كل قدراتي على الصياغة، مضيفاً للمأساة بعداً يتجاوز حجمها، كنت على صهوة سحابة الخبط الصحفي، أطير فوق الأفق، بلا رقيب ولا حسيب، حدثت نفسي: ها قد أتتك سانحة المجد تسعى فاهتبلها!
عدت إلى الصحيفة، عدواً، وهنالك قرأ رئيس التحرير التحقيق، فجاشت عواطفه تضامنا مع اللغة قبل التقرير، فأمر بإرسالها للمطبعة فوراً، ووافق على نشرها، دون أن يمر بقلمه حذفاً وتعديلاً، فكأنما التحقيق، لمس فيه عصباً، فاهتز طرباً لقرب سقوط قوم له عليهم نقمة.
صدرت الصحيفة، ونفد العدد، فأصابني الزهو. لم يطل أمد زهوي، فبعد يوم واحد من صدور ذلك العدد، جاءت الشرطة تبحث عني، وبيد المعلن، أمر بالقبض على، بتهمة إشانة السمعة، فأصابني الرعب، ولم تجد وعود رئيس التحرير، في تبديد القلق الذي تملكني.
صحبت الشرطي الأغبر، صباح ذلك الخميس، الذي أودعني لقبضة ملازم، يبدو عليه عدم الاكتراث، وعلمت من مماطلته في إتمام الإجراءات أن له علاقة بالشاكي، وكان مولانا صديقي (عادل سمير)، قد نبهني إلى إجراءات البلاغ، يجب أن تكتمل قبل منتصف النهار، وإلا فإنك ستقاد إلى الحبس، وتلك (عوجة)، لأنك ستكون في صحبة الرجرجة والدهماء والنشالين، مساء الخميس ويوم الجمعة وليلتها، ولن تر النور إلا صبح السبت! فازداد رعبي، وجنابه المستجد، يلهو بما تبقي لي من أمل، ولكن ولأن عين الله الساهرة لا تنام، فقد اقتحم مكتب التحقيق ثائراً، وفي الدقائق الخمس الأخيرة، الأستاذ سبدرات، وطلب من جنابه، وبصور آمرة، إنهاء الإجراءات، وإطلاق سراحي! وقد كان.
في خلال السنتين التاليتين، ترددت على المحكمة عدد من المرات، واتخذت القضية بعداً اجتماعيا وإعلامياً، وبدأ اسمي في اللمعان، وبرغم ازدياد ثقتي بنفسي، إلا أنني كنت أعلم أن كل الدلائل ضدي، وأنني والصحيفة من الخاسرين.
ثم جاء يوم النطق بالحكم، فذهبت للمحكمة، تحملني دعوات أمي، وتضامن زملائي من الصحفيين، وأصحاب القضية، الذين رأوا في شخصي، بطل من هذا الزمان، يا قول (ليرمونتوف). صحوت باكراً وتهندمت، من الجريدة صحبني رئيس التحرير، منتحلاً صفة المطمئن، صاحب قلب الفولاذ. في المحكمة جلسنا، ثم بدأت قراءة الحيثيات، والشاكي ومحاميه، لم يحضرا، فجعلت ادعو في سري، الا يتمكنا من الحضور، فقد بلغ بي التعب من هذا الشأن مبلغاً عظيماً، وقد كان، ولحظ القاضي عدم حضور الشاكي، فصاح باسمه ثلاثاً، وعندما لم يجبه غير الصدى، قال بصوت جهير، طربنا له وقفزنا فرحاً… تحفظ القضية وعلى الجميع الانصراف، ولا يعاد النظر فيها، إلا ببلاغ جديد.
عدنا إلى الصحيفة، نتلقى التهاني، وقبل أن تكتمل فرحتنا، بلغنا أن الشاكي توفي صباح اليوم، وكان هذا سبب عدم حضوره، جلسة الحكم. حزنت للرجل، بالرغم من انني كنت في موقف لا أعلم إن كنت حزيناً لموته، أم فرحاً بالنصر.
إلى هنا وكل شيء يبدو، وكأن الأزمة قد مرت بدون خسائر، بل أن الصحيفة، وحرصا منها على ابداء روح التسامح، خصصت نصف صفحة من الوسط لنعي الشاكي، باسم رئاسة التحرير، والصحفيين والعاملين بالصحيفة.
حتى ظهر السيد حسين خوجلي، والذي كانت صحيفته ألوان، تجاور صحيفة السوداني!
بارك لي السلامة، ثم طلب منى صورة شخصية، لم أتحقق من غرضه بها، ولكني أشرت إلى مكتب الأرشيف في قسم التصوير، ثوانٍ والسيد حسين يخرج مسرعاً وفي راحة كفه صورتي.
في اليوم الثاني، افاقت الخرطوم ونهارها المشرق على عناوين الصحف، طازجة الحبر!
ومن بينها ألوان وفي صدر صفحتها الأولى صورتي وفوقها عنوان بأكبر خط متاح……
دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب
ثم
القصة كاملة بأثارة ألوانية، تقول بأن الشاكي مات في يوم جلسة النطق، بسبب دعوة (تاج السر الملك) المظلوم!
أُسقط في يدي
وعلمت ساعة لا مندم، بأن القضية ستفتح مرة أخرى
وقد كان
ولذلك قصة أخرى.