حكم غيابي بإعدام بشار الأسد وشقيقه ماهر في سوريا.. ما إمكانية تنفيذه؟

حكم غيابي بإعدام بشار الأسد وشقيقه ماهر في سوريا.. ما إمكانية تنفيذه؟

Loading

أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق أحكامًا بالإعدام بحق رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، ورئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب، إلى جانب 6 مسؤولين أمنيين وعسكريين سابقين، بعد إدانتهم بجرائم مرتبطة بقمع الاحتجاجات التي انطلقت من درعا عام 2011.

لكن صدور هذه الأحكام يطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا من العقوبة نفسها: كيف يمكن تنفيذها قانونيًا وسياسيًا، خصوصًا أن بشار الأسد وماهر الأسد موجودان خارج سوريا؟

محاكمة غيابية وأحكام بالإعدام

جاءت الأحكام خلال الجلسة التاسعة للمحاكمة، بعد مسار قضائي بدأ علنًا في 26 أبريل/ نيسان الماضي، عندما مثل عاطف نجيب أمام محكمة الجنايات الرابعة، في حين بدأت محاكمة بشار الأسد وماهر الأسد ومسؤولين آخرين غيابيًا.

وبحسب رئيس المحكمة، القاضي فخر الدين العريان، أظهرت التحقيقات وإفادات الشهود تورط عاطف نجيب، الذي كان يرأس فرع الأمن السياسي في درعا، في الحملة الأمنية التي رافقت انطلاق الاحتجاجات.

كما حملت المحكمة بشار الأسد المسؤولية باعتباره صاحب القرار الأعلى، وأدانته بجرائم القتل العمد والتعذيب والاعتقال التعسفي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

ماذا تعني الأحكام لمسار العدالة الانتقالية؟

لا تقتصر أهمية الأحكام على العقوبات الصادرة بحق شخصيات بارزة من النظام السابق، وإنما تمتد إلى مسار العدالة الانتقالية الذي تحاول سوريا بناءه بعد سقوط النظام.

وكانت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، التي أُنشئت بمرسوم عام 2025، قد حددت أربعة مسارات مترابطة لعملها، تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة والمحاسبة، وجبر ضرر الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

وتؤكد الهيئة أن العدالة الانتقالية لا تختزل في المحاكمات الجنائية وحدها، وإنما يفترض أن تكون جزءًا من عملية أوسع لمعالجة إرث الانتهاكات وإصلاح المؤسسات.

ومن هذه الزاوية، تمثل الأحكام الصادرة اليوم انتقالًا من مرحلة توثيق الجرائم وجمع الأدلة إلى تحميل شخصيات كانت في قمة هرم النظام السابق مسؤولية جنائية فردية أمام القضاء السوري.

أسئلة حول الإطار القانوني للمحاكمات

في المقابل، تفتح المحاكمات الباب أمام تساؤلات بشأن الإطار القانوني والإجرائي الذي تستند إليه، ولا سيما في ظل عدم صدور قانون شامل للعدالة الانتقالية حتى الآن.

وسبق للشبكة السورية لحقوق الإنسان، خلال متابعتها قضية عاطف نجيب، أن سجلت ملاحظات تتعلق بالتوصيف القانوني لبعض الجرائم، والأساس القانوني للمسؤولية الفردية، إضافة إلى ضمانات المحاكمة الغيابية.

وتكتسب هذه الملاحظات أهمية خاصة مع استمرار العمل على قانون العدالة الانتقالية. وكانت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية قد أعلنت إعداد المسودة الأولى للقانون، بانتظار استكمال الإجراءات التشريعية، كما ناقشت في نهاية يونيو/حزيران المشروع مع أعضاء في مجلس الشعب، بما يشمل ملفات كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار.

وتبقى مسألة تنفيذ الأحكام العقوبة الأكثر تعقيدًا، خصوصًا في حالة بشار الأسد وماهر الأسد الموجودين خارج الأراضي السورية.

فصدور حكم قضائي غيابي لا يعني بالضرورة إمكانية تنفيذه على أرض الواقع، إذ يتطلب ذلك أن يصبح المحكوم عليه في قبضة السلطات السورية، سواء من خلال عودته إلى البلاد أو تسليمه إليها وفق إجراءات قانونية وسياسية معترف بها.

ومن هنا يبرز ملف ملاحقة بشار الأسد في الخارج، وإمكانية مطالبة الدولة السورية بتسليمه، ومدى استعداد موسكو، التي تستضيفه، للتعاون مع دمشق في هذا الملف، لاسيما بعد نجاح المفاوضات بين البلدين والتوصل إلى مذكرة تفاهم بشأن مستقبل القاعدتين الروسيتين في حميميم وطرطوس.

العدالة أم الانتقام؟

إلى جانب الجانب القانوني، تبرز مسألة أخرى شديدة الحساسية، وهي تأثير هذه المحاكمات على السلم الأهلي في سوريا.

وكانت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية قد شددت في يونيو/ حزيران الماضي على ضرورة أن تقوم المساءلة على المسؤولية الفردية لا على الانتقام، محذرة من أن العقاب الجماعي أو استيفاء الحقوق خارج إطار القضاء قد يؤدي إلى إنتاج مظالم جديدة بدلًا من معالجة إرث الانتهاكات السابقة.

وعليه، يبقى الرهان على أن تشكل هذه المحاكمات عاملًا مساعدًا على السلم الأهلي، إذا منحت الضحايا طريقًا مؤسسيًا للحصول على العدالة، وقللت دوافع الانتقام الفردي، وأثبتت أن المحاسبة تتم أمام القضاء وبالأدلة. لذلك فإن أحكام اليوم ليست نهاية القضية بقدر ما هي بداية اختبار أصعب.

ويبقى السؤال الأبرز: كيف ستتعامل دمشق مع المحكوم عليهم الموجودين خارج البلاد؟ وكيف ستستكمل الإجراءات القانونية للأحكام الغيابية؟ وهل تستطيع تحويل ملاحقة بشار الأسد من حكم صادر في دمشق إلى قضية قابلة للتنفيذ دوليا؟

والأهم من ذلك، هل تستطيع سوريا بناء مسار عدالة انتقالية يجمع بين المحاسبة وكشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا وضمانات عدم التكرار، ويحقق العدالة من دون أن يحولها إلى ثأر جديد؟

هل يمكن تنفيذ حكم الإعدام بحق بشار الأسد؟

وفي هذا الإطار، أكدت النائبة في مجلس الشعب السوري عن محافظة حماة، نور عبد الغني عربو، أن الحكم الصادر بحق عاطف نجيب بالإعدام يحمل دلالات تتجاوز شخصه، إذ يمثل محاكمة لرمز أمني كان في موقع قيادي بدرعا مع بداية الثورة السورية، في مرحلة تأسيسية من العنف الذي تعرض له السوريون.

وأوضحت في حديث للتلفزيون العربي من حماة، أن أهمية المحكمة تكمن في أنها لم تتعامل مع حادثة منفردة أو قضية درعا فقط، بل نظرت في سياق أوسع يشمل الانتهاكات المرتبطة بعمل الأجهزة الأمنية هناك، بما رافقها من قتل واعتقال وتعذيب وقمع للمدنيين. وشددت على أن مسؤولية نجيب لا يمكن فصلها عن موقعه داخل منظومة أمنية تعاملت مع الاحتجاجات باعتبارها تهديدًا أمنيًا يستوجب القمع بالقوة.

وأضافت أن الحكم لم يقتصر على نجيب وحده، بل شمل بشار الأسد وماهر الأسد وعددًا من كبار المسؤولين الأمنيين السابقين بأحكام غيابية، وهو ما يعكس أن المحكمة لم تتوقف عند الحلقة التنفيذية الأدنى، بل امتد نظرها إلى مستويات أعلى من المسؤولية.

وفي ما يتعلق بإمكانية تسليم بشار الأسد، رأت عربو أن الأمر غير مرجح في المدى القريب، خاصة أن روسيا تستضيفه وتمنحه اللجوء، لكنها أكدت أن ذلك ليس مستحيلًا قانونيًا، مشيرة إلى وجود اتفاقية تسليم نافذة بين روسيا وسوريا تتيح لدمشق تقديم طلب رسمي استنادًا إلى الحكم الصادر.

وأردفت أن العقبة الأساسية تكمن في عقوبة الإعدام نفسها، إذ قد تشكل عائقًا أمام التسليم نظرًا للضمانات التي تطلبها روسيا في مثل هذه الحالات. وبالتالي، فإن الحكم يعزز الموقف القضائي السوري في مواجهة بشار الأسد، لكنه في الوقت ذاته يجعل استرداده من روسيا أكثر تعقيدًا بسبب طبيعة العقوبة.

وختمت بالتأكيد على أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على العقوبات أو المحاسبة القضائية، بل هي عدالة شمولية تتضمن تعويض الضحايا، جبر ضررهم، رد اعتبارهم، تخليد ذكراهم، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. وأشارت إلى أن التركيز على مسار المحاسبة مهم لما له من أبعاد قانونية ومعنوية كبيرة، لكنه يجب أن يكون جزءًا من مسار شامل يحقق للضحايا شعورًا حقيقيًا بأن العدالة تتحقق في سوريا.