![]()
دعا رئيس الوزراء السوداني السابق، رئيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، الدكتور عبد الله حمدوك، إلى وقف فوري للأعمال العدائية في السودان، والتوصل إلى هدنة إنسانية تفضي إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار، مؤكداً أن الأزمة السودانية لا يمكن حلها عسكرياً، وأن إنهاء الحرب يتطلب معالجة جذور الصراع وإقامة دولة مدنية ديمقراطية.
وقال حمدوك، في كلمة خاطب بها الجلسة الافتتاحية للمؤتمر السنوي لجمعية الأساتذة السودانيين الأمريكيين (ASAPA)، المنعقد عبر الوسائط الإلكترونية يومي (24 و25 أكتوبر 2026) تحت عنوان «السودان ما بعد الحرب: خارطة طريق للحكم وإعادة الإعمار والمشاركة المدنية»، إن الحرب المندلعة منذ 15 أبريل 2023 تسببت في كارثة إنسانية واسعة، وهددت وحدة البلاد وسلامة أراضيها، وألحقت دماراً هائلاً بالمؤسسات التعليمية والمرافق الصحية والبنية التحتية والقطاعات الاقتصادية.
وحذر حمدوك من أن استمرار الحرب وانتشار الجماعات المسلحة وظهور مراكز سلطة متنافسة وتصاعد الاستقطاب الإثني والجهوي تمثل عوامل تهدد وجود الدولة السودانية، مشيراً إلى أن الصراع ليس مجرد مواجهة بين تشكيلين عسكريين، بل يعكس أزمة أعمق ترتبط بعقود من الحكم الاستبدادي وعسكرة السياسة والإقصاء والتنمية غير المتوازنة.
وشدد على ضرورة إنهاء الحرب لإنقاذ الدولة، وإصلاح مؤسساتها لمنع تجدد الصراعات، قائلاً إن السلام المستدام يتطلب معالجة الأسباب الجذرية للحروب المتكررة في السودان.
«صمود» يتمسك بالحل السياسي
وأوضح حمدوك أن القوى المدنية السودانية واجهت تحديات كبيرة منذ اندلاع الحرب، في ظل تراجع المؤسسات السياسية المدنية وتفكك التحالفات وتشريد القيادات والناشطين، لكنها واصلت رفض محاولات تطبيع الحرب واعتبارها واقعاً دائماً.
وأشاد بالدور الذي تضطلع به غرف الطوارئ والتنظيمات القاعدية والمجموعات النسوية والنقابات المهنية والحركات الشبابية والقيادات الدينية والأهلية، في تقديم المساعدات الإنسانية ومساندة النازحين والحفاظ على الخدمات الأساسية وروابط التكافل الاجتماعي.
وأكد أن تحالف «صمود» يسعى إلى بناء بديل سياسي مدني واسع يضم قوى سياسية ومهنية ومجموعات من المجتمع المدني ولجان المقاومة، ويتمثل هدفه في إنهاء الحرب واستعادة الحكم المدني الديمقراطي.
وقال إن موقف التحالف يقوم على أن «لا يوجد حل عسكري للأزمة السودانية»، موضحاً أن تحقيق أي طرف تفوقاً عسكرياً لن يعالج الأسباب السياسية والاجتماعية والمؤسسية العميقة للصراع، وأن المطلوب هو الانتقال من المواجهة العسكرية إلى التفاوض السياسي، ومن التنافس على السلطة إلى التوافق على أسس مستقبل وطني مشترك.
دعوة إلى تنسيق جهود الوساطة الدولية
وأشار حمدوك إلى أن جهود القوى المدنية تركزت على المطالبة بوقف فوري للأعمال العدائية وحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، إلى جانب التواصل مع الأطراف الإقليمية والدولية لحشد الدعم لتسوية تفاوضية، وتعزيز التقارب بين القوى المدنية السودانية.
ولفت إلى أهمية المبادرات الرامية إلى توحيد القوى المدنية، بما في ذلك تأسيس تحالف «صمود» وإعلان المبادئ والجهود التي بذلتها القوى غير المنحازة، معتبراً أنها مسارات يمكن أن تسهم في بناء توافق مدني واسع حول إنهاء الحرب وصياغة مستقبل سلمي للبلاد.
كما رحب بالمبادئ التي تضمنتها مبادرة الرباعية في سبتمبر 2025، ولا سيما الإقرار بعدم وجود حل عسكري قابل للتحقق، والدعوة إلى هدنة إنسانية تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، والانتقال السياسي بقيادة مدنية، مع استبعاد حزب المؤتمر الوطني والجهات التابعة له فقط.
وأكد أهمية أدوار الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيغاد» وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، داعياً إلى تحويل المبادرات الدبلوماسية المتعددة إلى عملية سلام منسقة وذات مصداقية وقابلة للتنفيذ.
وقال إن المشكلة لا تكمن في نقص إعلانات السلام، وإنما في غياب التنفيذ الفعّال والإرادة السياسية المستدامة، مطالباً المجتمع الدولي بالانتقال من بيانات القلق إلى تحرك دبلوماسي منسق يخلق حوافز حقيقية للسلام ويرتب تبعات على استمرار الانتهاكات.
خمس أولويات لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة
وطرح حمدوك خارطة طريق مدنية تقوم على خمسة أهداف أساسية، تشمل التوصل إلى هدنة إنسانية فورية تفضي إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة ومستقلة، واستعادة الحكم المدني الشرعي، وإصلاح القطاع الأمني، والتوافق على عقد اجتماعي جديد.
وأكد ضرورة أن تضم العملية السياسية التنظيمات المدنية والحركات النسوية والمجموعات الشبابية والنقابات المهنية والتنظيمات القاعدية وممثلي المجتمعات السودانية المتنوعة، مشدداً على أن مستقبل البلاد لا يمكن أن تحدده الأطراف المسلحة وحدها.
كما دعا إلى بناء مؤسسة أمنية موحدة ومهنية تعمل تحت سلطة مدنية دستورية، وإجراء إصلاحات مؤسسية واقتصادية، وتعزيز العدالة الانتقالية والمساءلة، ومعالجة التهميش التاريخي وتحقيق توزيع عادل للسلطة والموارد.
وشدد على أن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على استعادة السودان الذي كان قائماً قبل الحرب، بل بناء دولة أكثر عدلاً وشمولاً وديمقراطية، تقوم على المواطنة المتساوية واحترام التنوع والتنمية المتوازنة.
تحذير من التدخلات الخارجية وتفكك النسيج الاجتماعي
وحذر حمدوك من استمرار تدفق الأسلحة والموارد والدعم الخارجي الذي يغذي الصراع، داعياً الأطراف الإقليمية والدولية إلى احترام سيادة السودان وسلامة أراضيه ووقف الدعم العسكري الذي يسهم في إطالة أمد الحرب.
كما أشار إلى أن تشرذم القوى المدنية يمثل إحدى العقبات الرئيسية أمام السلام، مؤكداً أن تجاوز الخلافات السياسية لا يعني إلغاء التعددية، وإنما الاتفاق على قواعد مشتركة ترفض العنف وسيلة للوصول إلى السلطة وتدعم الحكم المدني الدستوري.
ونبه إلى خطورة تصاعد الاستقطاب الإثني وخطاب الكراهية وانعدام الثقة بين المجتمعات المحلية، مؤكداً أن إعادة بناء النسيج الاجتماعي لا تقل أهمية عن إعادة بناء الطرق والمدارس والمستشفيات، وأن السلام الدائم يتطلب استعادة الثقة داخل المجتمع السوداني.
حمدوك يقترح إنشاء شبكة للمعرفة السودانية
وفي محور متصل، دعا حمدوك جمعية الأساتذة السودانيين الأمريكيين إلى النظر في إنشاء «شبكة المعرفة السودانية للسلام والتعافي وإعادة الإعمار»، بهدف تنظيم إسهامات الأكاديميين والمهنيين السودانيين في المهجر في جهود التعافي الوطني.
وحدد خمسة مجالات يمكن للشبكة الإسهام فيها، تشمل دعم عملية السلام بالبحوث والتحليلات المتخصصة، وإعداد استراتيجيات للتعافي الاقتصادي، وإعادة بناء مؤسسات التعليم والبحث العلمي، وتعزيز الحوكمة والمؤسسات العامة، ودعم الحوار الوطني بشأن المواطنة والهوية واللامركزية والحكم الديمقراطي.
وأشار إلى إمكانية الاستفادة من الشراكات مع الجامعات الأمريكية لدعم الطلاب المتأثرين بالنزوح، واستعادة البرامج الأكاديمية، وتطوير التعليم الرقمي، وإعادة بناء القدرات البحثية، إلى جانب تقديم التدريب والمساعدة الفنية ونقل الخبرات إلى المؤسسات السودانية.
كما شجع الجمعية على تنظيم منتدى متخصص حول التعافي وإعادة الإعمار بعد الحرب، يجمع العلماء السودانيين وممثلي المجتمع المدني وصناع السياسات ومؤسسات التنمية الدولية، لإعداد خارطة طريق عملية لإعادة الإعمار والإصلاح المؤسسي.
وأكد أن هذه الجهود لا ينبغي أن تنتظر نهاية الحرب، بل يمكن أن تبدأ منذ الآن، بما يعزز استعداد السودان لمرحلة التعافي الوطني.
دعوة إلى مراجعة تجارب الانتقال الديمقراطي
وتطرق حمدوك إلى دروس الثورات والانتفاضات السودانية، من ثورة أكتوبر 1964 وانتفاضة أبريل 1985 إلى ثورة ديسمبر 2018، مشيراً إلى ما أظهرته من قدرة الشعب السوداني على الحشد السلمي من أجل الحرية والكرامة والحكم الديمقراطي.
لكنه أقر في المقابل بهشاشة المؤسسات الديمقراطية وصعوبة تحويل تطلعات الثورات إلى نظم حكم مستدامة، داعياً إلى الاعتراف بأخطاء تجارب الانتقال السابقة، وتعزيز المؤسسات وآليات المساءلة والشرعية الاجتماعية.
وأكد ضرورة تجاوز سياسات الإقصاء والهيمنة، وبناء دولة لا يحتكرها إقليم أو أيديولوجيا أو تنظيم سياسي أو فصيل مسلح، مشدداً على أهمية الانتقال من المواجهة إلى الحوار، ومن عسكرة السياسة إلى الحكم المدني، ومن المحسوبية إلى المؤسسات الخاضعة للمساءلة.
«مستقبل السودان يجب أن تحدده تطلعات شعبه»
وفي ختام كلمته، دعا حمدوك القوى المدنية إلى تجاوز التشرذم وتعزيز التعاون وتطوير برنامج مشترك لإنهاء الحرب واستعادة الحكم المدني الديمقراطي، كما طالب الشركاء الإقليميين والدوليين بتكثيف جهودهم الدبلوماسية لدعم عملية سلام ذات مصداقية.
ووجه رسالة إلى الأكاديميين والمهنيين السودانيين في المهجر، أكد فيها أن معارفهم وخبراتهم وشبكات علاقاتهم الدولية تمثل ثروة وطنية لا غنى عنها في إعادة بناء البلاد، مشدداً على أن مسؤولية التعافي لا تقع على عاتق القادة السياسيين والحكومات وحدهم، بل تتطلب مشاركة مختلف الكفاءات السودانية.
وقال حمدوك إن الشعب السوداني أظهر شجاعة وقدرة استثنائية على الصمود خلال الحرب، مشيراً إلى جهود المتطوعين والنساء والمهنيين والسودانيين في الخارج في تقديم الإغاثة وحشد الموارد والخبرات.
واختتم بالتأكيد على أن مسؤولية السودانيين العاجلة تتمثل في وقف الحرب، فيما تكمن مسؤوليتهم التاريخية في ضمان عدم تكرارها، داعياً إلى تحويل المأساة الراهنة إلى فرصة للتجدد الوطني وبناء دولة ديمقراطية تحتفي بالتنوع وتضمن المساواة وسيادة القانون.
وأكد أن مستقبل السودان يجب أن يتشكل وفق تطلعات شعبه، لا وفق طموحات الذين يشعلون الحروب.