![]()
كتب – أحمد القرشي
لم يعد الصراع اليمني بعيداً عن مكة. ففي ٢٤ أكتوبر، اعترضت دفاعات السعودية صاروخين باليستيين أطلقهما الحوثيون، قبل أن تسقط أجزاء من أحدهما في وادي المغمس، على مسافة تقدر بنحو واحد وعشرين كيلومتراً من المسجد الحرام، فيما تناثرت شظايا أخرى في جدة والطائف ورابغ ومواقع بمنطقة المدينة المنورة. وقال التحالف إن الصاروخين كانا متجهين إلى الطائف وينبع، بينما أعلن الحوثيون استهداف منشآت نفطية ومطارات ومواقع عسكرية، ونفوا أن تكون مكة أو المدينة هدفاً لهم.
لا يحسم موضع الشظايا وحده إحداثية الصارخ النهائية؛ فقد تكون نقطة سقوطها نتاج مساره أو اعتراضه في الجو. لكنه يحسم أمراً آخر: أن الجماعة أدخلت المجال القريب من أقدس بقاع المسلمين في دائرة الخطر، عالمةً بأن الصاروخ قد ينحرف، وأن الاعتراض قد يبعثر رأسه وأجزاءه فوق السكان والمعتمرين. قد يبقى الهدف المعلن قاعدة أو مصفاة، لكن المخاطرة بالحرم لم تعد افتراضاً نظرياً؛ فقد وصلت شظاياها إلى تخومه.
وليس هذا أول خلاف حول المقصد. ففي أعوام 2016 و2017 و2019، اتجهت صواريخ حوثية نحو مكة أو مجالها. تكرار النمط يجعل النفي أقل قدرة على تبديد السؤال، خصوصاً بعد انتقال الخطاب الحوثي نفسه من إنكار الاستهداف إلى منازعة الرياض رمزيتها الدينية.
ففي سبتمبر الماضي، قال عبد الملك الحوثي إن مكة «ليست إمارة سعودية»، بل معلم إسلامي عام، وقدم اليمنيين باعتبارهم أوفى بالمقدسات وأحرص على الدفاع عنها. وكان ينفي بذلك استهداف مكة، لكن عبارته كشفت في الوقت نفسه أن الخلاف لم يعد عسكرياً على مطار أو قاعدة؛ بل أصبح صراعاً سياسياً على معنى الحرمين ومن يملك حق الحديث باسمهما.
جذور الخصومة أقدم من عاصفة الحزم، لكنها ليست عداءً أزلياً بين اليمنيين والسعوديين. فبين الشعبين وشائج تاريخية واجتماعية واقتصادية عميقة، كما أن السعودية ساندت الملكيين الزيديين في ستينيات القرن الماضي. المشكلة ليست في نسب أو مذهب، بل في تحويلهما إلى نظرية سياسية تمنح سلالة أو جماعة حقاً موروثاً في الحكم والقيادة الدينية.
نشأت الحوثية الحديثة في صعدة وسط مواجهة مع الدولة اليمنية وتمدد تيارات سلفية، ثم أعادت صياغة بعض مفاهيم الإمامة في مشروع عسكري مغلق، يمنح قائدها منزلة تتجاوز المؤسسات والانتخاب والمواطنة.
ومع الوقت، أصبح العداء لما تسميه السلفية جسراً يصل خصومتها المحلية بالسعودية إلى الخطاب الثوري الإيراني.
ثم جاءت حرب الحدود عام 2009، فالاستيلاء على صنعاء عام 2014، والتدخل العسكري بقيادة السعودية في 2015. ومنحت إيران الحوثيين السلاح والخبرة والتقنية والغطاء السياسي، بينما منحها الحوثيون ما لا تملكه أي ورقة أخرى: قوة مسلحة على الخاصرة الجنوبية للمملكة، تطل على باب المندب واهدد المنطقة بأكملها.
ومع ذلك، ليس الحوثيون مجرد جهاز يعمل بأمر إيراني. فلهم مشروعهم اليمني ومصالح سلطتهم وشبكاتهم الاقتصادية. لكن التحالف مع طهران أعاد تشكيل لغتهم وعدوهم وأفقهم الإقليمي، وربط معركتهم على حكم اليمن بصراع أوسع على مكانة السعودية وقيادة العالم الإسلامي.
ويؤدي هذا العداء أيضاً وظيفة داخلية. فـ«العدوان السعودي» هو تفسير جاهز للفقر والقمع وتعطل الرواتب وانهيار الخدمات في مناطق الحوثيين، والذريعة المستمرة للتجنيد والجباية وإغلاق المجال السياسي. وكلما ضاقت الجماعة بأزمات الحكم، اتسعت حاجتها إلى عدو خارجي.
أما الصواريخ والمسيّرات، فهي تمنحها سلطة تتجاوز حدود صنعاء: تعطيل مطار، تهديد مصفاة، رفع أسعار التأمين، إرهاق الدفاعات الجوية، وإجبار العالم على التعامل معها رقماً إقليمياً. وقد هدد خطاب موالٍ للجماعة صراحة بأن «مطار صنعاء سيقابله مطار الرياض»، وأن قدراتها تستطيع بلوغ المنشآت الحيوية السعودية.
لكن الاقتراب من مكة ينقل الحرب إلى مستوى آخر. فالحرم ليس منشأة سعودية فحسب، بل أمانة إسلامية ومسؤولية إنسانية أمام ملايين المسلمين. ومن يطلق سلاحاً باليستياً في مجاله القريب لا يستطيع الاحتماء طويلاً بالفارق بين «القصد» و«النتيجة». فالنية يناقشها السياسيون، أما الخطر فتثبته الشظايا.
والحقيقة الأشد وضوحاً أن الحوثيين جعلوا أمن الحرمين جزءاً من مقامرتهم: يهددون العمق السعودي، ينازعون الرياض رمزيتها، ثم ينفون مسّ المقدسات بعد أن تبلغ أجزاء سلاحهم 21 كيلومتراً من الحرم.
إنها ليست زلة صاروخ فحسب، بل خلاصة مشروع اختلطت فيه الإمامة بالسلاح، والمظلومية بالسلطة، واليمن بالحساب الإيراني.
وعندما تبلغ الشظايا وادي المغمس، يصبح السؤال أكبر من تحديد الهدف: أي عقيدة سياسية هذه التي تزعم الدفاع عن المقدسات، ثم تقود الحرب إلى أبوابها؟