![]()
بقلم/ أحمد القرشي
لا يمكن فصل الكتاب عن مواقف مؤلفه المنشورة خلال الحرب. فهو يصف الجيش السوداني بأنه «غير الوطني، وغير المهني، المؤدلج»، ويرى أن إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة الدعم السريع هو «الفرصة الوحيدة» لوقف الحرب. ومن يقف هذا الموقف، ويرى في مصر داعماً للجيش، سيقرأ تاريخ العلاقة بين البلدين كله من هذه الزاوية.
تناقضات حمد بين ٢٠١٣ و٢٠٢٥
من يقرأ النور حمد 2013 ثم النور حمد 2025 يجد كاتبين.
الأول، في حوار «مراجعات» عام 2013، ونشر في مجلة الخرطوم التي كان يمولها نظام البشير؛ يدعو إلى ضبط العاطفة بالمعرفة، ويحذّر من ارتداد الدولة وقواتها النظامية إلى القبيلة، ويبكي «بكاءً مراً» على انضباط الإدارة البريطانية.
والثاني يكتب بلغة التعبئة، ويراهن على قوة يُنتقد طابعها القبلي، ويرى في الشريك المصري للحكم الثنائي خطراً وجودياً.
الفارق بين الكاتبين ليس تطوراً فكرياً، بل موقع سياسي.
كتاب مواقف سياسية عدائية وليس فكرا !!
ويُحسب للمؤلف أنه لم يُعفِ النخب السودانية من النقد.
غير أن العنوان التعبوي، والطابع المقالي، وتوقيت الصدور في ذروة الاستقطاب، تجعله كتاب موقف أكثر منه كتاب فكر.
والدكتور حمد أكاديمي متخصص في الفنون الجميلة وخبرته كذلك؛ لكن له خبرة سياسية وفكرية عملية لأكثر من خمسين عاما
النور حمد ناشط سياسي وليس “مفكرا”
دراسة الفنون تزيد صاحبها ألقا واستواء لكنها لا تمنحه صفة المفكر خصوصا إذا أظهر المرء تطرفا أعمى في توجهاته.
وليست الدراسة الأكاديمية، مهما علت درجاتها، صكاً يمنح صاحبها صفة المفكر؛ فثمة مسافة بين تحصيل المعرفة والقدرة على النفاذ إلى جوهر الأشياء.
إنما يتشكل الفكر الأصيل من بصيرة وقّادة، وعمق استثنائي، ومعرفة علمية راسخة، وعقل يستجلي ما وراء الوقائع من أسباب وعلاقات ومآلات، ويستشرف إمكانات تغيير الواقع.
وقبل ذلك كله، من استواء العقل والضمير في طلب الحقيقة، بشجاعة التجرد ونزاهة النظر، بعيداً عن أسر الأهواء والمصالح والأحكام المسبقة. فالعلم يمنح أدوات الفهم، أما البصيرة فتمنح المعرفة عمقها واتجاهها، والحكمة تصلها بمسؤوليتها الإنسانية. والمفكر الحق لا تصنعه الشهادات ولا تمنحه المنابر مكانته؛ إنما تثبت منزلته قدرته على كشف الحقيقة، وبناء رؤية تتجاوز المألوف، والسمو فوق الصغائر، وتحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى فعل يغيّر الواقع.
مأساة السودان أن العداء السياسي صار يتلبّس ما يُسمّى إنتاجاً فكرياً فيشوّهه.
علاقة البلدين مصر والسودان تستحق قراءة نقدية جادة، تفصل بين الحقيقة والخصومة، ولا يحتكر الحديث فيها فصيل واحد.

