خذوا حذركم..ستنهار الدولة فجأة

خذوا حذركم..ستنهار الدولة فجأة

Loading

ليس تشاؤماً أو إرجافاً، وإنما هو استبصار واستشراف (والله يكضب الشينة).
من الواضع جدا أن مليشيا الدعم السريع قد بدأت في الانهيار والاستسلام التدرجي مع تقدم الجيش وحلفاؤه في كردفان والنيل الأزرق.
وفي الوقت ذاته وكما تلحظون فقد بدأ زحف التدهور الاقتصادي يتصاعد ولكن بوتيرة أسرع من ايقاع التقدم العسكري الميداني.

المستبصر سيدرك أن تلك معركة وهذه معركة وكلاهما يستهدف كيان الدولة وحياة الشعب وأمنه.
والواقع يدعونا للتساؤل بإشفاق أيهما ستحسم قبل الأخرى: هل يستسلم آل دقلو وحلفاؤهم أولاً أم تنهار الدولة السودانية وتعم الفوضى الاجتماعية قبلها.؟

هذا الكلام قد يبدو مبالغاً فيه من الوهلة الأولى، ولكننا سنضعكم في المشهد بواقعية وأمانة لتحكموا بأنفسكم.

إن سبب الأزمة الاقتصادية الراهنة بسيط ومحدد. والمؤسف أن قيادات الدولة منذ التسعينات وإلى الآن تتزاور عنه ذات اليمين وذات الشمال وتسعى إلى مخاطبة فجوات المشاكل الفرعية العرضية وبالأساليب التخديرية العقيمة.
وكما استخف القائد البرهان بخطر الدعم السريع والمخلصون ينبهونه ويحذرونه حتى وقعت الفأس على الرأس.. فهاهو السيناريو يتكرر ، الرئيس مايزال يعتبر أنه قادر على تجار الصادر الذين امتلكوا ثروة البلاد بالكامل ومضوا يماسون الابتزاز والطغيان. تماماً كما كانت تفعل مليشيا آل دقلوا يوماً، بل أن حميدتي وأسرته امتلكوا ( شركات الجنيد وتراديف والزمرد و GSK وجبل عامر) فكانوا جزء أصيلا من هؤلاء المصدرين أنفسهم، وبسبب المال الفائض طمعوا في السلطة الكاملة ملكاً عضوضاً، فذهبوا لسوح الحرب بالسلاح الرباعي وتركوا فينا بقية متمردي تجارة الصادر يوجهون ضد الشعب سلاح الدولار .. والبرهان ساكت كعادته.

أصل المشكلة أن الدولة أسوأ أخطائها اطلاقا حين تنازلت طوعاً عام ١٩٩٢م عن امتلاك مصادر العملة الصعبة المتمثلة في صادرات السلع النقدية: الذهب والحبوب الزيتية والثروة الحيوانية والقطن والصمغ العربي. وسلمتها ( من خلال سياسة التحرير الاقتصادي اللعينة) لصالح تجار الصادر، فهم وحدهم الذين باتوا يمتلكون رصيد الدولارات ( أكثر من عشرة مليار دولار  اذا اعتبرنا ان صادر الذهب وحده يبلغ ٦٠ طناً سنوياً بقيمة ٧ مليار دولار  ) وبالتالي فهم يتحكمون في سعر صرف الجنيه وفي تكاليف الإنتاج وفي الغلاء الطاحن، حتى الخبز الذي في أفواه المساكين. كل ذلك كانت الدولة تحترم مسؤوليتها فتديره في السبعينات وما قبلها حيث كانت تصدر أهم السلع النقدية وتستورد بنفسها أهم السلع الاستراتيجية كالوقود والقمح والدواء ومدخلات الإنتاج.
الدولة يومها كانت دولة، لها هيبة وهيمنة تامة على الاقتصاد، وسيطرة فعلية على سعر الدولار وتمتلك أرصدة الدولار.

إذاً فهذه هي المشكلة: حكومة السودان سلمت ذقنها ومصير شعبها منذ ١٩٩٢م للتجار، وهم طبعا يعجبونك في الانتهازية والاستغلال والجشع.

والآن؟
أفلت العقال عن يد بنك السودان الذي كما ترون منخ حق تحديد سعر الصرف إلى البنوك . وهاهو الدولار يتصاعد كالنيران وبلا سقف أو حدود، ولا يجدي معه إلقاء القبض أو أخذ تعهدات مؤقتة.
لا.
الحل فقط في ان تمتلك (الخزينة العامة) هذه العشرة مليارات دولار التي يتلاعب بها التجار، وذلك من خلال العودة إلى احتكار تصدير السلع النقدية الرئيسية: الذهب، المواشي واللحوم، الحبوب الزيتية، الصمغ العربي والقطن، فهذه هي المصادر الرئيسية للدولار.

ما تراه العين هو أن البرهان لا يميل إلى هذا الخيار الواضح كالشمس، بدليل أنه أقال محافظ بنك السودان برعي الصديق لأنه قرر حظر تصدير الذهب بواسطة التجار وحصر تصديره على الحكومة ممثلة في بنك السودان، وتم تعيين المحافظ الحالية آمنة ميرغني التي بدأت عملها أولاً بإلغاء قرار الحظر فورا وتسليم صادر الذهب برمته للتجار ليرتعوا كما يشاؤون ويستحوذوا على الدولار ويحددوا سعره ليوصلونا إلى هذه المتاهة التي نحن فيها الآن هم وبقية المصدرين اصحاب الدولار.

إذا استمر هذا الوضع المتفاقم يوميا فيتوقع أن يصل سعر الدولار إلى عشرة آلاف جنيه قبل نهاية أكتوبر المقبل وإلى عشرين ألف قبل نهاية العام، وحينئذ ستصبح قطعة الخبز الواحدة ووزنها ٧٠ جراما بثلاثة آلاف جنيه خلال العام القادم وكيلو اللحم بمائة وخمسين ألف جنيه وطبعا متوسط رواتب العاملين حوالى ١٥٠  ألف جنيه.
عند هذه النقطة الحرجة وهي نقطة انهيار الدخل ويتبعه انهيار نسيج المجتمع.. ستتضاعف معدلات الجريمة، خاصة السرقة، وتتضاعف معدلات الوفيات بسبب الجوع وعدم القدرة على العلاج وسوء التغذية ويتفاقم الفساد تلقائيا في أوساط الموظفين والشرطة والأجهزة العدلية طلبا للغذاء والدواء والكساء وحتماً سيحدث ركود عام من جراء تآكل دخول الأفراد فيقع ما يعرف اقتصاديا بالتضخم الانكماشي المفرط Hyper stagnation inflation فيتعذر حينئذ شراء أي سلعة أو خدمة بسبب عدم وجود قيمة الثمن ويتعذر دفع أي جبايات أو رسوم للدولة لعدم كفاية الدخل فتجف لذلك إيرادات الحكومة بصورة حرجة وتفتقر وتصاب بالشلل.
معدل التضخم سيكون مذهلا وطبعاً ستتوقف عجلة الإنتاج بسبب انكماش الطلب العام فترتفع معدلات البطالة وتبدأ الإضرابات حين تتوقف المصانع والمزارع والمطاعم والأسواق.
وكما ترون فإن حرب الاقتصاد الآن تشمل تعثر تحويلات بنكك وغيرها من تطبيقات التحويلات التي يمكن أن يتلقى الفقراء عبرها معونات من ذويهم بالخارج.
يستمر هذا الوضع والناس في ذهول وشلل إلى ماشاء الله حتى لحظة الانهيار التام حيث تعم الفوضى العارمة ويستبيح الناس ممتلكات بعضهم عياناً ولا تزيدهم الشرطة والقوات المشتركة حينئذ إلا خبالاً فهم انفسهم سيصبحون جزء من الفوضى. وذاك وضع تصبح معه مليشيا الجنجويد نزهة سياحية لأن الناس هذه المرة ستأكل بعضها والقوي يقهر الضعيف.
اللهم إلا إذا حدثت معجزة تغير مسار التطورات المخيفة الجارية بشيء جذري وليس باجراءات سطحية مؤقتة سرعان ما تنتكس بعد حين.
إيها الرئيس البرهان : مايزال زمام المبادرة بيدك، ولا وقت أمام الجميع : فإما أن تحسم حرب الاقتصاد فورا، والطريقة واضحة : (احتكار الصادرات وبالتالي الدولارات بيد الدولة) أو أنك ستضطر في العام القادم إلى ترك ميادين القتال فتنسحب لوقف طوفان الفوضى العامة وهي تحيط بالمجمتع السوداني الذي سيلتهم بعضه بعضا.
لا تركن إلى الحلول التخديرية المؤقتة لأنها سرعان ما تفقد مفعولها.
الحسم: صادر الذهب والمحاصيل والثروة الحيوانية والصمغ والقطن بيد الدولة فقط. وبالتالي فالدولار بيد الحكومة فقط.
لا تقبل التبرعات والتعهدات والهتافات المتزلفة.
والله يهدي إلى سواء السبيل.

د. محمد عبد القادر سبيل
خبير إداري ومحلل اقتصادي