![]()
قرأت مقال الزميل إبراهيم عوض، وتوقفت عند عنوانه: «ده ما إعلام.. ده لعب عيال»، والعناوين في الصحافة تختصر موقف صاحبها أحياناً أكثر مما تختصر الموضوع، غير أن الحكاية التي أمامنا أوسع من مشهد الانقسام الأخير، وأقدم من إعلان كيان جديد وأشد تعقيداً من أن تُحسم بعبارة غاضبة مهما كانت جاذبيتها.
فالانقسام يأتي في آخر الحكاية عادة حيث تسبقه مواقف صغيرة ظن أصحابها أنها ستنسى ومرارات تركت في النفوس أثرها، وشعور بالإقصاء يكبر في الصمت ومسافات تتسع بين الزملاء كلما ضاق المجال أمام الرأي المختلف، وبعد مدة يصبح الجدار عالياً، ويبدو للجميع كأنه شُيّد في ليلة واحدة، مع أن كل طرف وضع فيه حجراً بطريقة أو بأخرى.
وقد بذل المستشار الدكتور إيهاب إمام سليمان جهداً مقدراً في تقريب وجهات النظر ورأب الصدع، واستحق بذلك الشكر والتقدير، فالوسيط يستطيع فتح الباب وتقريب المسافات، ويبقى عبور الأطراف متعلقاً باستعدادها لمراجعة التجربة، وفهم الأسباب التي جعلت الزملاء يصلون إلى هذه المسافة من بعضهم.
المؤسسات المهنية تعيش بالثقة قبل اللوائح، والثقة تنمو مع عدالة العضوية، ووضوح المعايير وحق الأعضاء في التعبير، ووجود جمعية عمومية تعرف حقوقها، وانتخابات تمنح المسؤولية شرعيتها، وآليات للمحاسبة تجعل الموقع تكليفاً محدد المدة والمسؤولية، وكل خلل في هذه العناصر يتحول مع الزمن إلى خلاف شخصي، ثم يصبح الخلاف الشخصي أزمة مؤسسة كاملة.
وقد علمتنا التجارب أن الناس يحتملون ضيق الإمكانات أكثر مما يحتملون ضيق الصدر، ويتجاوزون ضعف الموارد أسرع مما يتجاوزون الشعور بأن أصواتهم أقل قيمة من أصوات الآخرين، ومن هنا تبدأ المرارة ثم يجد كل صاحب تجربة نفسه يبحث عن مساحة أرحب، حتى يصبح تعدد الكيانات نتيجة طبيعية لتعدد أبواب الخروج.
ومما لا شك فيه يملك الإعلاميون السودانيون في المملكة خبرات كبيرة وتجارب طويلة ومنصات مؤثرة، وهذه الثروة المهنية تستحق وعاءً يحسن جمعها واستثمارها، ويضع التخصص والممارسة والكفاءة في مقدمة معايير الانتماء، ويجعل الاختلاف جزءاً من حيوية المؤسسة، ويمنح كل صاحب رأي مكانه من دون خوف أو تصنيف.
ويبقى الباب مفتوحاً لكل مراجعة صادقة تعيد للزمالة معناها وللمهنة مكانتها، وللمؤسسة قدرتها على احتضان أهلها، ففي البيوت الواسعة تقل أبواب الخروج، وفي المؤسسات العادلة يجد المختلفون ألف طريق للبقاء.