![]()
لم يعد المشهد السوداني يُقرأ من ضفّتَي “لا للحرب” و”بل بس” وحدهما،
ففي كل ضفّة أصواتٌ تتباين رؤاها، وتختلف لغاتها، ويتفاوت نصيبها من خدمة القضية التي ترفع رايتها.
وعلى اختلاف المواقف، يبقى الأمان حاجةً لا يختلف عليها السودانيون.
ومع كل تقدّم يحرزه الجيش السوداني، يعود بعضهم إلى بيوتٍ يعرفون أبوابها، ثم يقفون على عتباتها كأنهم يطرقون مكانًا غريبًا.
فالبيوت لم تبقَ كما كانت، والعائدون كذلك.
مرّ النزوح واللجوء والفقد بأرواحهم، وخلّف فيها ندوبًا لا تلتقطها صور العودة.
يفتحون ما أُغلق طويلًا، ويتفقّدون ما نجا، ويحاولون أن يجدوا بين ما تبدّد
خيطًا يصلح لبداية جديدة.
لكن هذه اللحظة، لا يكفي أن يتقدّم الوطن في الميدان وحده،
يحتاج أهله أيضًا إلى خطابٍ واعٍ يرفق بتعبهم، ويعرف أن للكلمة مسؤوليةً لا تقلّ عن أهمية الموقف.
فما أنهكته الحرب لا ينبغي أن تتنازعه المزايدات.
العدوّ المعلن يعرف الناس من يكون وأين يقف؟!
أما من يصعب الانتباه إليه، فهو حليفٌ يهتف معهم، ثم يُنفّر الآخرين من قضيتهم بلسانه وسلوكه ومواقفه.
هنا يظهر “المُتَبَلبِس”،
وقد يبلغ ضرره بالبلابسة أنفسهم ما لا يبلغه خصومهم، وهو أشد خطرا من الجنجويد ومن والاهم على القضية والوطن.
فمن هو المتبلبس؟
هو الضجيج الذي يتمدّد كلما خفتت أصوات العقلاء، كالمنِّ على غصنٍ يؤويه: يتشبّث به، ويمتصّ عصارته، ثم يحسب نفسه حارس الشجرة.
تعرفه حين تضيق به الحُجّة فيتسع لسانه للسباب.
يلعن حيث ينبغي أن يناقش، ويجرّح حيث يُنتظر منه أن يُبيّن.
هو كائن متطرف لا يعرف للاعتدال سبيلا يفرط في المدح إذا تملق، ويسرف في القدح إذا غضب.
ولأن المعارك الحقيقية تقتضي فكرًا وصبرًا، يختلق من الكلمات وحدها حربه الخاصة، ويعود منها كل مساء محققا انتصارات وهمية وهو في الحقيقة لا يحرز هدفاً إلا في مرماه.
المُتَبَلْبِس يرد قبل أن يقرأ، ويكتب قبل أن تستوي في ذهنه فكرة، ثم يمدّ يده لالتقاط عبارات أقرانه،بالطبع والنسخ فيُعفي نفسه من مشقّة التفكير.
تتكرر الجمل، وتتشابه المنشورات، ويزداد الصوت صراخا كلما قلّ ما لديه ليقولَه.
كأنما اجتمع المتبلبسون على ثلاث خرافات: أن الإساءة رأي، وأن الصراخ قوّة، وأن التنمّر شجاعة.
الانتباه الآن لهؤلاء مهم،
أمّا مقاومة هذا الضجيج، فمعركةٌ مؤجّلة… لا مُلغاة.
لكن إلى أن يحين وقتها، ضعوا تحت أصحابها خطًّا لتمييزهم، حتى لا نضطرّ يومًا إلى تشكيل لجنةٍ لحصرهم.