رئيس الحشد في كشف المغادرين!!!

رئيس الحشد في كشف المغادرين!!!

Loading

رئيس الحشد في كشف المغادرين!!!

✒ الصادق جادالمولى

لعلّ أثقل ما قرأه آل دقلو في أخبار انشقاق صديق عبدالرحمن أندر، تلك العبارة الصغيرة التي تلي اسمه رئيس لجنة الاستنفار والتحشيد والتجنيد، فالرجل الذي عُهد إليه بإقناع الآخرين بالبقاء، انتهى إلى إقناع نفسه بالرحيل، وكانت القيادة تنتظر منه زيادة في العدد، فأتاها بالنقص من رأس القائمة.

 

لهذه المفارقة وقع يتجاوز السخرية، إذ يستطيع المتحدث باسم المليشيا أن يصغر رتبة المنشق وينكر أثره، ويفتش في سيرته عن عيب لم يره طوال أعوام خدمته، غير أن عليه بعد ذلك أن يشرح كيف ائتمنت القيادة رجلًا بهذه الصفات على جمع الرجال لها، وكلما اجتهد في تحقيره أضاف إلى سجل قيادته شهادة بسوء الاختيار، فكأن هذه القيادة لا تعرف خيانة رجالها إلا بعد خروجهم، ولا تكتشف ضآلة شأنهم إلا بعد أن تضيق الدنيا بخبر رحيلهم.

 

من كيكل إلى النور القبة والسافنا، ومن موسى خمسين وأبو بكر دحلوب إلى محمد أزرق الفنجري وجدو همة، وصولًا إلى أندر تتعدد الأسماء والمواقع، ويثقل السؤال نفسه، وقد امتد الخروج إلى الحلفاء، كما جرى مع محمدين إسماعيل يمكن اختراع تفسير مريح لكل اسم على حدة، فهذا طامع، وذاك غاضب، وثالث صاحب حساب قديم، ثم تجتمع الأسماء، فيغدو هذا الحرص على تجريح الجميع اتهامًا للجسم الذي جمعهم ورفعهم وأودعهم أسراره.

 

وأخطر ما يغادر مع القائد معرفته، إذ يحمل الرجل في رأسه سنوات من التفاصيل، من طرائق اتخاذ القرار إلى العلاقات بين القادة، ومواطن اضطراب الأوامر، والخلافات التي تُخفى وراء الصور الجماعية والابتسامات المتكلّفة، ولهذا تقاس قيمة الانشقاق بما يتركه من ارتباك، وبما يتيحه من فهم للخصم، إلى جانب الرجال والسلاح اللذين يصحبان المنشق.

 

وفي تقديري تجد الاستخبارات السودانية في هذه الشروخ مجالًا واسعًا للعمل، فكفاءة الجهاز تظهر في قدرته على قراءة التذمر قبل أن يصبح إعلانًا، وإدراك الفارق بين رجل يساوم على امتياز، وآخر بلغ من القناعة حدَّ الاستعداد للمغادرة، ومع حوجة العمل الاستخباراتي إلى أرض تستجيب، أسهمت قيادة المليشيا بنفسها في تهيئة تلك الأرض، بما راكمته من تمييز واستئثار وسوء معاملة.

 

تطول الحرب، فيجد المقاتل وقتًا ليسأل عمّا أُرسل إليه، ويسمع حديث الدولة، ويسمع وعد العدالة ثم يختبر حظه منها في الراتب والعلاج والموقع والاعتبار، ويُطلب منه أن يصدّق أن الطريق إلى وطن أفضل يمرُّ ببيوت المنهوبين ووجوه النازحين، وللشعارات قدرة على تأجيل السؤال، ثم يأتي يوم يعجز فيه الشعار عن إسكات صاحبه.

 

وتزيد الانتهاكات هذا السؤال قسوة، فكل جريمة بحق المدنيين تضع مَن بقي أمام تبعة جديدة، وكل انكشاف للمصالح الخارجية يوسّع المسافة بين المقاتل والقضية التي قُدّمت إليه، حتى يكتشف أنه يدفع عمره في حرب يملك آخرون قرارها، ويتصرفون في ثمرتها، ويتركون له نصيبه من الدم والعار.

 

ومن طبيعة الانشقاقات أن تسبق إعلانَها حسابات ومراجعات، فبين التفكير في المغادرة وتنفيذها مسافة يقطعها صاحبها في التردد والترتيب وانتظار الفرصة، لذلك يُقرأ خبر الانشقاق بوصفه خاتمة مسار لم تظهر تفاصيله، وبداية أثر يمتد إلى الآخرين، إذ يرى المتردد رفيقه وقد خرج، فيصير ما كان يستبعده احتمالًا قابلًا للتحقق.

 

هنا تقع الخسارة الأشد داخل المليشيا، فيبقى القائد في موقعه وتبدأ قيادته في الشك فيه، ويصدر الأمر ويسبق تنفيذه سؤال الولاء، ويتأخر الرد قليلًا فيُقرأ التأخير على أنه مقدمة رحيل، وتستهلك القيادة جهدًا في مراقبة رجالها كانت تحتاج إليه في إدارة قواتها، وربما احتاجت لجنة الحشد بعد مغادرة رئيسها إلى لجنة أخرى تتأكد كل صباح من حضور أعضائها.

 

ومع ذلك، فإن إعلان النهاية يحتاج إلى أكثر من توالي البيانات، فللمليشيا سلاح وإمداد وقدرة على الإيذاء، ويظل أثر الانشقاقات مرهونًا باستثمارها عسكريًا، وحماية المدنيين واستعادة الأرض، كما تبقى مسؤولية كل فرد عن الانتهاكات قائمة، فالخروج من صفوف المليشيا لا يطوي حقوق الضحايا، ولا يمنح صاحبه شهادة براءة تلقائية.

 

ما تكشفه هذه المغادرات أن قبضة آل دقلو على رجالهم أضعف مما توحي به خطبهم، وكل قائد يخرج يترك في نفوس الباقين مجالًا للمراجعة، وفي نفوس القيادة سببًا جديدًا للأرق، فقد كان رئيس الحشد يسأل الرجال عمّن ينضم، وترك لآل دقلو بعد رحيله مهمة السؤال عمّن بقي.

الكاتب – الصادق جادالمولى