![]()
(١)
قبل فترة، وبعد قيام هذه الحرب اللعينة، سمعت السيد مبارك الفاضل المهدي يتحدث في منبر – وسُئل عني – مع أني لا أدري لماذا يعني، ربما أيام تلك الحملة الإسفيرية الواسعة والشمارات المصاحبة، فرد السيد مبارك بكل ثقة ودون أن يرمش له جفن: دي هي وزوجها في الـ payroll بتاع الدعم السريع!! (يعني مكرية ومشرية ومأمورة ومأجورة) عندئذٍ وجدت نفسي أمام حالة لا يمكن التعامل معها إلا بالصمت، احتراماً للعلاقات الأسرية والأرحام، وأقسمت بيني وبين نفسي أن لا أزيد في الحديث معه على السلام والاحترام الذي تفرضه الأسرية والعمر.. كما أن الما فيك ما ببقى فيك بكلام الناس، وقلت حسبي الله ونعم الوكيل.
(٢)
مؤخراً، أدلى السيد مبارك بحديث لقناة العربية وقال فيه الكثير، وليست لي صفة حزبية للرد على السيد مبارك ولا أسرية ولا عمرية كما أسلفت، لكن ما أدلى به فيه مغالطات تاريخية واضحة وضوح الشمس، وددت أن أتحدث عن أمرين منهما لأهميتهما العامة بدل أكتفي بالحسبنة:
الأمر الأول: قال إن خلافه مع السيد الصادق المهدي هو رفضه قيام مؤتمر عام وهو ظل مع آخرين يضغط لقيامه لأنه كان هناك خلاف على الخط السياسي والتنظيمي للحزب.
الشاهد أنه:
وخلافاً لما يقول السيد مبارك فإن حزب الأمة القومي عقد مؤتمره العام السابع في أبريل 2003 بعد عودته بثلاثة سنوات في نوفمبر 2000، وهي مدة مفهومة للاستعداد لمؤتمر عام عضويته أربعة آلاف شخص تم تصعيدهم عبر مئات المؤتمرات القاعدية في كافة بقاع البلاد.
الأمر الثاني: قال إن السيد الصادق بعد العودة في 2000 وحواراتهم مع الإنقاذ كان يريد أن يكون هناك اتفاق على انتخابات ويتم انتخابه فيها رئيس وزراء من داخل البرلمان ويبقى البشير بسلطة سيادية بينما السلطة التنفيذية للصادق. وقال إنه غالطه حول هذا وقال له هم لن يعطونا السلطة التنفيذية لذلك اترك طموحاتك في الرئاسة لوقت آخر وابتعد الآن وإذا هم أخلفوا نكون نحن حصان طروادة. قال إن السيد الصادق ظل يقول نعم ثم لا (يغير رأيه)، وقال السيد مبارك إنه قال للسيد الصادق إنه، أي مبارك، يمكن أن يقنع الإنقاذ بأن يعملوا مجلس دستوري ويعطوه، أي الصادق، رئاسته وهكذا يتجول داخلياً وخارجياً.. الخ. وقال إنه ظل متردداً إلى أن فصلهم (فصل مبارك وجماعته) من الحزب خوفاً من تأثيرهم وحتى لا يفقد السيطرة على الحزب.
الشاهد أنه:
ما ذكره السيد مبارك غير صحيح، فالحزب بعد عودته راح يتفاوض مع النظام من أجل مطالبه في التحول الديمقراطي، توصلت اللجنة المفاوضة مع النظام في 2002 إلى عرض المشاركة السياسية مع النظام، وكما هي العادة، تم عرض الأمر على الجهاز التشريعي الذي يتخذ قرارات الحزب وهو المكتب السياسي، الذي اتخذ قراره التاريخي آنذاك بعدم المشاركة، مما أغضب السيد مبارك ودفعه لشق الحزب عبر مؤتمر سوبا 2002، الذي عنوانه الإصلاح والتجديد وهو في جوهره اعتراض على قرار ديمقراطي وتجهيز لمشاركة الحكم الشمولي بدون الاشتراطات اللازمة، زي فعل الهيئة المركزية التي أطلقت دعوتها مؤخراً رغم أنف الدستور وقرار رئيس الهيئة المركزية!
(٤)
لقد كان من مآخذ السيد مبارك، على السيد الصادق المهدي عليه الرضوان في ما تم من رفض للمشاركة مع النظام على أساس أنه قرار المكتب السياسي للحزب، اعتقاده أن السيد الصادق لو كان يريد الأمر لنفذه.
الحقيقة أن السيد الصادق المهدي كرئيس للحزب لم يكن أبداً يتخذ قرار فردي وكل قرارات الحزب تمر عبر المكتب السياسي، وهناك سوابق لاقتراحات منه رفضها المكتب السياسي فلم تر النور، فهذا ليس أمراً شكلياً بل هو حقيقي ومن صميم ممارسة الحقاني للسياسة، وفي كل الأمور المفصلية كان اجتماع المكتب السياسي ترفع فيه اللائحة ويستمر النقاش بسماع آراء الجميع دون فرز، وقد أراد السيد مبارك تصوير الحبيب الحقاني كقائد مسكون بالطموح الشخصي في الرئاسة ومتردد، فإن كان متردداً فإنما هو ظن العاقل الذي يحسم شكوكه برأي الناس وهذا هو مخ الديمقراطية وعظمها.
(٥)
السيد مبارك ملقب بـ “البلدوزر”، ومعروف أن البلدوزر يقش ويكسح ويمسح، وأظن منهج الكسح والمسح يتناسب تماماً مع ما ذكره أيضاً في متن اللقاء من استحقاقه لقيادة الحزب على أساس أنه الوحيد المتبقي من مؤسسي الحزب – أطال الله عمره – لكن حزب الأمة تأسس في 1945 ووقتها لا أظن السيد مبارك كان مولوداً، كذلك يبرر لاستحقاقه القيادي بالأسرة، أقول للسيد مبارك أنت لديك حزب بهياكله، وقد سبق أن اتعملت لجنة للم شمل حزبكم الإصلاح والتجديد الذي عمل مؤتمره في 2002 وشارك في حكومة الإنقاذ لمدة ثم تم فض العلاقة وإنهاء الوظائف (رغم أن البعض خالف وبقي)، ثم تأرجحت العلاقة بينكم وبين الإنقاذ إلى أن عادت مرة أخرى قبل ثورة ديسمبر المجيدة. في تلك الأثناء، في أيام كانت علاقتكم مع الحكومة سيئة نشطت لجنة لم الشمل بين حزبكم وحزب الأمة القومي، وعندما وصلت إلى مرحلة المناصب قالوا لكم في حزب الأمة القومي إنه سيتم استيعابكم في كافة المناصب التعيينية لكن المناصب الانتخابية عليكم الانتظار حتى قيام المؤتمر الثامن فعاد البعض ورفضتم. إنه اختلاف في الأسس والقواعد التي يتم الاحتكام إليها: فالبلدوزرية والديمقراطية شتان ما بينهما، كما أنه من الصعب إدارة العلاقات السياسية حسب “صفو أو تعكر” المياه مع الشمولية.