![]()
في نحو الرابعة من فجر أمس الجمعة، كان بيتنا مضاء بالكامل وجميع أفراد أسرتي جلوسا، وكأنما على رؤوسهم الطير: ولا كلمة، فقط أم الجعافر كانت تبكي في صمت وقور، فقد كان ولدي غسان يضع اللمسات الأخيرة مع زوجته للتوجه الى المطار عائدين الى كندا ومصطحبين الشبلين طارق وزياد. لم أغمض عيني ليلتها لثانية واحدة، بمعنى أن آخر مرة نمت فيها كانت في ليل الأربعاء-الخميس. وقضيت ليل الخميس- الجمعة بطوله جالسا على كرسي وعيني على طارق وهو نائم. نعم طارق قضى آخر أسبوعين معنا، وأنا وهو ننام على مرتبتين متجاورتين على الأرض، وأم الجعافر على بعد مترين منا على السرير: نلعب ونورجغ حتى يداهمنا النعاس. وفي ليلته الأخيرة صار طارق يمشي لأم الجعافر، ثم يأتيني ليعلن أنه لا يريد الذهاب الى كندا فتنهار “دفاعاتنا” ونتماسك كي لا ننكسر أمامه
وعندما أيقظناه فجر الجمعة ليستعد للذهاب الى المطار مع والديه أعلن العصيان المدني مجددا: آي دونت وونت تو قو تو كندا. لا أريد الذهاب الى كندا، وبعد تحانيس مطولة ركب السيارة المتجهة الى المطار وعيناه مملوءتان بالدموع. زياد دايش وكان مسرورا لأنه سيركب الطائرة ومحل ما تمشي، تمشي
ما أقسى أن تكون غريبا عن بلدك، ثم يصبح جزء من عائلتك غريبا عنك في بلد طيره عجمي. ويفصلك عنه أكثر من 15 ألف كيلو، وإجراءات فيزا طويلة. عرف طارق خلال الفترة القصيرة التي قضاها معنا معنى وقيمة ان يكون جزءا من عائلة سودانية في كل شيء: الحنان والبامية والفول والطعمية ورغم انه تجاوز السن القانونية ل”بيت العروس وين؟” والنداء على ام أحمد كي تدق المحلب، إلا أنني أمطرته بأهازيج الطفولة وهو يستمع في اندهاش، رغم أنه طالع كيت لأنه نوبي كندي لا يعرف من اللغة العربية إلا طراطيش كلام. وهكذا فأم الجعافر عنده هبوبة أما انا فقد صار يناديني جدو جافر، فأطرب لذلك رغم أن جدو هذه تأتي ماسخة كثيرا على لسان قرقورة تتعمد تكسير مجاديفي. وبسبب المشكلة اللغوية نالت الملوخية ترقية عند طارق وزياد لأنهما كانا يطالبان بها يوميا مع الرز ويسمونها “قرين صوص”= الصوص الأخضر
متين يا ربي تاني تلِمّنا.. قريب يا ربي يتلم شملنا، إنك سميع مجيب