![]()
*رسالة عبر’ مسارميديا ‘اقتصاد الحرب أم اقتصاد الدولة؟ ..*
*رسالة في بريد القائد العام للقوات المسلحة السودانية….*
*مقترح لتجميد سياسة التحرير واستعادة قبضة الدولة على الصادرات*
د. هاشم عبدالله رحمة
محلل سياسي وخبير اقتصادي ومصرفي
إلى سعادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان عبدالرحمن
القائد العام للقوات المسلحة ورئيس مجلس السيادة الانتقالي
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
تمر بلادنا بواحدة من أقسى المراحل في تاريخها الحديث، حيث أفرزت الحرب واقعاً اقتصادياً واجتماعياً بالغ التعقيد، امتدت آثاره من تدمير البنية التحتية وتعطيل مؤسسات الدولة والإنتاج، إلى فقدان ملايين السودانيين مصادر دخلهم وممتلكاتهم وأعمالهم، وأصبح الحصول على الغذاء والدواء والخدمات الأساسية تحدياً يومياً لملايين المواطنين.
وتشير أحدث التقديرات الإنسانية إلى أن نحو 19.5 مليون سوداني واجهوا خلال عام 2026 مستويات من انعدام الأمن الغذائي عند مرحلة الأزمة أو أسوأ منها، مع وجود مناطق معرضة لخطر المجاعة، في وقت ارتفعت فيه أسعار الحبوب إلى مستويات استثنائية. كما أدى استمرار الحرب إلى تعطيل سبل كسب العيش وإضعاف القطاعات الإنتاجية وتآكل القدرات الاقتصادية للبلاد.
أما الاقتصاد الكلي، فقد تلقى صدمة غير مسبوقة؛ إذ قدر البنك الدولي انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 29.4 في المائة خلال عام 2023، ثم انكماشاً إضافياً بنحو 14 في المائة في عام 2024، في ظل تدمير القدرات الإنتاجية وتعطل قطاعات التجارة والخدمات والبنية الأساسية.
هذه الظروف الاستثنائية تفرض، في تقديري، التفكير في سياسات اقتصادية استثنائية، تتجاوز المعالجات التقليدية وتضع الأمن الاقتصادي ومعاش المواطن في صدارة أولويات الدولة.
الأمن الاقتصادي جزء من الأمن القومي
إن استمرار تراجع قيمة العملة المحلية، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطن، كلها مؤشرات لا تحتمل الانتظار.
وفي أوقات الحرب، تتسع المساحات التي ينشط فيها ما يمكن تسميتهم بـ«تجار الحروب»، مستفيدين من الاضطرابات في تحقيق أرباح استثنائية عبر التخزين والمضاربة والتحكم في قنوات توزيع السلع الأساسية.
ومن ثم، فإن المرحلة الحالية تحتاج إلى منظومة فاعلة للأمن الاقتصادي، تمتلك أدوات حقيقية للتعامل مع الاحتكار والتخزين غير المشروع والمضاربة والتهريب، وفق القانون، بدلاً من الاكتفاء بتشكيل لجان جديدة لا تملك القدرة التنفيذية الكافية.
إن المواطن الذي فقد منزله ومصدر دخله ومدخراته لا ينبغي أن يجد قوت يومه نفسه عرضة للمضاربة والاحتكار.
ومن هنا، فإن حماية الغذاء والأسواق والعملات والموارد الاقتصادية يجب أن تُعامل باعتبارها جزءاً أصيلاً من الأمن القومي للدولة.
مراجعة سياسة التحرير الاقتصادي
من هنا أصل إلى جوهر هذه الرسالة: الحاجة إلى إعادة النظر في سياسة التحرير الاقتصادي التي بدأت في السودان عام 1992، وتقييم مدى ملاءمة استمرار بعض جوانبها في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد.
لقد اتجهت إصلاحات التسعينيات إلى تحرير الأسعار والتجارة وسوق الصرف، وتقليص تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وخصخصة عدد من المؤسسات العامة، وإنهاء أو تقليص الاحتكارات التي كانت تتمتع بها مؤسسات التسويق الزراعي الحكومية.
وتؤكد وثائق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن إصلاحات ما بعد 1992 شملت تحرير التجارة وسوق الصرف، وتقليص الدعم، وتوسيع دور القطاع الخاص، وخصخصة عدد من مؤسسات الدولة، إلى جانب إنهاء احتكارات بعض مؤسسات التسويق الزراعي العامة.
وقد جاءت تلك السياسات في سياق اقتصادي وفلسفة اقتصادية مختلفين عن الواقع الذي يواجهه السودان اليوم.
أما الآن، فنحن أمام اقتصاد حرب يواجه شحاً في النقد الأجنبي، وانخفاضاً في الإنتاج، وارتفاعاً في تكاليف النقل والتأمين، واضطراباً في الأسواق، وصعوبة في تمويل الواردات الأساسية.
ولهذا أرى أن استمرار تطبيق السياسات نفسها دون مراجعة، رغم تغير الظروف بصورة جذرية، يحتاج إلى وقفة اقتصادية جادة.
الصادرات.. بوابة استعادة النقد الأجنبي
إذا كان شح النقد الأجنبي يمثل إحدى أكبر مشكلات الاقتصاد السوداني، فإن إدارة موارد الصادرات يجب أن تكون في مقدمة أولويات الدولة.
يمتلك السودان قاعدة واسعة من الموارد التصديرية، تشمل الذهب والماشية والسمسم والفول السوداني والصمغ العربي والقطن وغيرها من المنتجات الزراعية والحيوانية.
وقد ظل القطاع الزراعي تاريخياً أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، فيما أصبحت صادرات الذهب والماشية والسمسم ذات أهمية متزايدة، ويحافظ الصمغ العربي على مكانته الاستراتيجية في الأسواق العالمية.
والسؤال هنا بسيط وجوهري:
كيف يمكن أن تستقر العملة الوطنية إذا لم تتمكن الدولة من ضمان عودة عائدات صادراتها إلى النظام المصرفي الرسمي؟
هذه القضية، في تقديري، يجب أن تكون في قلب أي سياسة اقتصادية خلال الحرب.
الذهب.. مورد استراتيجي يحتاج إلى إدارة وطنية
يمثل الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للسودان، ولذلك فإن إدارة إنتاجه وتجارته وتصديره يجب أن تكون ضمن منظومة متكاملة تضمن وصول عائداته إلى القنوات الرسمية.
وتبدأ هذه المنظومة من شراء الذهب من المنتجين، ثم التجميع والتوثيق والفحص، وصولاً إلى التصدير وإعادة حصيلته إلى النظام المصرفي.
وقد اتخذ بنك السودان المركزي في مايو 2026 إجراءات لتشجيع تصدير الذهب عبر القنوات الرسمية، من بينها آلية لتسعيره ترتبط بالسعر العالمي، بهدف زيادة تدفقات النقد الأجنبي وتشجيع الصادرات الرسمية.
وهذا يؤكد أن القضية لا تتعلق بحجم إنتاج الذهب وحده، وإنما بكيفية إدارة دورة الذهب كاملة، وضمان عودة حصيلة الصادر إلى الاقتصاد الوطني.
ومن هذا المنطلق، أقترح أن تمنح شركات مملوكة للدولة أو شركات وطنية متخصصة دوراً أكبر في شراء الذهب وتصديره، وفق نظام واضح وشفاف وتنافسي، مع رقابة مالية ومصرفية صارمة.
فالغاية ليست إنشاء احتكار غير خاضع للرقابة، وإنما حماية ثروة وطنية وضمان استفادة الخزانة العامة والاقتصاد السوداني من عائداتها.
الثروة الحيوانية.. من تصدير الحيوان إلى تصدير القيمة
الأمر ذاته ينطبق على الثروة الحيوانية، التي تمثل إحدى أهم الموارد الاقتصادية للسودان.
وعلى الرغم من ضخامة الثروة الحيوانية، فإن جانباً كبيراً من الصادرات ما زال يعتمد على تصدير الحيوانات الحية، وهو ما يحرم السودان من جزء مهم من القيمة المضافة التي يمكن تحقيقها عبر التصنيع.
ولهذا ينبغي أن تتجه السياسة الاقتصادية تدريجياً نحو تطوير المسالخ الحديثة، وسلاسل التبريد، والتعبئة والتغليف، وتصنيع اللحوم والجلود والمشتقات الحيوانية.
ولا أقترح إلغاء دور القطاع الخاص، وإنما إنشاء منظومة وطنية قوية لتنظيم هذا القطاع، يمكن أن يكون لبنك الثروة الحيوانية أو شركة متخصصة تابعة للدولة دور محوري فيها، مع إبقاء المجال مفتوحاً أمام القطاع الخاص وفق قواعد واضحة للمنافسة والشفافية.
فالهدف هو أن يباع منتج سوداني يحمل قيمة مضافة سودانية، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المادة الخام.
شركة السودان للحبوب الزيتية.. مؤسسة يمكن أن تعود إلى الحياة
ومن الملفات التي أرى ضرورة وضعها على طاولة الإصلاح الاقتصادي ملف شركة السودان للحبوب الزيتية.
هذه المؤسسة تمتلك، من واقع تاريخها، خبرة تراكمية في مجال تسويق وتصدير الحبوب الزيتية، إلى جانب بنية أساسية وفروع ومخازن وقشارات للفول ومواقع في مناطق الإنتاج، فضلاً عن وجود مقر لها في بورتسودان.
وقد أدت مؤسسات التسويق الزراعي الحكومية في مراحل سابقة دوراً مهماً في تنظيم وتسويق الصادرات الزراعية، قبل أن تتجه إصلاحات التسعينيات إلى إعادة هيكلة عدد منها وفتح المجال أمام القطاع الخاص.
وأرى أن المرحلة الحالية تستوجب الاستفادة من المؤسسات التي تمتلك الخبرة والبنية الأساسية، وإعادة توظيفها وفق نماذج مؤسسية حديثة، بدلاً من ترك تلك الإمكانات معطلة.
تجربة أعرف تفاصيلها من الداخل
وأورد هنا تجربة شخصية أراها ذات صلة مباشرة بهذا الملف.
خلال وجودي في بورتسودان في أكتوبر 2024، أعددت ملفاً متكاملاً عن شركة السودان للحبوب الزيتية، مستفيداً من تجربة سابقة لي في هذه المؤسسة، عندما كُلّفت عام 2004 بتوفيق أوضاع الشركة بقرار من اللواء محمد عثمان محمد سعيد، رئيس مجلس إدارة الشركة في ذلك الوقت، رحمه الله.
وخلال فترة تكليفي، عملنا على معالجة عدد من المشكلات التي كانت تعوق استعادة الشركة لنشاطها، وفي مقدمتها المديونية التي حالت دون قدرتها على الحصول على التمويل المصرفي اللازم لشراء المنتجات الزراعية وتصديرها.
وكانت المديونية مرتبطة بعملية استيراد زيت الأولين من ماليزيا عام 1994، عبر بنك أمدرمان الوطني وبضمان بنك السودان المركزي.
وبسبب تعثر توزيع وتحصيل قيمة المبيعات، لم تتمكن الشركة من الوفاء بالتزاماتها التمويلية، الأمر الذي انعكس على قدرتها على الحصول على تمويل جديد لشراء الحبوب الزيتية من المنتجين وتصديرها.
ومن خلال اتصالات ومساعٍ مع الدكتور الزبير محمد الحسن، وزير المالية الاتحادي آنذاك، والدكتور صابر محمد حسن، محافظ بنك السودان المركزي، جرى التوصل إلى تسوية للمديونية.
وبموجب تلك التسوية تحملت وزارة المالية سداد جزء من المديونية، بينما عولج الجزء المتبقي وفق الاتفاق الذي تم التوصل إليه، وانتهت العملية إلى إزالة العبء المالي الذي كان يعوق نشاط الشركة.
وبذلك أصبحت الشركة في وضع يسمح لها باستعادة نشاطها، وممارسة دورها في مجال الحبوب الزيتية.
وأورد هذه التجربة لأنني أعرف هذه المؤسسة من الداخل، وأعرف إمكاناتها وخبراتها وبنيتها الأساسية، وأرى أن إعادة تأهيلها يمكن أن تشكل جزءاً من معالجة ملف الصادرات الزراعية في المرحلة الراهنة.
لماذا لا نستعيد مؤسسات الصادر؟
إذا كانت الدولة تمتلك مؤسسات متخصصة في الصادرات الزراعية والحيوانية، فلماذا لا تعيد بناء دورها والاستفادة من خبراتها؟
أقترح إعادة تأهيل مؤسسات وطنية متخصصة في:
الحبوب الزيتية.
الصمغ العربي.
القطن.
الثروة الحيوانية واللحوم.
ولا يعني ذلك إقصاء القطاع الخاص، وإنما إقامة شراكة متوازنة يكون للدولة فيها مؤسسات قوية قادرة على تنظيم الصادرات والمنافسة فيها، أو الحصول على امتيازات محددة في القطاعات الاستراتيجية، وفق تشريعات واضحة ورقابة مستقلة.
إن المشكلة ليست في القطاع الخاص، وإنما في ضعف قدرة الدولة على ضمان إدارة موارد النقد الأجنبي الناتجة عن صادراتها.
الصمغ العربي.. درس من تجربة سابقة
يقدم الصمغ العربي نموذجاً مهماً يمكن الاستفادة منه.
تمتعت شركة الصمغ العربي تاريخياً بحق حصري في تصدير الصمغ الخام، واستمر هذا الوضع لعقود، قبل أن ينتهي في عام 2009 في إطار تحرير تجارة الصمغ العربي.
وكانت الشركة تؤدي، إلى جانب التسويق، أدواراً تتصل بدعم المنتجين وضمان الجودة وتنظيم السوق وتعزيز العائدات من النقد الأجنبي.
ولا أرى أن استحضار هذه التجربة يعني بالضرورة العودة إلى الاحتكار الكامل، وإنما يعني أن السودان يمتلك تجربة مؤسسية سابقة في إدارة سلعة استراتيجية، ويمكن الاستفادة من عناصرها عند تصميم نظام حديث لإدارة الصادرات خلال ظروف الحرب.
رسالة وصلت إلى المسؤولين.. وانتظرت أكثر من شهرين
بعد إعداد الملف الخاص بشركة السودان للحبوب الزيتية في أكتوبر 2024، ذهبت إلى مكتب الفريق إبراهيم جابر، عضو مجلس السيادة والمشرف على وزارة التجارة والتموين في ذلك الوقت، وسلمت التقرير المتعلق بوضع الشركة وإمكانية إعادة نشاطها إلى مدير مكتبه.
كما التقيت السيد عمر أحمد محمد، وزير التجارة والتموين، وناقشت معه محتوى التقرير بصورة مفصلة، واتفقنا على مواصلة النقاش حول إمكانية إعادة نشاط الشركة لتقوم بدورها في تصدير الحبوب الزيتية ودعم خزينة الدولة بالنقد الأجنبي.
ثم ذهبت أيضاً إلى رئيس مجلس الوزراء المكلف آنذاك، السيد عثمان حسين، ووعدني مدير مكتبه بعرض التقرير عليه وتحديد موعد للقاء.
انتظرت أكثر من شهرين، لكنني لم أتلق اتصالاً من الفريق إبراهيم جابر، ولا من مدير مكتب رئيس مجلس الوزراء، ولا من وزير التجارة والتموين.
وأقولها هنا بوضوح:
لسنا نبحث عن منصب أو منفعة شخصية؛ ما نبحث عنه هو أن تجد الأفكار التي يمكن أن تخدم الوطن طريقها إلى التنفيذ.
الحصة وطن.
وفي وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل مبادرة وكل فكرة وكل خبرة يمكن أن تسهم في إنقاذ الاقتصاد، فإن ترك الملفات الجادة دون متابعة يعني إهدار فرص قد لا تتكرر.
بنك السودان.. تمويل الإنتاج لا صناعة التضخم
وأوجه رسالتي كذلك إلى محافظ بنك السودان المركزي بضرورة دراسة توفير تمويل استثنائي للمؤسسات والشركات القادرة على زيادة حصيلة الصادرات.
لكن هذا التمويل يجب أن يكون منضبطاً ومربوطاً بدورة إنتاجية حقيقية.
فتمويل العجز من خلال خلق نقود جديدة، إذا لم يقابله إنتاج حقيقي أو عائدات صادرات فعلية، يمكن أن يؤدي إلى مزيد من التضخم وتدهور القوة الشرائية للجنيه.
أما إذا ارتبط التمويل بعمليات فعلية لشراء المنتجات، وتجهيزها وتصديرها، ثم استرداد التمويل من حصيلة الصادرات خلال فترة زمنية محددة، فإنه يمكن أن يدخل ضمن دورة اقتصادية أكثر انضباطاً.
والقاعدة هنا واضحة:
لا ينبغي خلق نقود بلا إنتاج، وإنما تمويل إنتاج قادر على خلق موارد حقيقية.
المطلوب قرار.. لا لجنة جديدة
المرحلة الراهنة لا تحتمل مزيداً من اللجان التي تنتهي توصياتها إلى ملفات محفوظة في الأدراج.
المطلوب قرارات عملية تبدأ من:
أولاً: إعادة تقييم سياسة التحرير الاقتصادي التي بدأت عام 1992، وتجميد أو تعليق بعض جوانبها التي لم تعد ملائمة لظروف الحرب.
ثانياً: إنشاء نظام استثنائي لإدارة الصادرات الاستراتيجية طوال فترة الحرب.
ثالثاً: ضمان عودة حصيلة الصادرات إلى النظام المصرفي الرسمي.
رابعاً: تشديد الرقابة على تهريب الذهب والسلع الاستراتيجية.
خامساً: تفعيل منظومة الأمن الاقتصادي لمواجهة المضاربة والاحتكار والتخزين غير المشروع.
سادساً: إعادة تأهيل الشركات الوطنية المتخصصة في الصادرات والاستفادة من خبراتها وبنيتها الأساسية.
سابعاً: تطوير صادرات الثروة الحيوانية من تصدير الحيوانات الحية إلى المنتجات ذات القيمة المضافة، متى توافرت الظروف الصحية والفنية المناسبة.
ثامناً: إعادة تشغيل مؤسسات الحبوب الزيتية والقطن والصمغ العربي وفق نماذج مؤسسية حديثة وشفافة.
تاسعاً: حماية المنتج السوداني وتوفير سعر تشجيعي عادل له، بما يقلل دوافع البيع خارج القنوات الرسمية.
عاشراً: إغلاق منافذ التهريب وتشديد الرقابة على الحدود والمعابر والموانئ.
الحرب معركة اقتصادية أيضاً
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحرب لا تُخاض في ميادين القتال وحدها.
إنها معركة على الغذاء، والعملات، والذهب، والصادرات، والأسواق، والحدود، وسلاسل الإمداد.
ولهذا فإن الأمن الاقتصادي يجب أن يصبح جزءاً من منظومة الأمن القومي للدولة.
إن الدولة التي تعجز عن حماية إنتاجها وصادراتها وعملتها وغذاء مواطنيها تظل معرضة للضغط، مهما كانت نتائجها في الميدان العسكري.
وفي المقابل، فإن استعادة القدرة على إدارة موارد الصادر يمكن أن توفر للدولة مورداً مهماً لتمويل الخدمات العامة والواردات الأساسية ودعم استقرار الاقتصاد.
لكن المقصود هنا ليس العودة إلى اقتصاد مغلق، ولا إلغاء القطاع الخاص، وإنما بناء اقتصاد حرب منضبط ومؤقت، تستعيد فيه الدولة قدرتها على إدارة الموارد الاستراتيجية، ثم تعيد تقييم هذه الإجراءات بعد انتهاء الحرب وعودة الاستقرار.
حكومة المرحلة.. هل تملك القدرة على مواجهة التحدي؟
وهنا أصل إلى نقطة أراها جوهرية في نجاح أي إصلاح اقتصادي مقترح: من الذي سينفذ هذه السياسات؟
إن الإجراءات التي اقترحها لا يمكن أن تنجح في ظل إدارة حكومية تفتقر إلى القدرة التنفيذية والخبرة التخصصية اللازمة للتعامل مع اقتصاد حرب بهذه الدرجة من التعقيد.
وبكل صراحة، أرى أن حكومة الأمل الحالية برئاسة الدكتور كامل إدريس ليست، في تقديري، قدر التحدي الذي تواجهه البلاد، ولا تملك ما يكفي من الأدوات والخبرات لإحداث التحول الاقتصادي المطلوب في هذه المرحلة الاستثنائية.
وهذه ليست دعوة للمجاملة السياسية، ولا موقفاً من أشخاص، وإنما قراءة للواقع ومتطلبات المرحلة. فالسودان اليوم يحتاج إلى حكومة مختلفة في تركيبتها وأدائها، حكومة تضم كفاءات وطنية متخصصة في الاقتصاد والمال والمصارف والزراعة والصناعة والتجارة والطاقة والنقل والإدارة، وهي كفاءات سودانية كثيرة ومؤهلة، ولا تحتاج الدولة إلى البحث عنها بعيداً.
إن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية للأزمة، ولا معالجة الملفات بمنطق تصريف الأعمال وانتظار النتائج.
نحن بحاجة إلى حكومة حرب ذات برنامج اقتصادي واضح، واستراتيجية محددة، وأهداف قابلة للقياس، وصلاحيات تنفيذية حقيقية، وفترة زمنية مؤقتة ومعلومة، تتولى خلالها إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحريك الإنتاج، وتنظيم الصادرات، واستعادة موارد النقد الأجنبي، وحماية الأسواق، وتهيئة الظروف للانتقال إلى مرحلة اقتصادية أكثر استقراراً بعد انتهاء الحرب.
وأرى أن تغيير الحكومة في هذه الظروف يجب أن يكون جزءاً من الإصلاح، لا أمراً منفصلاً عنه. فاختيار الأشخاص القادرين على تنفيذ الاستراتيجية لا يقل أهمية عن وضع الاستراتيجية نفسها.
والسودان لا تنقصه الكفاءات.
هناك خبراء اقتصاديون ومصرفيون وأكاديميون ومهنيون ورجال إدارة يمتلكون العلم والخبرة والتجربة العملية، ويمكن جمعهم في فريق اقتصادي وطني يعمل وفق أهداف واضحة، بعيداً عن المحاصصة والمجاملة، وبمعايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز.
إننا في ظرف لا يسمح بالمجاملة.
الحصة وطن.
وإذا كانت الدولة تريد بالفعل خوض معركة اقتصادية موازية لمعركة استعادة الأمن والاستقرار، فإنها تحتاج إلى رجال ونساء أقوياء في علمهم وخبرتهم، واضحين في أهدافهم، قادرين على اتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته وتنفيذه.
ولذلك فإنني أرى ضرورة إعادة تشكيل الحكومة الحالية، واختيار حكومة كفاءات متخصصة تكون مهمتها محددة، وبرنامجها واضحاً، وفترتها الزمنية مؤقتة، ومحاسبتها مرتبطة بما تحققه من نتائج على الأرض.
إن المرحلة لا تحتاج إلى حكومة تبحث عن فرصتها، وإنما إلى حكومة تمنحها الدولة فرصة محددة لإنقاذ الاقتصاد.
ولا مجال هنا للمجاملة؛ فالمواطن السوداني دفع ثمناً باهظاً للحرب، ولم يعد يحتمل مزيداً من إهدار الوقت أو الموارد.
إنقاذ الاقتصاد يحتاج إلى قرار، والقرار يحتاج إلى رجال دولة، ورجال الدولة يحتاجون إلى علم وخبرة وكفاءة وإرادة تنفيذ.
كلمة أخيرة إلى القائد العام
سعادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان عبدالرحمن،
إن الإصلاح الاقتصادي في هذه المرحلة ليس ترفاً، وإنما ضرورة تفرضها ظروف الحرب وتداعياتها على المواطن والدولة.
وأرى أن تجميد بعض جوانب سياسة التحرير الاقتصادي مؤقتاً، وإعادة تنظيم الصادرات الاستراتيجية، وإعادة تأهيل المؤسسات الوطنية المتخصصة، وتفعيل منظومة الأمن الاقتصادي، وإغلاق منافذ التهريب، يمكن أن تشكل معاً جزءاً من خطة وطنية لإنقاذ الاقتصاد.
لكن نجاح هذه الإجراءات سيظل رهيناً بوجود إدارة اقتصادية كفؤة، وشفافية حقيقية، ورقابة ومحاسبة، حتى لا يتحول تدخل الدولة من وسيلة لحماية الاقتصاد إلى باب جديد للفساد أو المحسوبية.
إن السودان يحتاج اليوم إلى قرار اقتصادي شجاع، وإدارة قادرة على التنفيذ، وحكومة تضع معاش المواطن والإنتاج الوطني في مقدمة أولوياتها.
هذه رسالة أضعها بين يديكم، انطلاقاً من قناعة بأن إنقاذ الاقتصاد السوداني مسؤولية وطنية مشتركة، وأن كل مورد يمكن أن يعيد إلى البلاد عافيتها الاقتصادية يجب أن يحظى بالعناية والاهتمام.
الحصة وطن.
والله من وراء القصد، ويهدي السبيل.
د. هاشم عبدالله رحمة
محلل سياسي وخبير اقتصادي ومصرفي
The post *رسالة عبر’ مسارميديا ‘اقتصاد الحرب أم اقتصاد الدولة؟ ..* *رسالة في بريد القائد العام للقوات المسلحة السودانية….* *مقترح لتجميد سياسة التحرير واستعادة قبضة الدولة على الصادرات* د. هاشم عبدالله رحمة محلل سياسي وخبير اقتصادي ومصرفي first appeared on مسار ميديا.