ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت.. أين وصل التحقيق ومن عطّل المحاسبة؟

ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت.. أين وصل التحقيق ومن عطّل المحاسبة؟

Loading

بعد ست سنوات على انفجار مرفأ بيروت، وصلت القضية إلى مرحلة أكثر تقدمًا، لكنها لم تبلغ بعد المحاكمة. فقد أنهى المحقق العدلي القاضي طارق بيطار تحقيقاته في نهاية مارس/ آذار 2026، وأحال الملف إلى النيابة العامة التمييزية لإبداء مطالعتها، تمهيدًا لإعادته إليه وإصدار القرار الاتهامي ثم إحالة القضية إلى المجلس العدلي.

ويمثل ذلك أبرز تقدم في التحقيق منذ انفجار الرابع من أغسطس/ آب 2020، الذي أودى بحياة أكثر من 220 شخصًا وأصاب نحو سبعة آلاف، ودمّر أجزاء واسعة من بيروت.

ووقعت الكارثة بعد تخزين شحنة ضخمة من نترات الأمونيوم في العنبر رقم 12 لسنوات، رغم تحذيرات لمسؤولين بشأن خطورتها. لكن الذكرى السادسة تطرح أسئلة جديدة:

متى تصدر مطالعة النيابة العامة؟ وماذا سيتضمن القرار الاتهامي؟ وهل تنفذ مؤسسات الدولة ما قد يصدر عنه بحق شخصيات نافذة؟

التحقيق في مراحله الأخيرة


في 30 مارس/ آذار أعلن بيطار إنجاز تحقيقاته، بعدما بلغ عدد المدعى عليهم نحو 70 شخصًا، بينهم سياسيون ومسؤولون أمنيون وعسكريون وقضاة وموظفون.

وتنظر النيابة العامة التمييزية في ملف يضم آلاف الصفحات من الإفادات والتقارير والمراسلات. وبعد انتهاء مطالعتها، يُعاد الملف إلى بيطار لإصدار القرار الاتهامي، قبل إحالته إلى المجلس العدلي وبدء المحاكمات العلنية.



 بعد ست سنوات.. زوجان لبنانيان ينعيان ابنهما الوحيد الذي فقد في انفجار مرفأ بيروت وينتظران العدالة – غيتي 

وتقول الكاتبة والباحثة السياسية رشا أبي حيدر في حديث إلى التلفزيون العربي، إن الأهالي ينظرون إلى هذه المرحلة “بوجع، ولكن أيضًا بأمل”، مشيرة إلى أن التحقيق وصل إلى نقطة متقدمة مقارنة بالسنوات السابقة.

وتتوقع أبي حيدر إنجاز مطالعة النيابة بعد انتهاء العطلة القضائية في سبتمبر/ أيلول أو خلال أكتوبر/ تشرين الأول، على أن تتضح بعدها الخطوة التالية، سواء بإصدار القرار الاتهامي أو اتخاذ إجراءات إضافية.

وشددت على أن حسم ملف انفجار المرفأ قد تكون له تداعيات تتجاوز القضية نفسها، معتبرة أن صدور القرار القضائي النهائي يمكن أن يشكل نقطة تحول في مسار القضاء اللبناني وإشارة إلى وجود قضاء مستقل قادر على محاسبة المسؤولين.


سنوات من التعطيل

واجه التحقيق عراقيل سياسية وقضائية وإجرائية منذ بدايته، فأُقصي المحقق العدلي الأول فادي صوان في فبراير/ شباط 2021، ثم واجه خلفه طارق بيطار عشرات الدعاوى والمراجعات التي استهدفت وقف التحقيق أو تنحيته.

ورفض عدد من المسؤولين المثول أمامه، مستندين إلى الحصانات أو إلى اعتراضات على صلاحياته.

وفي يناير/ كانون الثاني 2023، بلغ الصدام ذروته بعدما استأنف بيطار التحقيق وادعى على مسؤولين جدد، ليرد النائب العام التمييزي السابق غسان عويدات بالادعاء عليه بجرم “اغتصاب السلطة”، وإطلاق سراح جميع الموقوفين، ووقف تعاون النيابة العامة والأجهزة الأمنية معه.


القضاء يضيّق هامش التعطيل


وشهد عام 2026 قرارات قضائية ساهمت في إزالة جزء من العراقيل، إذ انتهت الملاحقة ضد بيطار في قضية “اغتصاب السلطة”، كما ردت الهيئة العامة لمحكمة التمييز دعاوى مخاصمة تقدم بها مدعى عليهم بهدف وقف إجراءات التحقيق.

وفي قرار آخر، ألزمت محكمة بداية بيروت الوزيرين السابقين والنائبين علي حسن خليل وغازي زعيتر بدفع تعويض قدره 10 مليارات ليرة لبنانية للقاضية دانيا الدحداح، شقيقة أحد ضحايا الانفجار، بعدما خلصت إلى تعسفهما في استعمال حق الادعاء والدفاع عبر تقديم طلبات متكررة لرد بيطار والقضاة.

ويفرق هذا المسار بين ممارسة حق الدفاع، الذي يكفله القانون، وبين استخدام الإجراءات بصورة متكررة ومتعسفة لتعطيل التحقيق.


السياسة والقضاء


تزامن استئناف التحقيق مع تغير في المشهد السياسي اللبناني بعد انتخاب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام، إلى جانب تغييرات في الجسم القضائي.

وترى الحقوقية والمحامية السابقة في المحكمة الجنائية الدولية ديالا شحادة في حديث إلى التلفزيون العربي، أن هذه التغيرات ساهمت في تسهيل مهمة بيطار والحد من استخدام الأدوات القضائية لتعطيل التحقيق، لكنها تحذر من اعتبار ذلك ضمانة مسبقة لعدالة القرار.

وبحسب شحادة، يجب أن يحدد القرار مسؤولية من عرقل التحقيق، ومن امتنع عن تنفيذ قرارات المحقق العدلي، ومن لم يتعاون مع طلبات القضاء داخل لبنان وخارجه.

وكان بيطار قد أرسل طلبات تعاون إلى 16 دولة، بينما لم يأتِ التجاوب، بحسب شحادة، إلا من روسيا وألمانيا، ما يجعل القضية مرتبطة أيضًا بمسار السفينة والشحنة والجهات التجارية والوسطاء والمالكين الموجودين خارج لبنان.


من “روسوس” إلى الانفجار


وترى رشا أبي حيدر أن القرار الاتهامي يجب ألا يحصر المسؤولية في الفترة التي سبقت الانفجار مباشرة أو في موظفين إداريين.

فالقضية تبدأ من وصول سفينة “روسوس” إلى بيروت وإنزال شحنة نترات الأمونيوم، ثم قرار إبقائها في المرفأ، والمراسلات والتحذيرات التي انتقلت بين القضاء والجمارك وإدارة المرفأ والوزارات والأجهزة الأمنية.

ويفترض التحقيق تحديد مسؤولية كل جهة كانت تعلم بوجود المواد وخطورتها، ومن كان يملك صلاحية نقلها أو إتلافها أو تأمينها، ومن امتنع عن التدخل رغم التحذيرات.

وبذلك، لا تقتصر المسؤولية على من تسبب مباشرة في الانفجار، بل قد تمتد إلى سلسلة من الأفعال أو الامتناع عن أداء الواجب، منذ إدخال الشحنة وتخزينها وصولًا إلى تركها في منطقة مأهولة من دون إجراءات السلامة اللازمة.


القرار الاتهامي.. بداية الاختبار


يمثل القرار الاتهامي خطوة حاسمة، لأنه ينقل القضية من التحقيق إلى المحاكمة ويحدد المدعى عليهم والأفعال المنسوبة إليهم.

لكن صدوره لا يضمن وحده تحقيق العدالة. فلا يوجد حاليًا أي موقوف في القضية، بعدما أطلق عويدات سراح الموقوفين عام 2023، فيما سبق للنيابة العامة والأجهزة الأمنية أن امتنعت عن تنفيذ إجراءات قضائية أصدرها بيطار.

وتقول ديالا شحادة إن “الامتحان الحقيقي ليس في صدور القرار الاتهامي”، وإنما في سلوك مؤسسات الدولة بعد صدوره.

فالمدعى عليهم يضمون رئيس حكومة سابقًا ووزراء ونوابًا ومسؤولين أمنيين وعسكريين سابقين، وبعضهم ينتمي إلى أحزاب لا تزال ممثلة في البرلمان والحكومة. وسيكون تنفيذ أي مذكرة توقيف أو إجراء قضائي بحقهم اختبارًا مباشرًا لسلطة القانون.

من الوعود إلى المحاسبة

شدد الرئيس جوزيف عون، في الذكرى السادسة، على أن صدور القرار المنتظر لم يعد يحتمل مزيدًا من التأخير، مؤكدًا ضرورة كشف الحقيقة ومحاسبة كل من تقاعس أو قصّر أو تسبب في الكارثة.

وأكد رئيس الحكومة نواف سلام بدوره أنه لا تسوية على حساب العدالة، ولا غطاء لأي مسؤول في قضية المرفأ.

لكن عائلات الضحايا لا تقيس التقدم بالتصريحات، بعدما سمعت خلال السنوات الماضية وعودًا كثيرة بكشف الحقيقة، بينما ظل المسؤولون المدعى عليهم خارج المحاكمة وتوقف التحقيق مرارًا.

وصل الملف اليوم إلى أقرب نقطة من القرار الاتهامي منذ بدء التحقيق، لكن المسافة بين إصدار وثيقة قضائية وتحقيق العدالة لا تزال واسعة.

وبعد ست سنوات، لم يعد السؤال فقط متى يصدر القرار الاتهامي، بل هل ستسمح الدولة للقضية بالانتقال من الأوراق إلى قاعة المحكمة، وهل ستشمل المحاسبة أصحاب النفوذ كما تشمل الموظفين، أم أن سنوات التعطيل ستجد طريقًا جديدًا إلى مرحلة المحاكمة؟