سلسلة من عظمة حضاراتنا السودانية القديمة 

سلسلة من عظمة حضاراتنا السودانية القديمة 

Loading

٢/ وراثة الحكم الملكي في مروي من جهة الأم 

في تاريخنا الكوشي، حكمت ملكات عظيمات، إذ كانت الملكة الأم أو الزوجة الملكية تجلس إلى جانب الملك على العرش، وتحمل لقب «قورتي» أو «قورو»، وهو لقب يُطلق على الملكة الحاكمة أو الكنداكة، التي قد تكون أم الملك (الملكة الأم) أو زوجته، وقد أطلق الرومان عليهن اسم «كنداس». 

اكتسبن مكانتهن ونفوذهن ليس لأنهن الملكات الحاكمات فقط، بل لأن لهن دورًا في مشاركة الطقوس الملكية. وقد ورد في كتاب «الترجمة الكاملة للألواح الملكية الكوشية» لد. الحسن أحمد محمد الحسن النوش (الأجزاء من ١-٤)، في ترجمة «لوح الانتخاب للملك أسبلتا»، في (الجزء الثاني) من الكتاب، كتب د. الحسن: «في العام الأول من حكم الملك أسبلتا (٦١٠-٥٩٠ ق.م) ابن الملك سنكامانيسكن وأمه الملكة نسالسا، أمر الملك بنحته ونصبه في بهو الأعمدة بمعبد الإله آمون الكبير بجبل البركل، وبحسب أوامر الحاكم العام التركي لمصر والسودان تم نقل اللوح لمصر حيث يعرض بالمتحف المصري تحت الرقم (٤٧٧٦٦ JE) ارتفاعه ١٦٠ سم وعرضه ٧٠ سم»، وفي اللوح نجد أن: «أم الملك الملكة نسالسا واقفة لوحدها باتجاه الملك تحمل في يديها آلتي الشخشيخة أو الكشكوش وكأنها تقوم بهزهما، والملك راكعًا أمام الإله آمون ناظرًا لوالدته خلال طقوس التتويج وسميت بكاهنة آمون».(١) 

والصلصال بالإنكليزية (Sistrum) هي آلة موسيقية تتكون من مقبض وإطار معدني على شكل حرف U، مصنوع من النحاس أو البرونز، يخرج صوتها بالاهتزاز لإدخال السرور في قلب الآلهة. 

وفي ذلك كتبت سامية بشير دفع الله في مجلة «دراسات في آثار الوطن العربي»، مقال بعنوان: «الملكات السودانيات من مملكة نبتة (٧٥٠-٣٠٠ ق.م) دراسة في المصادر وأنواعها ودلالاتها»، أن هذا الطقس: «يقوم به عادة كهنة المعابد فقد كانت الملكات النبتيات يقمن بدور الكاهنات بمناسبة تتويج الملك لمساعدته في الحصول على الملكية بمرافقته ومؤازرته أثناء التنصيب».(٢) 

وقد كانت تدعم مكانتها وسلطتها عن طريق: «مكانتها ككاهنة للإله آمون وقد صورت الأم الملكية أماني تور مرتدية جلد الفهد خلف الملك ناتاكاماني بصفتها كاهنة أثناء مراسم التتويج».(٣) 

كتبت هند عبد المجيد الفقي في «مجلة الدراسات الأفريقية» مقال بعنوان: «سلطة الملكات المرويات في مروي (٥١٩ ق.م – ٣٥٠ م)»، نجد: «إضافة الاسم الإلهي آمون لأسماء الكنداكات العظيمات مثل أماني شيختو وأماني ريناس وأماني تور كمظهر إجلال للإله دينيًا».(٤) 

في الكتب تُكتب أسماؤهن بالهمزة على الألف مثلاً (أماني ريناس)، فإذا كن ينتسبن للمعبود (آمون Amun) يجب أن تُكتب الألف مشددة كما في اسمه فتُكتب (آماني ريناس). 
في بعض الكتابات وجدت أسماؤهن مكتوبة كاسم واحد وليس مركبًا كما مكتوب أعلاه، بل كُتب (أمانيريناس) وعليه تُكتب (آمانيريناس). 

هذا البعد الديني أكسبهن بعدًا سياسيًا في مفهوم الملكية من حيث علاقة الملك بالملكة الأم أو زوجته، فأمه تربطه بأصله وزوجته تربطه بالمستقبل بولادة الأبناء. 

وقد ذُكرت مكانة الكنداكات في الكتاب المقدس (التوراة) فجاء في نصوص الحواريين قصة: «تحول الخصي الإثيوبي للمسيحية وتأكيد وجوده تحت سلطة الملكة الكنداكة وكان أول وثني يتحول إلى المسيحية وهو وزير كنداكة إثيوبيا وجاء للملك في مصر العليا وقام بتعميده، وإن أول مسيحي كان قد تحول من الوثنية إلى المسيحية. وعلت مكانتهن من اكتسابهن حق الدفن في أهرامات بلاط الكنداكة».(٥) 

وقد كان يطلق الإغريق على مملكتهم اسم إثيوبيا. 

ففي عهد مملكة نبتة عندما اعتقد المرويون في الأسطورة التي تقول إن: «الوعد الذي قطعه الإله آمون للحاكم ألارا يجعل الملك في ذرية أخواته البنات أبد الآبدين وخص بالملك الذكور دون الإناث، وبالفعل نجد النساء الملكيات دُفنَّ في جزء منفصل من مدافن الملوك في جبانتي الكورو ونوري الملكيتين وتميزت أهراماتهن بصغر الحجم وضآلة المحتويات بالنسبة لأهرامات الملوك وقد ابتدع هذه العادة الملك بعانخي ودفن نسائه في جزء منفصل من مدافن الكورو، وبتبع تحول المدافن إلى البجراوية أبطلت هذه العادة كما توسطت أهرامات النساء الملكات أهرامات الملوك الرجال».(٦) 

وقد قطع هذا الموعد في بداية العهد النبتي ولبعث الشعائر الآمونية. 

علت مكانة المرأة الملكة فتوسطت أهرامات الملوك في دفنها كما تساوت معها في الحجم وإن فاتتها أحيانًا، وقد تغيرت عادات دفن الملكات المرويات عن الملكات النبتيات وهذا يدل على ارتفاع مكانتهن ويدل على ذلك هرم الملكة أماني شخيتو في البجراوية الشمالية هرم رقم (٦) أكبر أهرامات الجبانة رقم (٢٧). 

توريث العرش: 
نظرت لمكانة الأمهات الملكيات (الملكة الأم) ودورهن في أداء الطقوس الملكية ودورهن في ممارستها والأسطورة بالوعد الذي قطعه الإله آمون للحاكم ألارا يجعل الملك في ذرية أخواته البنات، بدأت النساء الملكيات في تولي وظيفة الزوجة الإلهية لآمون في الأسرة (٢٥) وساعد ذلك البيئة السلمية التي سادت في الدولة الموحدة.(٧) 

وقد اختلف تفسير الباحثون في العوامل التي أدت إلى نفوذ ودور الملكات في مروي ووصولهن لسدة الحكم منفردات وتغلب عادات الحكم المحلية عقب انتقال العاصمة من نبتة إلى مروي في نهاية القرن الرابع قبل الميلاد. 

أما وليم آدامز في كتابه الموسوعي فيما ترجمته: «النوبة رواق أفريقيا»، كتب أن: «النظام الأمومي من أبرز السمات المميزة للممالك النوبية القديمة وتدل النقوش واللوحات على أن النسب كان ينتقل عبر الأم (الملكة الأم) المعروفة بلقب كنداكة وكانت تمثل مصدر الملكية الشرعية السياسية وناقلها وهذا النظام نموذج سياسي استند إلى القرابة النسوية كأساس لوراثة العرش».(٨) 

وإن في لوحات القرابين المكتوبة باللغة المروية لغير الملوك كشفت عن حرص أصحابها على الانتساب إلى الأم قبل الأب وكان كل فرد منهم يعرف نفسه: «فلان ابن فلانة ابن فلان».(٩) 

وهكذا كان ملكهم أموميًا يرث العرش الملكي ابن الأخت. 

والغريب أن ترث بعض القبائل ذات الأصل العربي صفة (الملك الأمومي) والشاهد في التاريخ أنه بتزاوج العرب مع النوبة في شمال السودان تحول المجتمع من أمومي إلى ذكوري. 

ويُضرب المثل بقولهم: «الولد خال»، ومثل آخر: «الولد يوم طهوره يوم دولته»، ومثل على ذلك من مقال من كتابي: «مقالات من تراثنا الشعبي السوداني» (كتاب غير منشور)، مقال بعنوان: «نزيل المطرق»، إن: «عند بعض القبائل التي تسكن على النيل في شمال السودان مثل قبيلة المناصير والعادة عندهم بعد طهور الولد: يتوجهون بالطفل المختون لأمه وخالاته ويطلقوا الأعيرة النارية ويدور الغناء والرقص ويجلس الطفل على سرير خاص لتتم له عادة (نزيل المطرق) وتتم العادة أن يحضر (الخال) لإنزال المطرق (عقد من الذهب ينظم بالخيط الأسود وهو عبارة عن وحدات من المطارق وهي أشكال أسطوانية رفيعة طويلة من الذهب، تنظم أربعة وحدات منها لتشكل مجموعة ويتوسط بين كل وحدتين خرز أحمر وأسود وتيلة، ويسميها أهل كردفان المطارق) فيمسكه ويلبسه المطرق ويعلن في الملأ إنزاله بأكثر ما يستطيع من إمكانيات بوقية ذهب أو جمل فحل أو مبلغًا من المال، وإذا كان لولد الطهور عدد من الأخوال يقوم الخال الأكبر بإنزال المطرق له».(١٠) 

وفي نسب هذه القبيلة المناصير من كتاب: «موسوعة القبائل العربية» لمحمد سليمان الطيب: «اختلف في نسب المناصير فمن رأي يذهب إلى نسبهم إلى العدنانية، ومن رأي ينسبهم إلى الحارث بن كعب من مذحج القحطانية».(١١) 

وإنها تقع بين قبيلتي الشايقية والرباطاب تحدها من الجنوب الشامخية ومن الشمال الكاسنجر بشمال السودان. 

وأيضًا مثل آخر من قبيلة البادراب إنه: «يقعد الطفل للطهور بقدح العادة وهو وضع قدح خشبي متوسط الحجم يقعده به أولًا الخال ببقرة والعم بناقة أو بمبلغ من المال، ثم بقية الأهل يدفع بقدر الاستطاعة».(١٢) 

والغريب أن قبيلة البادراب هي بطن من قبيلة المسلمية، ينسبها النساب د. محمد عوض محمد: «من الصعب أن نجد مجموعة بكرية أي نسل أبي بكر الصديق تعيش في صورة قبيلة في أي قطر من الأقطار العربية، لأن معظم البكريين يعيشون في شكل أسر».(١٣) 

وهم يعيشون في الجزيرة وعلى ضفتي النيل الأبيض. 

وإلى وقتنا الحالي بعض القبائل النوبية ينتظر فيها الرجال باسم الأم كأن تناديه: «سعيد هُجلة». 

المصادر والمراجع: 
(١) الحسن أحمد محمد الحسن النوش: «الترجمة الكاملة للألواح الملكية الكوشية»، (الأجزاء من ١-٤)، (الجزء الثاني)، ٢٠٢٤ م، ٦٣. 
(٢) سامية بشير دفع الله في مجلة: «دراسات في آثار الوطن العربي»، ٢٠٢١ م، عدد (١١)، ص ص ١٩٧-٢١٥. 
(٣) Lipsius, C.R.: “Denkmäler aus Aegypten und Aethiopien”, 1871-1931, Berlin, v.B1. 676. 
(٤) هند عبد المجيد الفقي: «مجلة الدراسات الأفريقية»، مقال بعنوان: «سلطة الملكات المرويات في مروي (٥١٩ ق.م – ٣٥٠ م)»، يونيو ٢٠١٥ م، عدد (٣٨)، ص ص ١-٢٣. 
(٥) Finch & William, “The Great Queen of Ethiopia”, 1984, in von Sertima, Ivan, ed. “Black Women in Antiquity”, Journal of African Civilizations, Ltd., Inc. Fort Worth, TX, 2010, pp. 32-33. 
(٦) عمر حاج الزاكي: «مملكة مروي التاريخ والحضارة»، مطابع الصلحابي، ٢٠٠٦ م، وحدة أبحاث السدود، إصدارة (٧)، الخرطوم – السودان، ص ٥٧. 
(٧) Morkot, Robert G.: “Kinship and Kingship in Ancient Nubia”, 2012, in Fisher, Marjorie et al. ed., “Ancient Nubia: African Kingdoms on the Nile”, American University, 122. 
(٨) Adams, W.Y.: “Nubia: Corridor to Africa”, 1977, Princeton University Press, p. 124. 
(٩) Asante, Molefi Kete: “Kush”, Encyclopedia of Black Studies, 2005, p. 302. 
(١٠) سلوى عبد المجيد أحمد المشلي: «مقالات من تراثنا الشعبي السوداني»، (كتاب غير منشور)، ٢٠٢٤ م. 
(١١) محمد سليمان الطيب: «موسوعة القبائل العربية»، ص ٧٧٣. 
(١٢) سلوى عبد المجيد أحمد المشلي، مرجع سابق. 
(١٣) محمد عوض محمد: «السودان الشمالي سكانه وقبائله»، ١٩٥٣ م، ص ٢٢٤. 

لتوثيق الطلبة والباحثين: 
سلوى عبد المجيد أحمد المشلي: «من عظمة حضاراتنا السودانية»، (كتاب غير منشور)، ٢٠٢٠ م.