![]()
«سافر.. مطارات الوداع ضجّت قدامك
وراك بيضا وسماك غناي
مساحات الأسى الفي عيونا تتفجّر
مدينة ناي»
هكذا اختزل قاسم أبوزيد في كلماته وجع الرحيل؛ مطارات تضج بالوداع، وعيون تختزن أسى الفراق، ووطن يبقى خلف المسافر مثل أغنية لا تنتهي.
لكن المشهد اليوم تجاوز حدود المطار.
في السودان، الحرب والنزوح والهجرة أصبحت حلقات متصلة في حكاية وطنٍ أنهكته المأساة. تبدأ الحكاية بطلقة تُجبر أسرة على ترك بيتها، ثم طريق نزوح يحمل ما تيسر من المتاع، ثم رحلة أخرى إلى مدينة أكثر أمانًا، وقد تنتهي الحكاية في مطار بعيد أو على متن قارب لا يعرف ركابه إن كان سيصل بهم إلى شاطئ النجاة.
من بيتٍ هُدم إلى معسكر نزوح، ومن معسكر نزوح إلى مطار، ومن مطار إلى غربة… تتسع المسافة بين الإنسان ووطنه.
وفي المطارات، لا تغادر الطائرات وحدها؛ تغادر معها أحلام، وكفاءات، وذكريات، ووجوه كان يمكن أن تكون جزءًا من نهضة السودان.
شاب أنهى دراسته ولا يجد فرصة.
طبيب يبحث عن بيئة يستطيع فيها أن يمارس مهنته.
مهندس يحمل خبرته إلى مكان آخر.
معلم يترك فصله وطلابه.
أسرة تبحث عن أمان فقدته في وطنها.
هؤلاء لا يرحلون لأنهم لا يحبون السودان.
يرحلون لأن الحياة دفعتهم دفعًا إلى الرحيل.
وفي الجانب الأكثر قسوة من الصورة، هناك من لا يملك مطارًا ولا تذكرة، فيركب قارب الموت. يضع حياته في مواجهة البحر، لأن الخوف من المجهول أصبح، في نظره، أقل قسوة من واقعٍ يعيشه كل يوم.
وهنا يصبح السؤال مؤلمًا:
كيف وصل بنا الحال إلى أن يصبح الموت في البحر خيارًا أمام الحياة في الوطن؟
الحرب لا تقتل الإنسان بالسلاح وحده؛ إنها تقتلع جذوره، وتشتت أسرته، وتقطع طريق تعليمه وعمله، وتسرق منه الإحساس بالأمان.
والنزوح لا يعني فقط أن تترك بيتك؛ يعني أن تستيقظ ذات صباح فلا تجد المكان الذي حفظ تفاصيل حياتك. أن تصبح غريبًا في مكانك، ثم غريبًا في مكان آخر.
أما الهجرة، ففي كثير من الحالات، فهي ليست بداية الحكاية، بل آخر فصول النزوح.
ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: لماذا يهاجر شباب السودان؟
بل:
لماذا لم يعد الوطن قادرًا على الاحتفاظ بأبنائه؟
إننا نخسر كل يوم جزءًا من مستقبلنا. نخسر الطبيب، والمهندس، والمعلم، والحرفي، ورائد الأعمال، والطالب، والشاب الذي كان يمكن أن يكون مشروع عالم أو قائد أو صاحب مبادرة.
والمشكلة ليست في أن السوداني يسافر.
المشكلة أن يصبح السفر هو الحلم الوحيد الممكن.
نحن لا نريد إغلاق المطارات، ولا نريد أن نحرم أبناءنا من حقهم في السفر. نريد فقط أن يأتي اليوم الذي يسافر فيه السوداني لأنه اختار السفر، لا لأنه هرب من الحرب؛ وأن يعمل في الخارج لأنه يريد التجربة، لا لأنه لم يجد فرصة في وطنه.
ولذلك فإن وقف طابور الرحيل يبدأ من حيث بدأت المأساة: إيقاف الحرب.
ثم يأتي السلام، والأمان، وعودة النازحين، وإعادة بناء المدن والقرى، وفتح المدارس والمستشفيات، وإحياء الاقتصاد، وخلق فرص العمل، وإعادة الثقة في المستقبل.
فالشاب لا يحتاج إلى خطبة تطالبه بالبقاء؛ يحتاج إلى سبب يجعله يريد البقاء.
والأسرة لا تحتاج إلى من يقول لها: «عودوا»؛ تحتاج إلى وطنٍ آمن تستطيع أن تعود إليه.
والكفاءة السودانية لا تحتاج إلى مناشدة؛ تحتاج إلى بيئة تحترم علمها وخبرتها وتمنحها فرصة للعطاء.
نريد أن تتغير صورة المطارات.
نريد أن يأتي يوم لا تكون فيه صالات المغادرة ممتلئة بالدموع، بل تكون صالات الوصول ممتلئة بالعائدين.
نريد أن تعود البيوت التي أغلقتها الحرب إلى الحياة، وأن تعود المدارس إلى أطفالها، والمصانع إلى عمالها، والمزارع إلى أصحابها، وأن يجد الشباب في السودان مساحة لحلمٍ لا يحتاج إلى تأشيرة.
نريد مطارات تضج بزغاريد العائدين، لا بدموع الوداع؛ وقوارب تعود إلى الشاطئ، لا قوارب تحمل أبناءنا إلى المجهول.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى عودة أبنائه؛
يحتاج إلى استعادة الوطن الذي يجعلهم يريدون العودة.
ويبقى السؤال الذي لا ينبغي أن يعتاد عليه أحد:
من يوقف طابور الرحيل؟