![]()
حديث المدينة
الأربعاء 29 يوليو 2026
في بداية تدشينه لمهمته عام 2024، التقى بنا المبعوث الأمريكي “توم بيرييلو” وسألنا: (كيف أستطيع أن أسمع صوت الشعب السوداني مباشرةً، بلا وسيط سياسي أو حزبي؟). كانت الإجابة صعبة للغاية، بل ربما كان السؤال نفسه صدمةً من زاوية الإيحاء بإنكار شرعية تمثيل الشعب السوداني لواجهات عديدة تستمد وجودها من ادعاء تمثيله.
هناك التباس كبير لدى الكثيرين عند الحديث عن “تمثيل” الشعب السوداني؛ فالتمثيل عملية ذات إجراءات قياسية معلومة، عبر الانتخابات أو الاستفتاءات أو غيرها، وينتج عنها تكليف حقيقي معلوم الزمان والمدى والمهام. لكن “التعبير” عن صوت الشعب هو باب مفتوح على مصراعيه إعلامياً وسياسياً وحتى حكومياً، ويبقى المحك دائماً في مصداقية التعبير أو التمثيل هو قناعة المواطن ورضاه.
في الراهن الحالي، تتبارى المكونات السياسية، من أحزاب وتحالفات، في استمالة رضا الشعب عنها لتجمع الحسنيين: التمثيل والتعبير، ولو بصورة غير رسمية إلى حين اختبار ذلك عبر صندوق الانتخابات إن توفرت هذه الآلية يوماً ما.
وهنا يصبح السؤال الحتمي: هل نجح أحدٌ في التمثيل أو التعبير عن الشعب؟
سأترك الإجابة لنهاية هذا العمود.
حالياً، تنشط في الفضاء السياسي السوداني التحالفات لا الأحزاب؛ فنادراً ما نسمع صوت حزب يعزف منفرداً، إلا في بعض البيانات التقليدية للتهنئة أو التعزية أو غيرها من المناسبات. وسوى ذلك، تحاول الأحزاب دائماً أن تعزف لحناً أوركسترالياً عبر “جوقة” موسيقية منسجمة أو متنافرة حسب الظرف.
وتميل هذه المكونات السياسية إلى استخدام “الأيقونات” أو الشعارات (Slogans) الاختصارية التي تصبح بمرور الوقت أشبه بعلامة تجارية تجذب اهتمام المتابعين، دون أن تتجه نحو بناء مشروعات سياسية تؤثر بصورة مباشرة على حال الوطن والمواطن.
وبكثرة اللافتات وما يصاحبها من شعارات، يصبح المشهد السياسي أقرب إلى سوق يكتظ بالباعة الذين ينادون على بضاعتهم بتسجيلات قصيرة مكررة عبر مكبرات صوت يدوية، فتُحدث تلوثاً سمعياً وصخباً يعلو حتى على صوت المواطن المغلوب على أمره.
الآن، يحتاج الوطن والمواطن إلى تمثيل حقيقي متجاوز للإجراءات التقليدية التي قد لا يتوفر لها الظرف المناسب إلا بعد سنوات، أو أضعف الإيمان: “التعبير” عن صوته بصورة أقرب إلى التفويض الرسمي، مثلما يحصل المحامي على توكيل من موكله للتحدث باسمه أمام منصة القضاء.
دعونا نصنع هذا التمثيل والتعبير عن صوت الوطن والمواطن عبر حوار سوداني شفاف ومنتج، يؤتي أكله بأسرع ما يمكن.