عثمان ميرغني يكتب :نعود أم ننتظر؟ سؤال السودانيين الذي لا يغيب

عثمان ميرغني يكتب  :نعود أم ننتظر؟ سؤال السودانيين الذي لا يغيب

Loading

حديث المدينة | السبت 18 يوليو 2026

سؤال يأتيني عفوياً من سودانيين في الخارج. لا يسألونه بدافع الفضول ولا تزجيةً للوقت، بل أستشعر حيرتهم وهم ينتظرون الإجابة، كأنهم أمام محكمة يخشون أن يكون حكمها سجناً، فالبعد عن الأوطان سجنٌ للأرواح.

الإجابة عن سؤال: “هل نعود أم ننتظر؟” لا تحتمل أي حيثيات سياسية؛ فهي محض حسابات دقيقة مبنية على خوارزميات، يدور معظمها في دائرة نصف قطرها الإنسان وأسرته. إنها مطلوبات مباشرة لا تقبل التأجيل أو المساومة، ولا تغني فيها البلاغة أو الحماس أو الهتاف وأحاديث الوطنية.

فعندما يصحو الصغار، ويرتدون زي المدرسة، ويطالبون بمصروفات الفطور أو أجرة الترحيل، فليس أمام الأب إلا الاستجابة.

وأن تحتمل الأسرة انقطاع الكهرباء والظلام ليلاً قد يكون قدراً ليوم، أو أسبوع، أو حتى شهر، لكنه لن يكون بلا سقف زمني، ولن يبقى معلقاً على رجاءات غيبية تتكئ على التبريرات والأعذار. وأن تجد الأسرة الطبيب عند مرض أحد أفرادها أمر لا تسعه البيانات أو صفحات الأخبار التي تحاول رسم واقع وهمي.

نعود إلى السؤال: هل نعود؟ أم ننتظر في المهاجر التي اضطرتنا إليها الحرب المتوحشة؟

سأعطيك إجابة مبدئية مختصرة، ثم أترك لك خيار أن تصبر على الحيثيات التي سأسردها.

تصور عربة متعطلة في قلب صحراء قاحلة، تحمل ركاباً ينوء حملهم بها، حتى ولو كانت على طريق معبد. يصبح مصير كل واحد منهم معلقاً بمصير الآخر. هنا، لا وجود لحلول فردية؛ فإما أن ينجوا جميعاً، أو يهلكوا جميعاً. لا توجد منطقة وسطى بين الجنة والنار.

سيكون أمام هؤلاء الركاب قرارات حاسمة؛ أولها أن يترجلوا جميعاً لتخفيف حمل العربة حتى تتحرر من الرمال التي غاصت فيها. وثانيها أن يتشاركوا جميعاً في دفعها حتى تخرج من الوحل، وتبلغ المكان الذي تستطيع فيه أن تحملهم مرة أخرى وتنطلق بهم.

والآن، انظر معي جيداً إلى المشهد: الركاب قرروا دفع العربة للخروج من الوحل، فاصطفوا في صفين؛ أحدهما على الجانب الأيمن، والآخر على الجانب الأيسر، لكن كلاً منهم يدفع في اتجاه يعاكس الآخر، فيلغي بعضهم جهد بعض.

صحيح أنهم صادقون في اجتهادهم، وصحيح أنهم يبذلون جهداً في دفع العربة، لكن ما ليس صحيحاً هو اتجاه الدفع.

غير أن العثور على المكان الصحيح للدفع، وفي الاتجاه الصحيح، ليس خياراً أو قراراً فردياً، فقد يكون الواقع – وهو كذلك بالفعل – أنه لا يوجد أصلاً موضع للدفع الصحيح.

وهنا تصبح الإجابة “نعم” للعودة، والبحث عن المكان الصحيح، وفي الاتجاه الصحيح، لإخراج البلاد من الوحل.

قرار العودة هنا يصبح ضرورة لا خياراً؛ لأن انتظار تحقق الشروط التي نرجوها للعودة يعني، ببساطة، تأجيل تحقيق تلك الشروط.