![]()
لا أدرى لماذا تأخرت دهراً، في الكتابة عن عثمان النو، هل لأنه بلدياتي، فتغلبت علىّ صفة اعتيادية معرفته عن إدراك حجمه الحقيقي؟
ام لأنه خارق الانجاز، خفيض الصوت؟
ام انه اخجل قدرتي على الكتابة، بتواضعه الفذ، مثلما كان، عبقري جيلنا الرياضي، سامي عزالدين، حين تلتقيه، وقد خلع عن اهابه، ومنكبيه، رداء الشهرة المضئ!
حين يأخذك بالأحضان، وهو الولي الحميم، عليه رحمة سابغة، من ولي كريم!
كيف لي ألا اتذكر، منظره ونحن في المتوسطة، وهو على ظهر دراجة، لا تتسق وطوله، يذرع طرقات المدينة، فكأنما، يستقي إيقاعها، موسيقاها، نحاس عنابر الأشلاق والصول (على بطران)، نوبة شيخ دوكة، وجيتار ابنه منصور ود شيخ دوكة، (الكيتة) والغبرة التي تصحب موكب (حيدر قطامة)، هل عبرت بخاطري، اي نبوءة، ولو في مقام غيمة عابرة، خادعة، مراوغة، ان هذا الصبي، سيكون صنواً في ابداعه، للعمالقة الذين خرجوا من رحم هذه المدينة، وان يسطر اسمه، واسمها، بأحرف من ذهب، وأن ينحت اسمه، في القائمة التي تضم، ولا تقتصر، على، الكاشف، محمد الامين، ابوعركي، سانتو، سامي عز الدين، الخير، رمضان.. الشعراء، التشكيليين، المسرحيين، المشخصاتية، المادحون، والمنشدون في الهزيع الأخير، (بحر العلوم ود مدني)، فتكتسي المدينة، حلة من الوداعة والرقة.
هل كنت اتصور، انه سيفتح شرفة جديدة، في زمن ما، لم يجرؤ أحد فيه على الاقتراب منها؟ شرفة النص التنويري، شرفة النص الذي تكتبه الأقلام السحرية، النصوص التي تنبض في ذاتها، بلحونها، ممسكة بخناق الدهشة، لمبدع ينشد في (شرف الكلام)
يا سيد جمال الكون
عاقل انا المجنون
للقبرو واشنطن
يا حاج نوينا
والناس في ذلك العهد، تبحث عن النفايات الذرية، التي دفنت سراً، وعمن قبض الثمن، وفقراء قبيلة (الفلاشا)، تنقلهم الطائرات، والناس نيام، في عملية (موسى)، ومن مطار الخرطوم، وقيل، غور ارييه يهودا (شبل اسد يهوذا)، ومارلي يصيح (سيلاسي سيلاسي، حتى أدرك (الحمر) سيلاسي، فقتل ودفن في قبر من المسلّح. ثم تم تكفير الأستاذ، ولم يعدم لتجديفه، في الذات الإلهية، ولكن لأنه تحدث في شأن الإمام المنافق، الذي وضع اسمه، على غلاف سِفر (النهج الإسلامي لماذا)، بالرغم من أنه لم يكتب فيه حرفاً، ولا يجوز له، حيث لم تعرف عنه النجابة، ولكن لغة (محمد محجوب)، يعرفها الناس، منذ أن خط عموده (لنا كلمة).
وبعد شهرين أو يزيد قليلا، من مقتل الحلاج، سقط النظام، وغنى وردي
بلا وانجلا
وسرت انسام الديمقراطية، في جسد الوطن المتهالك
وسرت العافية، في الشعر والغناء، والدراما، وغنت (بلوبلو)… حمادة ده، وكان الرئيس، ووالده (على الميرغني)، وقبض على الإسلامي، حين تعطلت سيارته في خلاء شمبات، مختلياً بزليخة، فقال في محاضر الشرطة، أنهم راجعون من حفل تأبين، وقالت الفتاة رقيقة الحال، حين اختلط عليها الأمر، أنه حفل تدشين، ومنذ ذلك التاريخ، والاسلاميون مغرمون بالدفع الرباعي، سبحان الله.
ثم غنت (حنان النيل) بصحبة الموسيقار(إبراهيم محمد الحسن)، فكانت عاصفة.
ثم كانت ليلة في قاعة الشارقة
فسرنا إليها زرافات وزرافات
فشهدنا وجهاً جديداً، للغناء السوداني، وطربنا لنصوص، ليس من بينها قطار مر فيه حبيب، ولكنه غناء ممتلئ بروح السودان، ورائحة السودان، وإنسان السودان، ومجد انسان السودان.
كم توسلت إليه، إجراء حوار معه وأعضاء (الجلاد)، في كل مكان التقيه، فصول المعهد في شمبات، حفل الكلية القبطية، مباني المقرن، وكانت إجابته، (ما جاهزين لسة)، حتى أتت ليلة الشارقة، فقال لي، جاهزين.
والبقية للبقية.
أجريت مع الفريق، حوار من صفحتين، نفدت الصحيفة بعد صدورها بساعتين، وكنت أنا في طريق إلى المطار، إلى واشنطن، وفي حقيبتي، كاسيت، أمونة بت حاج أحمد، مهدى من صديقي (معتصم الجعيلي)، والذي كان جاهداً، في إطلاق النجمة (إلهام الشرق)، وإخراج، (المسدار)، في مناحي جبل كررى، فما قدرلشئ من ذلك الحدوث، حين زأرت مركبات الدفع الرباعي الإسلامي، فسحقت كل إرثنا الثقافي، والإجتماعي.
ثم مضت السنوات، واشتدت العاصفة، وانحنت البلاد تحت ثقل البنادق والبيانات والخراب. تفرقت الأصوات، وسافر من استطاع، وصمت من لم يستطع، وبقيت الأغاني وحدها تعرف الطريق إلى البيوت. كانت الأشرطة تتناقلها الأيدي، وتُنسخ في غرف ضيقة، وتقطعها الكهرباء، ثم تعود فتواصل من حيث انقطعت، كأنها تعرف أن انقطاع التيار لا يعني انقطاع الحياة.
وفي المنافي، كنت كلما سمعت صوتاً سودانياً يخرج من مذياع بعيد، أبحث عن ظل عثمان. أفتش عن تلك النبرة التي لا تشبه غيرها، عن ذلك المزاج الذي يمزج الوقار بالمشاكسة، والعمق بخفة الروح. وأقول: ما أعجب هذا الرجل! يمشي بيننا كأنه واحد منا، ثم يترك في الذاكرة أثراً لا يتركه إلا الذين عبروا الحياة وهم يحملون سراً كبيراً.
لم يكن عثمان النو نجماً بالمعنى الذي تحبه الصحافة، ولا بطلاً بالمعنى الذي تصنعه الصور. كان شيئاً أندر من ذلك: كان صاحب أثر. والأثر لا يحتاج إلى منصة، ولا إلى أضواء، ولا إلى تعريف طويل. يكفي أن تستعيد لحناً من ألحانه، حتى تعرف أن صاحبه كان هنا، وأنه لم يمر بنا مروراً عابراً.
يا عثمان، يا ابن المدينة التي تخرج من أزقتها المواهب كما يخرج الماء من جوف الأرض، يا من جعلت للكلمات أقداماً تمشي بها في الأسواق، وأجنحة تطير بها فوق الحواجز، وذاكرة لا تستطيع البنادق أن تمحوها؛
سامحني، فقد تأخرت دهراً في الكتابة عنك. لكنني كنت أحتاج إلى كل هذه السنوات لأفهم أن بعض الناس لا يُكتب عنهم حين نلتقيهم، لأن حضورهم يكون أكبر من اللغة، وأقرب من أن يُرى. نحتاج إلى الغياب قليلاً، كي نكتشف حجم الذين كانوا يملأون حياتنا دون ضجيج.
وحين أكتب الآن، لا أزعم أنني أفيك حقك. فأنت أكبر من مقال، وأوسع من شهادة، وأبقى من ذاكرة رجل واحد. لكنني أضع هذه الكلمات عند عتبة اسمك، مثل باقة صغيرة في صباح بعيد، وأقول:
كان هنا عثمان النو.
وكانت هنا مدينة اسمها ود مدني، تغني، وتحب، وتقاوم، وتدفن أبناءها في التراب، ثم تنبت من قبورهم أغنية جديدة.
تاج السر الملك