مجزرة الخيام 1978.. عندما استفرد الاحتلال الإسرائيلي بالمسنين والعجزة

مجزرة الخيام 1978.. عندما استفرد الاحتلال الإسرائيلي بالمسنين والعجزة

Loading

في الخيام، لا تبدأ الذاكرة من الحاضر وحده. فالبلدة الحدودية التي عادت إلى واجهة النار في جنوب لبنان، تحمل في تاريخها جرحًا قديمًا يعود إلى مارس/ آذار 1978، حين دخل الاحتلال الإسرائيلي إليها بعد القصف والنزوح، وارتكب مجزرة بحق من بقوا فيها من مسنين ونساء وعجزة.


في الخيام، لا تبدو الذاكرة بعيدة عن الحاضر. فالبلدة الحدودية التي عادت إلى واجهة الحرب عام 2026، تحمل في تاريخها فصولًا دامية سبقت العدوان الراهن بسنوات طويلة، من معتقل الخيام إلى مجزرة عام 1978، حين استُهدف من بقوا فيها بعد نزوح معظم سكانها.

فالخيام، الواقعة على مقربة من الحدود مع فلسطين المحتلة، لم تكن مجرد نقطة عسكرية في خريطة الجنوب، إنما تحولت عبر العقود إلى واحد من أكثر الأمكنة التصاقًا بذاكرة الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، بما شهدته من اجتياحات وقصف واعتقال ومجازر.



ومن بين هذه الفصول، تبرز مجزرة 17 مارس/ آذار 1978، التي ارتُكبت خلال الاجتياح الإسرائيلي الأول لجنوب لبنان حتى نهر الليطاني، والذي عُرف بـ”عملية الليطاني“، حين قُتل عدد من النساء والمسنين والعجزة الذين عجزوا عن مغادرة البلدة.


جاءت المجزرة في سياق اجتياح عسكري واسع سعى الاحتلال من خلاله إلى فرض وقائع أمنية جديدة في الجنوب، بعدما تحولت القرى الحدودية إلى ساحات مفتوحة أمام القصف والنزوح والقتل.


تستعيد مجزرة الخيام عام 1978 ذاكرة بلدة حدودية بقيت على تماس دائم مع الاحتلال الإسرائيلي وحروبه – موقع الخيام

الخيام.. بلدة حدودية على ذاكرة مفتوحة


تتبع الخيام قضاء مرجعيون في محافظة النبطية، وفق التقسيم الإداري في لبنان، وتُعد من قرى الحافة الأمامية في الجنوب اللبناني.

وتكتسب البلدة موقعًا إستراتيجيًا لكونها تطل على كفركلا والعديسة اللبنانيتين ومستوطنة المطلة، كما تشرف من موقعها المرتفع على امتدادات الجليل الأعلى وهضبة الجولان وغور الأردن.

هذا الموقع جعل الخيام حاضرة في معظم محطات الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، من اجتياح عام 1978، إلى الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان بين عامي 1982 و2000، ثم حرب يوليو/ تموز 2006، وصولًا إلى عدوانَي 2024 و2026، حين شهدت قصفًا عنيفًا ومعارك وعمليات نسف وتمشيط.


الخيام.. موقع حدودي شديد الحساسية 


من الثكنة إلى المعتقل.. رمزية المكان

عند الحديث عن البلدة، أول ما يتبادر إلى الذهن معتقلها الشهير، معتقل الخيام، الذي بناه الفرنسيون خلال فترة الانتداب ليكون ثكنة عسكرية، قبل أن تحوّله إسرائيل إلى سجن ارتبط بشهادات واسعة عن التعذيب النفسي والجسدي.

وتفيد معلومات متداولة بأن ما يزيد على 5000 شخص اعتُقلوا في زنزاناته خلال سنوات الاحتلال، قبل أن يتحول بعد التحرير عام 2000 إلى متحف شاهد على مرحلة كاملة من القمع والاعتقال.

غير أن إسرائيل عادت وسوّته أرضًا خلال حرب يوليو/ تموز 2006، كأنها أرادت محو واحد من أبرز الشواهد المادية على حقبة الاحتلال في الجنوب.



مجزرة الخيام 1978


كان ضحايا المجزرة التي ارتُكبت في بلدة الخيام الواقعة في محافظة النبطية بالقرب من الحدود مع فلسطين المحتلة، من النساء والشيوخ وكبار السن الذين عجزوا عن النزوح.

ولا تُجمع المصادر على حصيلة دقيقة لشهداء 17 مارس/ آذار 1978، لكن مصادر لبنانية تتحدث عن أكثر من 30 شهيدًا، فيما تشير لوائح محلية إلى أسماء 31 ضحية، معظمهم من كبار السن.

وبحسب شهادات محلية نقلتها صحيفة “الأخبار“، دخل جنود الاحتلال إلى ثكنة الخيام في 14 مارس/ آذار 1978، بعد قصف عنيف استمر يومًا وليلة، وأدى إلى خروج المقاتلين الفلسطينيين ومقاتلي الحركة الوطنية اللبنانية من البلدة.

بعد نزوح معظم السكان، لم يبقَ في الخيام إلا عدد من النساء والمسنين والعجزة، ممن لم يتمكنوا من مغادرة المنطقة تحت وطأة القصف والاعتداءات.

وفي 17 مارس/ آذار، أطلقت ميليشيا سعد حداد المتعاملة مع الاحتلال، والتي عُرفت باسم “جيش لبنان الحر” ثم “جيش لبنان الجنوبي“، النار على كبار السن الذين بقوا في البلدة بعدما عجزوا عن النزوح.


من القصف إلى المجزرة.. تسلسل أيام الخيام عام 1978


أسماء الضحايا.. ذاكرة المسنين والنساء


في أرشيف الصحافة اللبنانية، حضرت مجزرة الخيام أيضًا بوصفها واحدة من الجرائم التي ظلّت عالقة في ذاكرة الجنوب. ففي بيان نُشر في صحيفة “السفير” عام 1995، استعاد النائب الراحل حبيب صادق وقائع المجزرة، مشيرًا إلى أنها جاءت بعد تدمير منظم للبلدة خلال الاجتياح الإسرائيلي.

ووفق ما أورده البيان، لم يقتصر الدمار على المنازل، إذ طاول أيضًا بيوت العبادة والمباني المدرسية والصحية، في مشهد عكس حجم الاستهداف الذي تعرّضت له الخيام قبل المجزرة وخلالها.

وأشار البيان إلى أن الجريمة ارتُكبت في 17 مارس/ آذار 1978، بعد اقتحام البلدة وتفريغها من معظم سكانها، ثم أورد لائحة بأسماء الضحايا، أظهرت أعمارهم أن معظمهم كانوا من كبار السن، نساءً ورجالًا.


ضحايا المجزرة.. أعمار تكشف طبيعة الجريمة 


هكذا، تمكّن الاحتلال من ارتكاب جريمته في غياب أي مقاومة تُذكر، ثم عمد إلى طمر جثث الشهداء على قارعة الطريق بعدما جمعهم بواسطة جرافته.

ولاحقًا، لدى عودة أهالي الخيام إلى بلدتهم، استُخرج ما تبقى من الرفات ودُفن عند مدخل مقبرة القرية.

ويلفت موقع مدينة “الخيام” الإلكتروني، في منشور أرشيفي، إلى غياب أي تحرك قانوني أو حقوقي لملاحقة مرتكبي مجزرة الخيام عام 1978، وفق القوانين والشرائع المعمول بها محليًا ودوليًا.

يمنح هذا الغياب بعدًا إضافيًا للمجزرة، إذ لا تتعلق القضية بالذاكرة وحدها، وإنما أيضًا بسؤال العدالة المؤجلة، ومصير الجرائم التي بقيت حاضرة في شهادات الأهالي من دون أن تتحول إلى ملف قانوني مكتمل

الخيام اليوم.. البلدة تعود إلى خط النار


خلال الأسابيع الأخيرة، قصف الاحتلال الإسرائيلي بلدة الخيام في جنوب لبنان، بالتزامن مع تنفيذه عمليات نسف واسعة.

وواكب الاحتلال توغله بقصف مدفعي وغارات جوية، فيما تواصلت المواجهات مع عناصر من “حزب الله”.

وقد وُصفت الخيام في الأيام الأولى من الحرب بـ”أم المعارك” بالنسبة إلى جيش الاحتلال وحزب الله، لأن سيطرة تل أبيب عليها تمنحها موطئ قدم في القطاع الشرقي من الجنوب.

ورغم الهدنة التي أُعلنت ثم جرى تمديدها، لم توقف إسرئيل الضربات وعمليات التمشيط بالأسلحة الرشاشة للبلدة.


بين مجزرة 1978 ومعتقل الخيام وحروب العقود اللاحقة، تبدو البلدة كأنها تختصر طبقات متعددة من الذاكرة الجنوبية مع الاحتلال. فكل عودة للنار إلى حدودها لا تستحضر حاضر الحرب وحده، وإنما تعيد فتح سجل طويل من القتل والتهجير والدمار، في ملف لا تزال ذاكرته حيّة لدى الأهالي.