![]()
مسار ميديا حوار فوق العادة
إدريس واراب مفوض العون الإنساني بكسلا يفتح الملفات المسكوت عنها لـ«مسار ميديا»
«استقبلنا مليون نازح.. وعاد 97% منهم إلى مناطقهم»
المفوض يضع النقاط فوق الحروف: كسلا غادرت مرحلة الإغاثة.. والنازح مواطن سوداني لا يمكن أن يبقى نازحاً إلى الأبد
حوار: هادية صباح الخير –
في واحدة من أعقد التجارب الإنسانية التي شهدتها البلاد خلال سنوات الحرب، تحولت ولاية كسلا إلى وجهة رئيسية لموجات النزوح المتتالية، واستقبلت أعداداً ضخمة من المواطنين الفارين من مناطق القتال، حتى اقترب العدد من مليون نازح، وفقاً لما كشفه مفوض العون الإنساني بالولاية إدريس واراب.
كانت المهمة أكبر من قدرات المؤسسات والإمكانات المتاحة؛ فالمياه والغذاء والصحة والتعليم والمأوى جميعها وضعت أمام اختبار استثنائي، فيما استُخدم نحو 300 موقع لاستضافة النازحين، شملت المدارس والأندية والداخليات الجامعية ومواقع أخرى.
وفي خضم هذه التحديات، برزت أسئلة جوهرية حول قدرة الولاية على إدارة الأزمة، وحجم ما تحقق، ومصير الخدمات التي تأثرت بالضغط السكاني، ودور الشراكات الإنسانية والمجتمع المضيف في احتواء تداعيات النزوح.
اليوم، ومع إعلان انتقال العمل الإنساني في كسلا إلى مرحلة الاستقرار والتعافي، وتأكيد المفوض عودة نحو 97% من النازحين إلى مناطقهم، تفتح «مسار ميديا» هذا الملف مع إدريس واراب، الذي يتحدث عن تفاصيل التجربة، وآليات إدارة الأزمة، وقاعدة بيانات النازحين، والتحديات التي واجهت المفوضية، ومستقبل العمل الإنساني بعد انحسار موجات النزوح.
وفي هذا الحوار، يضع واراب النقاط فوق الحروف بشأن العلاقة بين الإغاثة والتنمية، ويؤكد أن النازح مواطن سوداني كامل الحقوق، وأن الغاية الحقيقية ليست نقل الإنسان من مكان إلى آخر، وإنما مساعدته على استعادة حياته الطبيعية وتحقيق الاستقرار والإنتاج.
مليون نازح في كسلا.. كيف واجهتم أكبر اختبار إنساني؟
مسار ميديا: استقبلت كسلا أعداداً ضخمة من النازحين خلال الحرب، ووصل العدد، وفقاً لتقديراتكم، إلى قرابة مليون شخص. كيف تعاملت المفوضية مع هذا التدفق الكبير في ظل محدودية الإمكانات؟
إدريس واراب: بسم الله الرحمن الرحيم. حقيقةً، وجدنا أنفسنا أمام تحدٍ إنساني كبير، وكانت الإمكانات المتاحة محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات. فقد وصلت موجات النزوح تباعاً، من الموجة الأولى وحتى الخامسة، إلى أن اقترب العدد من مليون نازح في الولاية.
استقبلنا هذه الأعداد في نحو 300 موقع، شملت المدارس والأندية والداخليات الجامعية ومواقع أخرى. وكان ذلك يتطلب جهداً استثنائياً لتوفير الخدمات الأساسية وتنظيم التدخلات الإنسانية، مع المحافظة عل
استثنائي، فيما استُخدم نحو 300 موقع لاستضافة النازحين، شملت المدارس والأندية والداخليات الجامعية ومواقع أخرى.
وفي خضم هذه التحديات، برزت أسئلة جوهرية حول قدرة الولاية على إدارة الأزمة، وحجم ما تحقق، ومصير الخدمات التي تأثرت بالضغط السكاني، ودور الشراكات الإنسانية والمجتمع المضيف في احتواء تداعيات النزوح.
اليوم، ومع إعلان انتقال العمل الإنساني في كسلا إلى مرحلة الاستقرار والتعافي، وتأكيد المفوض عودة نحو 97% من النازحين إلى مناطقهم، تفتح «مسار ميديا» هذا الملف مع إدريس واراب، الذي يتحدث عن تفاصيل التجربة، وآليات إدارة الأزمة، وقاعدة بيانات النازحين، والتحديات التي واجهت المفوضية، ومستقبل العمل الإنساني بعد انحسار موجات النزوح.
وفي هذا الحوار، يضع واراب النقاط فوق الحروف بشأن العلاقة بين الإغاثة والتنمية، ويؤكد أن النازح مواطن سوداني كامل الحقوق، وأن الغاية الحقيقية ليست نقل الإنسان من مكان إلى آخر، وإنما مساعدته على استعادة حياته الطبيعية وتحقيق الاستقرار والإنتاج.
مليون نازح في كسلا.. كيف واجهتم أكبر اختبار إنساني؟
مسار ميديا: استقبلت كسلا أعداداً ضخمة من النازحين خلال الحرب، ووصل العدد، وفقاً لتقديراتكم، إلى قرابة مليون شخص. كيف تعاملت المفوضية مع هذا التدفق الكبير في ظل محدودية الإمكانات؟
إدريس واراب: بسم الله الرحمن الرحيم. حقيقةً، وجدنا أنفسنا أمام تحدٍ إنساني كبير، وكانت الإمكانات المتاحة محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات. فقد وصلت موجات النزوح تباعاً، من الموجة الأولى وحتى الخامسة، إلى أن اقترب العدد من مليون نازح في الولاية.
استقبلنا هذه الأعداد في نحو 300 موقع، شملت المدارس والأندية والداخليات الجامعية ومواقع أخرى. وكان ذلك يتطلب جهداً استثنائياً لتوفير الخدمات الأساسية وتنظيم التدخلات الإنسانية، مع المحافظة على استمرارية الخدمات المقدمة للمواطنين المقيمين.
استطعنا، بفضل الله، ثم بتعاون حكومة الولاية ومفوضية العون الإنساني والمنظمات الوطنية والدولية والمجتمع الكسلاوي، التعامل مع هذه الظروف وتجاوز مراحل صعبة.
لم تكن المفوضية تعمل بمعزل عن الآخرين، وإنما كانت هناك جهود مشتركة وتنسيق مستمر بين الجهات المعنية. ومع مرور الوقت، انتقلنا من الاستجابة الأولية إلى تحسين الخدمات الأساسية في عدد من المواقع، بما في ذلك المياه والكهرباء والخدمات الصحية.
واليوم، لم تعد لدينا معسكرات نزوح بالمعنى التقليدي الذي عرفناه في بداية الأزمة، رغم استمرار وجود بعض النازحين داخل الولاية.
هل عجزت المفوضية عن تلبية بعض الاحتياجات في ذروة الأزمة؟
مسار ميديا: مع الضغط الهائل الذي فرضته موجات النزوح، هل كانت هناك احتياجات أساسية لم تتمكن المفوضية من معالجتها في الوقت المناسب؟
إدريس واراب: تعاملنا مع الاحتياجات الأساسية وفق الإمكانات المتاحة، وبالتعاون مع حكومة الولاية والشركاء. وما كان يتعذر التعامل معه مباشرةً عبر المفوضية، كانت تتم بشأنه التحركات والتنسيقات مع الجهات المختصة.
العمل الإنساني لا تقوم به مؤسسة واحدة؛ فهناك جهات مسؤولة عن المياه، وأخرى عن الصحة، وأخرى عن الغذاء، إلى جانب المنظمات التي تعمل في قطاعات مختلفة.
لذلك، فإن ما تحقق كان ثمرة تعاون الجميع، ولم يكن نتاج جهد المفوضية وحدها. واجهنا صعوبات حقيقية، لكن تضافر الجهود ساعدنا على الاستجابة للاحتياجات وتجاوز كثير من التحديات.
كيف أدرتم معركة المياه والصحة والغذاء والتعليم؟
مسار ميديا: كانت كسلا أمام ضغط سكاني مفاجئ، انعكس على الخدمات الأساسية. كيف تعاملتم مع هذا الضغط، خصوصاً في المياه والصحة والتعليم؟
إدريس واراب: اعتمدنا على التنسيق القطاعي، بحيث تتولى كل جهة مسؤولياتها وفق اختصاصها، مع قيام المفوضية بدور التنسيق والتنظيم وتسهيل الإجراءات بين المؤسسات والشركاء.
في قطاع المياه، كانت هناك خزانات كبيرة ومصادر مياه متاحة في بعض المواقع، بينما اعتمدنا على تناكر المياه في المواقع التي لم تتوفر فيها مصادر مباشرة.
أما في الجانب الصحي، فقد جرى توفير سيارات إسعاف للتعامل مع الحالات الطارئة، وبلغ عددها نحو تسع سيارات كانت جاهزة وموزعة في مواقع مختلفة بالولاية.
وفي بقية القطاعات، كانت هناك جهود لتوفير الغذاء والخدمات التعليمية وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
كان التحدي يتمثل في كيفية المحافظة على الخدمات للمواطنين المقيمين، وفي الوقت نفسه التعامل مع الاحتياجات الإضافية التي فرضها النزوح. وهذا ما جعل التنسيق بين القطاعات أمراً ضرورياً لضمان توجيه الموارد المتاحة إلى الأولويات.
ما الإنجاز الذي تعتبرونه الأهم في تجربة كسلا؟
مسار ميديا: وسط هذه التحديات، ما أبرز النجاحات التي حققتها المفوضية وشركاؤها، وما الذي ميّز تجربتكم في إدارة الأزمة؟
إدريس واراب: من أبرز الإنجازات إنشاء قاعدة بيانات للنازحين، تتضمن معلومات عن الولايات والمحليات التي قدموا منها، وأوضاع الأسر وظروفها الاجتماعية والاقتصادية واحتياجاتها الأساسية.
هذه القاعدة ساعدتنا على تنظيم العمل الإنساني، وتحديد الاحتياجات بصورة أفضل، ومعرفة الفئات الأكثر احتياجاً، والحد من الازدواجية في تقديم المساعدات.
كما ساعدتنا البيانات في توجيه التدخلات نحو الأسر التي تحتاج إلى الدعم بصورة أكبر، خصوصاً النساء والأطفال والأسر الأكثر هشاشة.
ومن الإنجازات المهمة أيضاً تنظيم رحلات العودة إلى عدد من الولايات، من بينها سنار والجزيرة والخرطوم، حيث بلغت نسبة العودة، وفقاً لتقديراتنا، نحو 97% من إجمالي النازحين الذين استقبلتهم الولاية.
هذه النتائج لم تتحقق بمعزل عن جهود الحكومة والشركاء والمنظمات والمجتمع، وإنما كانت ثمرة عمل مشترك امتد خلال سنوات الأزمة.
هل اقتربت كسلا من كارثة إنسانية في إحدى مراحل النزوح؟
مسار ميديا: هل كانت هناك لحظات شعرتم فيها بأن حجم النزوح قد يتجاوز قدرة الولاية على الاستجابة، خصوصاً مع الارتفاع المفاجئ في أعداد القادمين؟
إدريس واراب: نعم، مرت علينا فترات شديدة الصعوبة، خصوصاً عقب أحداث سنار، عندما ارتفعت أعداد القادمين يومياً بصورة كبيرة.
في تلك الفترة، كان علينا الاستعداد لاستقبال مزيد من الأسر، والعمل على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات حتى لا تتعرض منظومة الخدمات لضغط يفوق قدرتها.
كان الوضع يتطلب تحركاً سريعاً وتنسيقاً متواصلاً بين الجهات المختلفة، لأن التأخر في الاستجابة كان يمكن أن يزيد معاناة الأسر الوافدة.
ورغم صعوبة المرحلة، فإن إصرار العاملين في المجال الإنساني، وجهود حكومة الولاية والمنظمات والمجتمع المضيف، ساعدت في تجاوز تلك الظروف.
كيف منعتم الازدواجية وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها؟
مسار ميديا: مع تعدد المنظمات والجهات العاملة في المجال الإنساني، كيف تعاملتم مع تحديات توزيع المساعدات وضمان وصولها إلى الأسر المستحقة؟
إدريس واراب: كان التنسيق هو الأساس في إدارة التدخلات الإنسانية. فكل جهة تعمل وفق اختصاصها وإمكاناتها، ودور المفوضية يتمثل في تنظيم الجهود وتسهيل الإجراءات وربط الشركاء ببعضهم.
وجود قاعدة بيانات للنازحين ساعد في التعرف على أوضاع الأسر واحتياجاتها، وتحسين عملية توجيه المساعدات، والحد من التكرار والازدواجية.
هناك أيضاً جهات لديها اختصاصات محددة، مثل مفوضية اللاجئين وديوان الزكاة والمنظمات العاملة في قطاعات مختلفة، وكل جهة تقدم إسهامها وفق طبيعة عملها.
ونحن نعمل على إعادة التوازن للأسرة في مرحلة الطوارئ، ثم تهيئة الظروف للانتقال إلى مشروعات الاستقرار وكسب العيش. وفي هذه المرحلة، يصبح التنسيق وحشد الموارد والدراسات اللازمة أموراً مهمة لضمان استمرار الدعم بصورة أكثر استدامة.
520 أستاذاً جامعياً في كسلا.. هل تحولت الأزمة إلى فرصة للاستفادة من الكفاءات؟
مسار ميديا: النزوح حمل تحديات كبيرة، لكنه نقل أيضاً خبرات وكفاءات إلى الولاية. كيف استفدتم من هذه الطاقات في إدارة الأزمة؟
إدريس واراب: من الدروس المهمة التي خرجنا بها أن النزوح لم يكن انتقالاً للأسر وحدها، وإنما صاحبه انتقال لكفاءات وخبرات في مجالات مختلفة.
وصل إلى كسلا نحو 520 أستاذاً جامعياً، وفقاً للمعلومات المتاحة لدينا، وهذه طاقة أكاديمية كبيرة يمكن الاستفادة منها في التعليم والبحث والتخطيط.
كما أن وجود مؤسسات متعددة للتعليم العالي في الولاية أتاح فرصة للتواصل مع هذه الخبرات والاستماع إلى آرائها وملاحظاتها حول التجربة الإنسانية.
كنا حريصين على الاستفادة من الأفكار والمقترحات التي تساعدنا على تطوير الأداء، وتحويل ما مررنا به إلى دروس يمكن أن تفيدنا في المستقبل.
الأزمات، على قسوتها، تفرض على المؤسسات مراجعة أساليب عملها والتعلم من التجارب، حتى تكون أكثر استعداداً للتعامل مع الظروف الاستثنائية.
من الإغاثة إلى الاستقرار.. هل انتهى زمن الطوارئ في كسلا؟
ماذا يعني إعلان الانتقال إلى مرحلة الاستقرار والتنمية؟
مسار ميديا: أعلنتم الانتقال من مرحلة الإغاثة إلى الاستقرار منذ فبراير 2026. ما الذي تغيّر على أرض الواقع، وما طبيعة المرحلة الجديدة؟
إدريس واراب: منذ فبراير 2026 بدأنا العمل وفق رؤية جديدة تقوم على الانتقال من الاستجابة الإنسانية الطارئة إلى الاستقرار والتنمية.
أصبحنا نتحدث بصورة أكبر عن مشروعات سبل كسب العيش، سواء كانت مشروعات فردية أو جماعية، وعن كيفية مساعدة الأسر على الاعتماد على نفسها بدلاً من استمرار ارتباطها بالمساعدات الطارئة.
وقد طرحنا هذه الرؤية على شركائنا، لأن الانتقال إلى الاستقرار يحتاج إلى تضافر الجهود وتوفير الموارد اللازمة لتنفيذ المشروعات.
المواطن الموجود في كسلا، سواء كان قد قدم إليها بسبب الحرب أو كان من سكانها الأصليين، هو مواطن سوداني له الحقوق نفسها. ولا يمكن أن تستمر صفة النزوح إلى الأبد.
نحن نريد أن ينتقل الإنسان من الاعتماد على المساعدات إلى العمل والإنتاج، وأن تتوفر له الفرصة لاستعادة حياته بصورة طبيعية.
عودة 97% من النازحين.. كيف تضمنون ألا يتحول الرجوع إلى موجة نزوح جديدة؟
مسار ميديا: تحدثتم عن عودة نحو 97% من النازحين إلى مناطقهم. ما الضمانات التي يمكن أن تجعل هذه العودة مستدامة، وتمنع عودة الأسر إلى النزوح مرة أخرى؟
إدريس واراب: الهدف من العودة ليس نقل المواطن من مكان إلى آخر فحسب، وإنما مساعدته على استعادة حياته الطبيعية وتحقيق الاستقرار في منطقته.
خلال ترتيبات العودة، حرصنا على توفير احتياجات أساسية للعائدين تكفيهم لفترة مؤقتة، تتراوح في حدود أسبوع إلى عشرة أيام، وفق الترتيبات المتبعة، ثم تتولى الجهات الموجودة في مناطق العودة متابعة أوضاعهم.
لكننا ندرك أن العودة المستدامة تحتاج إلى أكثر من توفير الاحتياجات الأولية؛ فهي ترتبط بتوفر الخدمات الأساسية، وفرص العمل والإنتاج، والقدرة على استعادة مصادر الدخل.
لا نريد أن ينتقل المواطن من النزوح في كسلا إلى النزوح في المنطقة التي عاد إليها. نريده أن يستقر ويستعيد نشاطه الاقتصادي والاجتماعي، وأن يجد الظروف التي تساعده على بناء حياته من جديد.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تنسيق بين الجهات الإنسانية والتنموية، حتى لا تظل العودة مجرد انتقال جغرافي، وإنما تصبح بداية حقيقية للتعافي.
ماذا عن المجتمع المضيف.. هل دفع ثمن استضافة النازحين؟
مسار ميديا: تحمّل المجتمع الكسلاوي ضغطاً كبيراً خلال سنوات الحرب، خصوصاً في المياه والصحة والتعليم. كيف تعاملتم مع احتياجاته، وهل حظيت الخدمات المقدمة للمواطنين المقيمين بالاهتمام نفسه؟
إدريس واراب: المجتمع المضيف كان جزءاً أساسياً من الاستجابة الإنسانية، ولا يمكن الحديث عن تجربة كسلا دون الإشارة إلى دوره في استقبال النازحين ومساندتهم.
نحن لا ننظر إلى النازح بمعزل عن المواطن المقيم؛ فكلاهما يحتاج إلى الخدمات الأساسية، وكلاهما يستحق الاهتمام.
لقد فرضت الزيادة السكانية ضغطاً على المياه والصحة والتعليم وغيرها من الخدمات، وكان من الضروري التعامل مع هذه الاحتياجات بالتوازي مع الاستجابة للنازحين.
ونحن نقدر كثيراً ما قدمه أهل كسلا، فقد تحملوا أعباء كبيرة، وأظهروا روحاً عالية من التضامن والتكافل.
45 مدرسة تأثرت بالنزوح.. من يتحمل مسؤولية إعادة تأهيلها؟
مسار ميديا: كشفت تجربة النزوح عن تأثر عدد من المؤسسات التعليمية التي استُخدمت لاستضافة الأسر. ما حجم الضرر الذي لحق بالمدارس، وما الذي جرى لمعالجته؟
إدريس واراب: تأثرت نحو 45 مدرسة بصورة كبيرة نتيجة استخدامها خلال فترة النزوح. وبعض هذه المدارس تعرضت بنيتها للتدهور، واحتاجت إلى أعمال صيانة وإعادة تأهيل.
وقد نُفذت عمليات صيانة في عدد منها، بينما ظلت بعض المدارس بحاجة إلى استكمال أعمال أخرى، تشمل الأبواب والشبابيك وغيرها من المتطلبات.
هذه القضية مهمة لأنها ترتبط باستمرار العملية التعليمية، ولا بد من التعامل معها بالتنسيق مع الجهات المختصة والشركاء، حتى تستعيد المدارس قدرتها على أداء دورها بصورة طبيعية.
هل يحتاج النازح إلى برامج للاندماج داخل المجتمع؟
مسار ميديا: مع بقاء بعض النازحين في كسلا بعد عودة أعداد كبيرة إلى مناطقها، هل ترون ضرورة لإطلاق برامج خاصة لدمجهم في المجتمع المحلي؟
إدريس واراب: النازح في الأصل مواطن سوداني، ولا يحتاج إلى أن نعرّفه بأنه جزء من المجتمع أو نطالبه بالاندماج فيه؛ فهو ينتمي إلى هذا المجتمع بحكم المواطنة والحقوق المشتركة.
المسألة ليست التعامل مع مجموعتين منفصلتين، وإنما توفير الظروف التي تساعد المواطنين على الاستقرار والعمل والإنتاج.
إذا كان الإنسان قد فقد مصدر دخله أو منزله أو مشروعه بسبب الحرب، فإن المطلوب هو مساعدته على استعادة قدرته على الحياة، من خلال فرص العمل ومشروعات كسب العيش والخدمات الأساسية.
وهذا هو الاتجاه الذي نريد أن يركز عليه العمل الإنساني في المرحلة المقبلة.
الشراكات الإنسانية.. سر النجاح أم تحدي المرحلة المقبلة؟
ما تقييمكم للشراكة بين الحكومة والمنظمات والقطاع الخاص والمجتمع؟
مسار ميديا: هل كانت الشراكات العامل الحاسم في تجاوز أزمة النزوح؟ وكيف يمكن تطويرها لتصبح أكثر فاعلية في مرحلة التعافي؟
إدريس واراب: لا توجد مشروعات تنجح بصورة أكبر من المشروعات التي تقوم على إرادة حقيقية من الشركاء وملكية مجتمعية واضحة.
خلال سنوات الأزمة، عملنا على تعزيز الشراكات بين الحكومة والمنظمات الوطنية والدولية والمجتمع المدني والقطاعات الخدمية المختلفة.
هذه الشراكات ساعدت في توحيد الجهود وتبادل الخبرات وتوجيه الإمكانات نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.
ونؤمن بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شراكات أوسع، لأن الانتقال إلى التنمية يتطلب موارد وخبرات وقدرات تتجاوز إمكانات جهة واحدة.
كما نحتاج إلى تعزيز التكامل بين المنظمات الوطنية والدولية، والاستفادة من قدرات القطاع الخاص والمجتمع المحلي، حتى تتحول المبادرات الإنسانية إلى مشروعات مستدامة تخدم المواطنين.
هل يمكن نقل تجربة كسلا إلى بقية الولايات السودانية؟
مسار ميديا: بعد تجربة استيعاب موجات النزوح وإدارة مئات المواقع، هل تعتقدون أن ما حدث في كسلا يمكن أن يشكل نموذجاً تستفيد منه بقية الولايات؟
إدريس واراب: من الصعب أن نتحدث عن أنفسنا ونقول إن تجربتنا تمثل النموذج الأفضل، لكننا نحمد الله على ما تحقق رغم الظروف الصعبة.
إذا رأت الولايات الأخرى والشركاء أن تجربة كسلا يمكن أن تقدم دروساً مفيدة، فنحن مستعدون لمشاركة ما اكتسبناه من خبرات، والاستفادة أيضاً من تجارب الآخرين.
الأهم بالنسبة إلينا هو ألا تضيع الدروس التي خرجنا بها خلال الأزمة، وأن تتحول إلى معرفة عملية تساعد المؤسسات على تحسين الاستعداد والاستجابة في المستقبل.
فالعمل الإنساني يحتاج إلى التخطيط وتبادل الخبرات وتطوير آليات التنسيق، حتى تكون الاستجابة أكثر كفاءة عند وقوع أي طارئ.
ما الذي ينقص كسلا للانتقال الكامل من الطوارئ إلى التعافي؟
مسار ميديا: تحدثتم عن الانتقال إلى الاستقرار والتنمية، لكن ما المتطلبات الأساسية التي ترون أنها لا تزال ضرورية لترسيخ هذه المرحلة؟
إدريس واراب: أول ما نحتاج إليه هو وجود إطار تشريعي واضح ينظم العمل الإنساني، ويحدد المسؤوليات والأدوار، ويساعد على تنظيم العلاقة بين الجهات المختلفة.
نحتاج إلى تشريعات تسهم في جعل الانتقال من الطوارئ إلى التعافي أكثر انتظاماً واستدامة، وتوفر أساساً واضحاً للتنسيق بين المؤسسات والشركاء.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة الدراسات وحشد الموارد وتطوير مشروعات الاستقرار وكسب العيش، حتى يتمكن المواطنون من استعادة قدرتهم على الإنتاج والاعتماد على أنفسهم.
العمل الإنساني لا ينبغي أن يتوقف عند تقديم المساعدات العاجلة؛ فالمطلوب أن يمهد الطريق أمام التعافي والتنمية.
رسالة إلى أهل كسلا والنازحين.. ماذا بعد انتهاء مرحلة الإغاثة؟
ماذا تقولون للمجتمع الكسلاوي الذي فتح أبوابه للنازحين طوال سنوات الحرب؟
مسار ميديا: ما رسالتكم إلى مواطني كسلا الذين تقاسموا مع النازحين الخدمات والإمكانات خلال واحدة من أصعب الفترات التي مرت بها البلاد؟
إدريس واراب: أوجه تحية فخر واعتزاز إلى مواطنات ومواطني كسلا، وإلى جميع فئات المجتمع التي استقبلت النازحين وتفاعلت معهم وساندتهم.
لقد كان للمجتمع المضيف دور كبير في تخفيف آثار الأزمة، وكان تعاونه وتضامنه من العوامل المهمة التي ساعدتنا على أداء مهامنا.
كما أتقدم بالشكر والتقدير إلى العاملين في المجال الإنساني، وإلى المنظمات الوطنية والدولية والأممية، وإلى كل الجهات التي ساهمت في تقديم الخدمات والمساعدات خلال سنوات النزوح.
ونؤكد أن رؤيتنا المحدثة ستواصل الاهتمام بقضايا المواطنين، والعمل على دعم الاستقرار والتنمية وتحسين الأوضاع الإنسانية في الولاية.
وماذا تقولون للنازحين الذين عاشوا سنوات في كسلا ويستعدون لاستعادة حياتهم في مناطقهم؟
مسار ميديا: بعد كل ما شهدته الولاية من موجات نزوح وتحديات، ما الرسالة التي توجهونها إلى الأسر التي عادت إلى مناطقها، وإلى الذين لا يزالون في كسلا؟
إدريس واراب: تعرفنا خلال هذه الفترة على أعداد كبيرة من أبناء سنار والجزيرة والخرطوم ودارفور وغيرها من الولايات، وكانت لنا معهم تجارب إنسانية واجتماعية عديدة.
كثير من هؤلاء المواطنين كانت لديهم أعمال ومشروعات خاصة، كما ساهم بعضهم بخبراته وأفكاره في تجاوز الظروف الصعبة.
رسالتي إليهم أن يستعيدوا حياتهم الطبيعية، وأن يعملوا على إعادة بناء مشروعاتهم ومصادر دخلهم، وأن تتوفر لهم الظروف التي تساعدهم على الاستقرار في مناطقهم.
أما الذين لا يزالون في كسلا، فهم مواطنون سودانيون لهم حقوقهم الكاملة، وسنعمل وفق رؤيتنا الجديدة على دعم الاستقرار وتحسين الظروف التي تساعدهم على الاعتماد على أنفسهم.
لا يمكن أن تظل صفة النازح ملازمة للإنسان إلى الأبد؛ فالهدف هو أن يستعيد حياته وكرامته وقدرته على العمل والإنتاج.
كلمة أخيرة.. ما الذي تريدون أن يبقى في ذاكرة السودانيين عن تجربة كسلا؟
إدريس واراب: أود أن أشكر صحيفة «مسار ميديا» على إتاحة هذه المساحة للتواصل مع المواطنين والشركاء والمنظمات، وتوضيح ما تحقق خلال الفترة الماضية، والتحدث عن رؤيتنا للمرحلة المقبلة.
كما أجدد الشكر لأهل كسلا، وللنازحين الذين تعاملنا معهم، وللعاملين في الحقل الإنساني، ولكل الجهات التي ساهمت في تجاوز الأزمة.
ما تحقق لم يكن جهد مؤسسة واحدة، وإنما كان ثمرة تعاون الجميع، من حكومة الولاية إلى المنظمات والشركاء والمجتمع المضيف.
ونأمل أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة استقرار وتنمية وتعافٍ، وأن يتمكن المواطن السوداني من العودة إلى حياته الطبيعية، واستعادة عمله ومشروعه، والمساهمة في إعادة بناء وطنه.
مسار ميديا.. تضع النقاط فوق الحروف
إدريس واراب في حوار يكشف كواليس إدارة النزوح بكسلا، وتفاصيل الانتقال من الإغاثة إلى الاستقرار، ومستقبل العمل الإنساني بعد عودة أعداد كبيرة من النازحين إلى مناطقهم.
حوار: هادية صباح الخير – مسار ميديا
The post مسار ميديا حوار فوق العادة إدريس واراب مفوض العون الإنساني بكسلا يفتح الملفات المسكوت عنها لـ«مسار ميديا» «استقبلنا مليون نازح.. وعاد 97% منهم إلى مناطقهم» المفوض يضع النقاط فوق الحروف: كسلا غادرت مرحلة الإغاثة.. والنازح مواطن سوداني لا يمكن أن يبقى نازحاً إلى الأبد حوار: هادية صباح الخير first appeared on مسار ميديا.