من “الجدار الحديدي” إلى “المناطق العازلة”.. كيف تنقل إسرائيل حدودها الأمنية إلى أراضي الآخرين؟

من "الجدار الحديدي" إلى "المناطق العازلة".. كيف تنقل إسرائيل حدودها الأمنية إلى أراضي الآخرين؟

Loading

لم يكُن مصطلح “المناطق العازلة” عابرًا في الصراع العربي – الإسرائيلي منذ عام 1948، إذ تحوّلت ترتيبات ميدانية وُصفت في مراحل مختلفة بالمؤقتة إلى أمر واقع وأداة تستخدمها إسرائيل ضمن عقيدتها الأمنية.

من حيث المعنى، تقوم فكرة المنطقة العازلة على نقل إسرائيل خطوط دفاعها إلى خارج حدودها، عبر فرض واقع أمني في مناطق من بلدان مجاورة، بهدف إبعاد الهجمات العسكرية عن المستوطنات الإسرائيلية وتكوين أحزمة جغرافية خاضعة للرقابة العسكرية، يُمنع فيها وجود جماعات مسلحة تتحرك ضدها.

ولا تتعامل إسرائيل مع المنطقة العازلة بوصفها إجراءً مؤقتًا مرتبطًا بالعمليات العسكرية فقط، إذ تسعى في حالات عدة إلى إبقاء هذا الواقع قائمًا حتى بعد توقف القتال. كما باتت الترتيبات الأمنية المحيطة بحدودها عنصرًا أساسيًا في طروحاتها المتعلقة بلبنان وسوريا وقطاع غزة.

وسط ذلك، تُطرح أسئلة أساسية:

لماذا تتمسك إسرائيل بالمناطق العازلة؟ وما أهميتها في عقيدتها الأمنية؟ وكيف تطورت نماذجها المختلفة؟

في هذه المقالة، يتتبع موقع “التلفزيون العربي” جذور سياسة المناطق العازلة وموقعها في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، مستندًا إلى دراسات وقراءات استراتيجية وأمنية، لفهم أسباب تمسك إسرائيل بها خصوصًا أن نطاق هذه المناطق بات مفروضًا على دول أخرى مجاورة لإسرائيل، ما يعني استمرار الصراعات والنزاعات في منطقة الشرق الأوسط.

“الجدار الحديدي” مهد “المناطق العازلة”


الدراسات حول المناطق العازلة (Buffer Zone) التي تتبناها إسرائيل كثيرة، لكن فهم الفكرة يستدعي العودة إلى جذورها في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، إذ لا ترتبط بالجغرافيا وحدها، وإنما بآليات الردع والعمليات العسكرية والسيطرة على مساحات تقع خارج الحدود، بالإضافة إلى أنها تسلب دولًا سلطتها على أراضٍ تابعة لها.

وبحسب كتاب “Israel’s National Security Strategy“، واجهت إسرائيل منذ إعلانها كـ”دولة” في العام 1948 تحديات أمنية دفعت قادتها إلى وضع مبادئ للأمن القومي واستجابات تستند إلى استراتيجية حدد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ديفيد بن غوريون مرتكزاتها الأولى.

ويشير الكتاب إلى أن الحركة الصهيونية حاولت في مراحل مبكرة بناء رؤيتها للوطن القومي اليهودي على أساس إمكان التعاون بين اليهود والعرب وتطويره بما يعود بالنفع على سكانه. لكن المواجهات التي شهدتها عشرينيات القرن الماضي دفعت قيادات الحركة إلى الاقتناع بأن المشروع لا يمكن حمايته إلا عبر قوة ذاتية قادرة على الدفاع عنه.

وخلال ثلاثينيات القرن الماضي، ترسخ هذا التصور، ما دفع بن غوريون إلى تبني ما عُرف عمليًا بمبدأ “الجدار الحديدي”، الذي كان قد طرحه زعيم الحركة الصهيونية التصحيحية زئيف جابوتنسكي.

رأى جابوتنسكي أن الوصول إلى اتفاق طوعي مع العرب غير ممكن ما داموا يعتقدون أن بإمكانهم منع المشروع الصهيوني أو إزالته، وأن التسوية لن تصبح ممكنة إلا عندما يقتنع الطرف العربي بأن القوة لن تؤدي إلى هزيمة إسرائيل.

بهذا المعنى، يمثّل “الجدار الحديدي” حاجزًا من القوة العسكرية والسياسية يرفع كلفة المواجهة إلى مستوى يدفع الخصم إلى إعادة النظر في خياراته.

انطلاقًا من هذا التصور، فإنّ الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية لطالما سعت، ولا تزال، إلى بناء قوة عسكرية واستخبارية وسياسية تجعل خصومها يعتقدون أن الحرب لن تحقق أهدافهم، وأن استمرار الصراع سيرفع الكلفة، ما يدفع في النهاية نحو التسوية السياسية. (1)

ويمكن فهم “المناطق العازلة” بوصفها إحدى الأدوات التنفيذية لهذا المفهوم، إذ لا تُنشأ للفصل الجغرافي بين القوات فقط، وإنما لإبعاد مصادر التهديد وتأمين عمق دفاعي ومساحة أوسع للمناورة العسكرية وتعزيز قدرات الإنذار المبكر.



طرح زئيف جابوتنسكي في عشرينيات القرن الماضي مفهوم “الجدار الحديدي”، الذي أصبح لاحقًا أحد المراجع الفكرية لفكرة الردع بالقوة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية – غيتي

ما هو الأساس الاستراتيجي للمناطق العازلة؟


يشكل التكوين الجغرافي الطويل والضيق لإسرائيل أحد عناصر عقيدتها الدفاعية، إذ تقترن الحدود الطويلة بمحدودية العمق الجغرافي وغياب حواجز طبيعية في مناطق واسعة منها.

كما أن وجود مستوطنات وتجمعات سكانية قريبة من الحدود يزيد المخاوف الأمنية الإسرائيلية. وقد شكّل الاستيطان الحدودي تاريخيًا جزءًا من المنظومة الدفاعية بهدف إبطاء تقدم الخصم وإتاحة الوقت لاستدعاء قوات الاحتياط، لكنه جعل المدنيين في الوقت نفسه قريبين من ساحات المواجهة.

من هنا، تنظر إسرائيل إلى المناطق العازلة باعتبارها وسيلة لتعويض محدودية العمق الجغرافي وإبعاد مصادر التهديد عن السكان والمنشآت الحيوية، إضافة إلى توفير وقت أكبر لاستدعاء الاحتياط ونقل المواجهة إلى أراضي الخصم.

لهذا تحولت هذه المناطق إلى واحدة من الأدوات التي استخدمتها إسرائيل في إدارة بيئتها الأمنية، عبر إقامة أحزمة أمنية أو فرض قيود عسكرية داخل أراضٍ عربية مجاورة.


لماذا تريد إسرائيل مناطق عازلة؟ 

قصة العرب والمناطق العازلة الإسرائيلية


يقدّم العميد المتقاعد في الجيش اللبناني منير شحادة تفسيرًا عسكريًا لهذه السياسة، ويقول في حديث لموقع “التلفزيون العربي” إن عقيدة المناطق العازلة تقوم على إبعاد أسلحة الخصم وقواته عن الحدود، وتوفير إنذار مبكر لأي هجوم، ومنح الجيش الإسرائيلي وقتًا للمناورة والتعبئة، وتقليل انتقال المواجهة إلى داخل الأراضي الإسرائيلية.

لكن شحادة يلفت إلى أن التجربة التاريخية تكشف تفاوت نتائج هذه السياسة، إذ تحولت مناطق عازلة عدة مع مرور الوقت إلى ساحات استنزاف للقوات الإسرائيلية.


المنطقة العازلة في سيناء

يوضح كتاب “Peace Process: American Diplomacy and the Arab-Israeli Conflict Since 1967” للباحث السياسي الأميركي وليام كواندت أن احتلال إسرائيل شبه جزيرة سيناء بعد حرب يونيو/ حزيران 1967 غيّر ميزان القوى مع مصر، إذ وفرت سيناء لإسرائيل عمقًا استراتيجيًا وأبعدت الجيش المصري عن حدودها.

غير أن حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 أثبتت أن السيطرة على سيناء لا تمنع اندلاع الحرب وأن الاحتفاظ بالأرض وحده لا يضمن الأمن. وبدأ بعد ذلك الانتقال إلى تصور يقوم على ترتيبات عسكرية وأمنية بدل الاحتلال المباشر، وفق ما يورده شحادة.

وكانت استعادة سيناء أولوية بالنسبة إلى الرئيس المصري أنور السادات. ويشير كواندت إلى أن السادات رفض المساومة على الأرض والسيادة، مع إبدائه استعدادًا للتفاوض حول ترتيبات تنفيذ السلام، ومن بينها التدابير الأمنية التي رافقت الانسحاب الإسرائيلي. (2)

وطلبت إسرائيل ربط الانسحاب بترتيبات تشمل قيودًا على انتشار القوات وآليات للإنذار المبكر، قبل أن تصبح سيناء محورًا أساسيًا في معاهدة السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل عام 1979.

ونصت المعاهدة على سحب إسرائيل قواتها المسلحة ومدنييها من سيناء خلف الحدود الدولية، مقابل استئناف مصر ممارسة سيادتها الكاملة عليها، بالتوازي مع إقامة ترتيبات أمنية ومناطق ذات مستويات مختلفة من الانتشار العسكري وقوات للمراقبة. (3)

وقُسمت شبه الجزيرة إلى ثلاث مناطق أمنية داخل الأراضي المصرية تختلف فيها مستويات القوات والتسليح، مقابل منطقة رابعة على الجانب الإسرائيلي تخضع هي الأخرى لقيود عسكرية.

ويُسمح لمصر بنشر قوة عسكرية نظامية محددة في المنطقة (A)، فيما يقتصر الوجود في المنطقة (B) على قوات محددة بأسلحة خفيفة. أما المنطقة (C) المحاذية للحدود مع إسرائيل فتخضع لقيود أكبر على الوجود العسكري، بينما تخضع المنطقة (D) داخل إسرائيل لقيود مقابلة.


سيناء بعد معاهدة السلام.. أربع مناطق وقيود مختلفة 

المنطقة العازلة في الجولان

بعد حرب أكتوبر 1973، توصلت سوريا وإسرائيل إلى اتفاق فض الاشتباك برعاية الأمم المتحدة، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تجدد المواجهة.

أرسى الاتفاق منطقة فصل، إذ انسحبت القوات الإسرائيلية إلى غرب الخط المعروف بـ”الخط A”، وبقيت القوات السورية شرق “الخط B”، فيما أصبحت المنطقة الواقعة بينهما منطقة فصل تنتشر فيها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباكUNDOF“.

ويُمنع بموجب الاتفاق وجود قوات عسكرية إسرائيلية أو سورية داخل منطقة الفصل، بالتوازي مع فرض قيود على القوات والأسلحة في المناطق المحاذية لها. وتتولى الأمم المتحدة مراقبة المنطقة ومناطق تحديد القوات وإجراء عمليات التفتيش ورفع التقارير إلى الطرفين والمنظمة الدولية. (4)



جندي من قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF) عند موقع مراقبة في خان أرنبة بمحافظة القنيطرة، داخل المنطقة الفاصلة في الجولان، في 29 أبريل/نيسان 2026 – غيتي

وفي ديسمبر/ كانون الأول 2024، وبعد سقوط النظام السوري السابق، سجلت الأمم المتحدة خروقات لاتفاق فض الاشتباك وزيادة في تحركات الجيش الإسرائيلي داخل منطقة الفصل وعلى امتداد خط وقف إطلاق النار. (5)

ومنذ ذلك الحين، واصلت إسرائيل وجودها داخل المنطقة وتنفيذ عمليات توغل عبر خط وقف إطلاق النار، في انتهاك لاتفاق عام 1974.

وتبرر إسرائيل انتهاكاتها المستمرة بمخاوف تتعلق بالأمن القومي، فيما أعلنت أنها ستبقى في المنطقة العازلة لضمان نزع السلاح والحد من التهديدات القادمة من جنوب سوريا. (6)


– المنطقة العازلة في غزة

في قطاع غزّة بفلسطين المحتلة، عمدت إسرائيل إلى إقامة منطقة عازلة وتحديدًا بعد حرب أكتوبر 2023، وقد جاء هذا الأمر بقرار أحادي منها وليس بموجب قرار أممي أو اتفاق.

ويعود تاريخ الاحتلال الإسرائيلي لغزة إلى عام 1967، حين احتلت إسرائيل القطاع والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، إلى جانب شبه جزيرة سيناء المصرية والجولان السوري.

قبل هذا الاحتلال، خضعت غزة للإدارة المصرية بين عامي 1948 و1967، لكن الأرض بقيت فلسطينية ولم تضمها القاهرة إلى أراضيها. وبعد احتلال القطاع عام 1967، أنشأت إسرائيل إدارة عسكرية، وأصبحت غزة من ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة الخاضعة للسلطة الإسرائيلية. (7)

وأقامت إسرائيل داخل القطاع قواعد عسكرية ومستوطنات وطرقًا أمنية. لذلك، لم تكن هناك آنذاك منطقة عازلة واحدة محددة، إذ كان الجيش الإسرائيلي والمستوطنات موجودين داخل غزة نفسها، فيما أدت المناطق العسكرية المحيطة بالمستوطنات وظيفة أمنية مشابهة. (8)

وبدأت المنطقة العازلة تظهر بصورة أوضح إثر اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية في سبتمبر/ أيلول 2000. ومنذ ذلك الحين، فرضت إسرائيل بذريعة المخاوف الأمنية قيودًا مشددة على وصول الفلسطينيين إلى مناطق قريبة من الحدود البرية والبحرية، فيما عُرف باسم “المناطق ذات الوصول المقيد“.

وساهمت هذه القيود في تقويض أمن وسبل عيش عشرات الآلاف من الفلسطينيين في غزة، كما عرّضت طريقة تطبيق القيود حياة وسلامة من يقتربون من هذه المناطق للخطر. (9)

ولم تكن حدود المنطقة العازلة واضحة أو ثابتة. ففي مراحل مختلفة، حظرت إسرائيل الاقتراب لمسافة 300 متر من السياج، بينما امتدت القيود وإطلاق النار وعمليات تجريف الأراضي إلى نطاقات أوسع، ووُثق منع كلي أو جزئي لوصول الفلسطينيين إلى أراضٍ تقع على مسافة تراوح بين 1000 و1500 متر من السياج. (10)

وفي عام 2005، انسحبت إسرائيل من داخل قطاع غزة وسحبت قواتها الدائمة وأخلت المستوطنات الإسرائيلية، فيما بقي القطاع جزءًا من الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصًا أن إسرائيل احتفظت بسيطرتها على عناصر أساسية، من بينها المعابر وحركة البضائع والمجالان الجوي والمائي. (11)

وبعد الانسحاب، ازدادت أهمية المنطقة العازلة في التصور الأمني الإسرائيلي، إذ أصبح السياج الحدودي الخط الفاصل بعدما توقفت القوات الإسرائيلية عن الانتشار الدائم داخل القطاع.

وواصلت إسرائيل فرض قيود على الوصول إلى المناطق القريبة من الحدود البرية والبحرية بين عامي 2005 و2023. وقبيل حرب 7 أكتوبر 2023، كان هناك نطاق أمني تفرضه إسرائيل بمحاذاة السياج يصل إلى عمق 300 متر، مع امتداد القيود إلى مسافات أبعد في بعض المناطق. (12)

وبعد اندلاع الحرب عام 2023، نفذت إسرائيل عمليات هدم واسعة على أطراف قطاع غزة ووسعت الحزام الأمني في عمق القطاع. ووصل عمق المنطقة العازلة في بعض النقاط إلى نحو ثلاثة كيلومترات، مع تفاوت المسافة من مكان إلى آخر، بالتوازي مع توسيع ممرات عسكرية عدة، من بينها ممر نتساريم ومحور فيلادلفيا.

وحتى يوليو/ تموز 2025، كانت هناك خمسة ممرات عسكرية، إلى جانب المنطقة العازلة الحدودية والمناطق الأمنية الجديدة، تغطي ما يصل إلى 278 كيلومترًا مربعًا داخل القطاع. (13)

هكذا، لم تعد المنطقة العازلة في غزة حزامًا ضيقًا بمحاذاة السياج، وإنما أصبحت جزءًا من شبكة من الممرات والمناطق العسكرية التي توسعت داخل القطاع. ولا توجد منطقة عازلة واحدة ذات حدود ثابتة، إذ يتبدل النطاق العسكري تبعًا للعمليات الإسرائيلية واتفاقات وقف إطلاق النار وانتشار القوات.


علامات وضعها الجيش الإسرائيلي داخل قطاع غزة لتحديد “الخط الأصفر”، الذي يرسم حدود إعادة انتشار قواته بعد وقف إطلاق النار، وسط واقع ميداني قلّص المساحة المتاحة للفلسطينيين داخل القطاع. 

وفي السياق، يقول العميد المتقاعد منير شحادة لموقع “التلفزيون العربي” إن إسرائيل تريد من المنطقة العازلة منع تكرار عمليات التسلل، فيما ساهم الأمر الواقع في تقليص مساحة القطاع، واقتربت إسرائيل من ابتلاع أكثر من 70% من مساحته ضمن ما يسمى بـ”الخط الأصفر“.

وبعد دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة “حماس” حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، وضع الجيش الإسرائيلي كتلًا إسمنتية تعلوها أعمدة يبلغ ارتفاعها 3.5 أمتار ومطلية باللون الأصفر داخل قطاع غزة، بهدف تحديد خط إعادة انتشار قواته الذي أطلق عليه اسم “الخط الأصفر”.

ووفق الجيش الإسرائيلي، يهدف الخط إلى إيجاد وضوح تكتيكي على الأرض وتحديد حدود انتشار القوات بعد إعادة تموضعها، فيما توضع العلامات الصفراء بصورة عامة كل 200 متر تقريبًا، مع تعديلات وفق طبيعة التضاريس. (14)


المنطقة العازلة في جنوب لبنان

في جنوب لبنان، عملت إسرائيل خلال حربها على لبنان عام 2026 على إنشاء منطقة عازلة تحت إطار ما يسمى بـ”الخط الأصفر”، وأعلنت ذلك صراحة خلال نيسان/أبريل من العام نفسه.

وتنتشر القوات الإسرائيلية داخل هذه المنطقة، حيث تسيطر على غالبية البلدات اللبنانية القريبة من الحدود مع إسرائيل. وميدانيًا، يمثل “الخط الأصفر” خطًا عسكريًا يفصل بين المنطقة التي تعمل فيها القوات الإسرائيلية والمناطق الواقعة إلى شماله، والتي تعتبر أيضًا “حمراء”، أي أنها تبقى ضمن نطاق التوتر الأمني والعسكري.

غير أن تجربة المناطق العازلة الإسرائيلية في جنوب لبنان ليست جديدة. ففي عام 1985، أنشأت إسرائيل ما عُرف بـ”الحزام الأمني”، بعد اجتياحين نفذتهما للأراضي اللبنانية عامي 1978 و1982.

ويقول شحادة إن الهدف من “الحزام الأمني” كان منع هجمات الفصائل اللبنانية والفلسطينية على مستوطنات شمال فلسطين المحتلة، وقد استمر حتى عام 2000 عندما انسحبت إسرائيل من لبنان.


قوات وآليات إسرائيلية داخل جنوب لبنان، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض منطقة عازلة ونقل خط انتشارها العسكري إلى داخل الأراضي اللبنانية تحت مسمى “الخط الأصفر” – غيتي


وجاء إنشاء “الحزام الأمني” بعدما وصلت خسائر الجيش الإسرائيلي إلى مستوى أصبح غير مقبول سياسيًا، فقررت الحكومة الإسرائيلية سحب قواتها من معظم الأراضي اللبنانية مع الإبقاء على وجودها داخل ما أطلقت عليه من جانب واحد اسم “المنطقة الأمنية“، بالاستناد إلى “جيش لبنان الجنوبي” الذي كان يقوده آنذاك اللواء أنطوان لحد.

وشكلت هذه المنطقة نسخة موسعة من الجيب الذي كانت إسرائيل و”جيش لبنان الجنوبي” يسيطران عليه بصورة مشتركة بين عامي 1978 و1982. ومنذ عام 1985، بلغت مساحة المنطقة التي احتلتها إسرائيل نحو 850 كيلومترًا مربعًا، أي ما يعادل قرابة 10% من مساحة الأراضي اللبنانية. (15)

وتداخل “الحزام الأمني” جزئيًا مع منطقة انتشار قوات اليونيفيل، بما في ذلك مناطق لم تكن للقوات الدولية فيها سوى مواقع معزولة وكانت حركتها خاضعة للقيود. كما جرى التحكم في الدخول إلى الحزام عبر سلسلة من المواقع المحصنة والحواجز ونقاط التفتيش التي أدارها الجيش الإسرائيلي وقوات لبنانية محلية مسلحة وخاضعة لسيطرته عُرفت باسم “جيش لبنان الجنوبي”. (16)

ويلفت شحادة إلى أن هذه المنطقة تحولت إلى ساحة حرب استنزاف طويلة خاضتها فصائل لبنانية ضد الوجود الإسرائيلي داخل “الحزام الأمني”، وانتهت بانسحاب إسرائيل عام 2000.

وبحسب شحادة، عادت إسرائيل منذ الحرب التي شهدها لبنان عام 2023، ثم خلال حرب عام 2026، إلى السعي لفرض منطقة عازلة على أجزاء من جنوب لبنان، من خلال تدمير واسع للقرى والبنية التحتية ومنع عودة السكان إلى بعض المناطق الحدودية، بهدف إبعاد أي وجود مسلح عن خط الحدود.

ويوضح أن استدامة هذا النموذج ستظل مرتبطة بالتطورات السياسية والعسكرية على الأرض.


 منطقة عازلة.. أم منطقة فصل؟


أربع حالات متشابهة في الشكل.. مختلفة في الأساس القانوني والسياسي 


في الخلاصة..


تمثل “المناطق العازلة” جزءًا من العقيدة الأمنية الإسرائيلية وأداة تستخدمها إسرائيل لنقل خطوط دفاعها إلى مناطق تقع خارج حدود فلسطين المحتلة، بما يوفر لها، وفق تصورها الأمني، عمقًا دفاعيًا أوسع ويبعد مصادر التهديد عن مستوطناتها.

وتظهر التجارب المختلفة أن هذه المناطق لم تأخذ شكلًا واحدًا. ففي سيناء والجولان ارتبطت ترتيبات الفصل والقيود العسكرية باتفاقات دولية أو ثنائية، بينما فرضت إسرائيل نماذج أخرى من جانب واحد في قطاع غزة وجنوب لبنان.

وفي الحالات التي تفرض فيها إسرائيل مناطق عازلة داخل أراضي البلدان المحيطة بفلسطين المحتلة، فإن وجودها العسكري وسيطرتها على تلك الأراضي يمثلان احتلالًا، ويقترنان بتقييد سيادة الدول المعنية وحركة السكان واستخدامهم أراضيهم.

وعليه، فإن المناطق العازلة التي تقدمها إسرائيل باعتبارها وسيلة لحماية حدودها لا تنفصل عن الصراع نفسه، إذ يؤدي نقل خطوط الدفاع إلى أراضي الآخرين إلى تكريس الاحتلال واستمرار الحرب والتوتر بدل إنهائهما.


المراجع:


* مقابلة خاصة مع العميد المتقاعد في الجيش اللبناني منير شحادة، خاص موقع التلفزيون العربي
(1): كتاب “israel’s national security strategy”، غادي إيزنكوت، غابي سيبوني، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 2019
(2): كتاب “Peace Process: American Diplomacy and the Arab-Israeli Conflict Since 1967″، وليام كواندت، 2005
(3): معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، 1979، الأمم المتحدة
(4): اتفاقية فض الاشتباك بين إسرائيل وسوريا، الأمم المتحدة، 1974
(5): الأمم المتحدة، تحديثات من الـ”UNDOF” بشأن وضع المنطقة العازلة في سوريا، كانون الأول 2024
(6): إحاطة حول وضع المنطقة العازلة في سوريا، securitycouncilreport، 2026
(7):  دراسة توثيقية تحت عنوان “المسألة الفلسطينية، نبذة تاريخية”، الأمم المتحدة، 1980
(8): دراسة توثيقية تحت عنوان “المستوطنات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية”، الأمم المتحدة، 1982
(9): دراسة توثيقية تحت عنوان “أم الناصر: فرص إعادة البناء بشكل أفضل في المناطق ذات الوصول المقيد، قطاع غزة”، ochaopt، 2015
(10): دراسة توثيقية تحت عنوان “بين السياج والمكان الصعب، قطاع غزة”، ochaopt، 2010
(11):  دراسة توثيقية تحت عنوان “ماذا يقول القانون بشأن مسؤوليات سلطة الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة؟”، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 2024
(12): دراسة توثيقية تحت عنوان “التحليل المشترك للأراضي الفلسطينية المحتلة”، الأمم المتحدة، 2022
(13): تقرير توثيقي تحت عنوان “تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة (A/80/337) الذي يفحص الأراضي والمساكن في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي إسرائيل”، الأمم المتحدة، 2025
(14): بيان صحفي تحت عنوان “ما هو الخط الأصفر في غزة”، موقع الجيش الإسرائيلي، 2025
(15): دراسة توثيقية تحت عنوان “انتهاكات قوانين الحرب واستخدام الأسلحة على الحدود الإسرائيلية اللبنانية”، هيومن رايتس ووتش، 1996
(16): الأمم المتحدة، المنطقة الأمنية في لبنان عام 1985، وثيقة منشورة عام 1985