من الصحراء الجزائرية إلى جزر المحيط.. كيف تحولت أراضي الشعوب إلى مختبرات نووية؟

من الصحراء الجزائرية إلى جزر المحيط.. كيف تحولت أراضي الشعوب إلى مختبرات نووية؟

Loading

الصورة الأشهر للعصر النووي هي السحابة الفطرية: كتلة هائلة ترتفع فوق صحراء أو محيط، فيما تبدو الأرض في الأسفل خالية تقريبًا.


غير أن هذه الصورة تخفي سؤالًا لا يقل أهمية عن قوة الانفجار نفسه: أين كانت الدول النووية تفجّر قنابلها؟ ومن كان يعيش في الأراضي التي وُصفت بأنها بعيدة أو معزولة أو قليلة السكان؟

منذ اختبار “ترينيتي” الأميركي في نيو مكسيكو في 16 يوليو/ تموز 1945، شهد العالم أكثر من ألفي انفجار نووي، وفق منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية. وتوزعت مواقع الاختبارات بين صحارى وجزر ومناطق نائية، غالبًا بعيدًا عن المراكز السكانية الكبرى.

كان لاختيار هذه المواقع أسباب عسكرية وتقنية واضحة، بينها اتساع المساحة، وإمكان عزلها، وطبيعتها الجيولوجية، والظروف المناخية، وانخفاض الكثافة السكانية. لكن بعض هذه المناطق لم يكن خاليًا من البشر، بل كان موطنًا لشعوب أصلية أو مجتمعات محلية، أو مجالًا للرعي والتنقل والارتباط الثقافي بالأرض.

وهنا تبدأ قصة أخرى للعصر النووي: قصة الأرض التي بقيت بعد انطفاء السحابة.

صحراء الجزائر لم تكن خالية


في 13 فبراير/ شباط 1960، فجّرت فرنسا أول قنبلة نووية لها قرب رقان في الصحراء الجزائرية، في اختبار حمل اسم “الجربوع الأزرق”.

لم تكن الصحراء الجزائرية خالية من البشر حين بدأت فرنسا تجاربها النووية – غيتي/ أرشيفية

وتؤكد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن فرنسا أجرت 17 اختبارًا نوويًا في الصحراء الجزائرية بين 1960 و1966؛ أربعة منها كانت اختبارات جوية في رقان، و13 اختبارًا تحت الأرض في إن إيكر داخل جبل تان أفلا.

ولم يوقف استقلال الجزائر في 1962 البرنامج الفرنسي فورًا، إذ استمرت الاختبارات تحت الأرض حتى فبراير 1966.

وتُظهر بيانات الوكالة أن تقييم المخاطر الإشعاعية في المنطقة أخذ في الحسبان حركة السكان الرحّل، بما في ذلك الرعاة الذين يتنقلون في مناطق واسعة من الصحراء.

وتلك نقطة مهمة: الصحراء التي تبدو فارغة على الخريطة العسكرية لم تكن بالضرورة فارغة من البشر.

كما أن الحديث عن التلوث يحتاج إلى دقة. فلم تعتبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية كامل منطقتي رقان وإن إيكر متساويتين في مستويات الإشعاع، بل رصدت مستويات منخفضة في مساحات واسعة، مقابل نقاط محددة ذات نشاط أعلى، خصوصًا بالقرب من بعض مواقع الاختبارات.


بيكيني.. الجزيرة قبل القنبلة


في المحيط الهادئ، اختارت الولايات المتحدة بيكيني أتول في جزر مارشال موقعًا لسلسلة من التجارب النووية بدأت في 1946.

وتقول اليونسكو إن السكان المحليين أُجليوا من الجزيرة قبل بدء الاختبارات، ثم أجرت الولايات المتحدة 67 تجربة نووية في جزر مارشال بين 1946 و1958، بينها 23 تجربة في بيكيني نفسها.

وكانت بيكيني مسرحًا لـ”عملية كروسرودز”، التي هدفت إلى دراسة آثار الأسلحة النووية في السفن والمنشآت العسكرية.

دفعت التجارب النووية الأميركية سكان بيكيني إلى مغادرة أرضهم أكثر من مرة – يونسكو

لكن الاختبار الأكثر شهرة جاء في الأول من مارس/ آذار 1954، عندما فجرت الولايات المتحدة قنبلة “كاسل برافو”.

بلغت قوة الانفجار نحو 15 ميغاطن، وفق وزارة الطاقة الأميركية، ليصبح أقوى اختبار نووي أميركي. وتسبب تغير اتجاه الرياح في دفع التساقط الإشعاعي نحو مناطق مأهولة، بينها رونغيلاب وأوتيريك.

ولم تنته قصة بيكيني بإعادة السكان. فقد عاد بعضهم لاحقًا، لكن المخاوف من التلوث أدت إلى إجلائهم مجددًا في 1978، وفق وثائق وزارة الطاقة الأميركية.

وهكذا أصبحت الجزيرة مثالًا على أن تحديد موقع الانفجار لا يعني بالضرورة تحديد نطاق آثاره.


مارالينغا.. أرض تعود بعد عقود


اختارت بريطانيا أستراليا لإجراء تجاربها النووية، وأجرت 12 تجربة رئيسية في مواقع مونتي بيلو وإيمو فيلد ومارالينغا بين 1952 و1957، وفق المتحف الوطني الأسترالي.

لكن مارالينغا لم تكن مجرد موقع عسكري بعيد. فقد كانت جزءًا من الأراضي التقليدية للسكان الأصليين.

وبعد انتهاء الاختبارات، اكتُشف أن عمليات إزالة التلوث لم تكن كافية.

تركت التجارب البريطانية في مارالينغا بأستراليا آثارًا طالت السكان الأصليين وأرضهم – المتحف الوطني الأسترالي

ويذكر المتحف الوطني الأسترالي أن مسوحات أُجريت في 1984 كشفت استمرار تلوث واسع بالبلوتونيوم، ما أدى إلى تشكيل لجنة ملكية أسترالية انتقدت تعامل بريطانيا والحكومة الأسترالية مع السكان الأصليين.

واستمرت عمليات المعالجة لسنوات. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2009، أُعيدت مارالينغا رسميًا إلى أصحابها التقليديين من شعب مارالينغا تجاروتجا.

القصة هنا لا تتعلق فقط بالإشعاع، بل أيضًا بالزمن الذي استغرقته عودة الأرض إلى أصحابها.


من الجزائر إلى بولينيزيا


مع انتهاء مرحلة الاختبارات الفرنسية في الجزائر، نقلت باريس برنامجها إلى المحيط الهادئ.

شهدت بولينيزيا 193 اختبارًا نوويًا فرنسيًا بين 1966 و1996 – غيتي/ أرشيفية 

وتشير وثائق مجلس الشيوخ الفرنسي إلى أن فرنسا قررت عام 1962 إنشاء مركز التجارب في بولينيزيا الفرنسية، واختارت موروروا وفانغاتوفا موقعين للاختبارات.

وأجرت فرنسا في بولينيزيا 193 اختبارًا نوويًا بين 1966 و1996، منها 46 اختبارًا جويًا و147 اختبارًا تحت الأرض، وفق أحدث تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي.

بدأت التجارب في 2 يوليو/ تموز 1966، وانتهت في 27 يناير/ كانون الثاني 1996.

وكان نقل البرنامج من الصحراء الجزائرية إلى المحيط مرتبطًا أيضًا بمرحلة إنهاء الاستعمار في الجزائر. لكن انتقال موقع الاختبار لم ينهِ الجدل حول السكان والبيئة والتبعات الصحية.

وتشير الحكومة الفرنسية إلى استمرار النقاش حول الآثار الصحية والبيئية للتجارب، بينما أصبح الاعتراف بالضحايا وتعويضهم ملفًا تشريعيًا مستمرًا في فرنسا.

وبذلك تحولت موروروا وفانغاتوفا من جزر بعيدة في المحيط إلى عنوان دائم في النقاش حول الإرث النووي الفرنسي.


سيميبالاتينسك.. الطرف داخل الدولة


لا يمكن اختزال هذه الخريطة في الاستعمار الأوروبي. ففي كازاخستان السوفييتية، استخدم الاتحاد السوفييتي موقع سيميبالاتينسك لإجراء اختبارات نووية على مدى أربعة عقود.

شهد موقع سيميبالاتينسك 456 اختبارًا نوويًا سوفييتيًا على مدى أربعة عقود – غيتي/ أرشيفية 

وبحسب مبادرة التهديد النووي، أُجريت في الموقع 456 تجربة نووية بين 1949 و1989، بينها 116 اختبارًا جويًا و340 اختبارًا تحت الأرض.

وكان أول اختبار نووي سوفييتي في الموقع في 29 أغسطس/ آب 1949، فيما أُجري آخر اختبار نووي هناك في نوفمبر 1989.

وأُغلق الموقع رسميًا في 29 أغسطس 1991، بعد استقلال كازاخستان.

تكشف سيميبالاتينسك أن العلاقة بين مركز القرار وموقع الاختبار لا تمر دائمًا عبر الاستعمار. فقد تكون الأرض داخل الدولة نفسها، لكن القرار العسكري والسياسي يظل متركزًا بعيدًا عنها.


لماذا الأماكن البعيدة؟


لم يكن اختيار المواقع النووية قائمًا على معيار واحد.


فالعزلة، والمساحة، والجيولوجيا، والطقس، وإمكان إغلاق المناطق أمام المدنيين، كلها عوامل أساسية في تخطيط الاختبارات.
لكن انخفاض الكثافة السكانية لا يعني غياب السكان.

ففي بيكيني، أُجلي السكان قبل الاختبارات. وفي مارالينغا، ارتبط الموقع بأراضي السكان الأصليين. وفي الصحراء الجزائرية، كان هناك رعاة رحّل يتحركون في المناطق المحيطة بمواقع التجارب. وفي بولينيزيا الفرنسية، بقيت آثار البرنامج النووي حاضرة في النقاش الصحي والسياسي بعد عقود من آخر اختبار.

لذلك فإن الخريطة النووية ليست خريطة للقنابل فقط، بل خريطة للعلاقة بين القوة والأرض.
 

السحابة التي بقيت


عندما أُتيحت معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية للتوقيع في 1996، كان العالم قد شهد أكثر من ألفي اختبار نووي، وفق منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.

ومنذ ذلك الحين، انخفض عدد التفجيرات النووية الاختبارية بصورة حادة، لكن إرث التجارب السابقة لم يختفِ.

فالانفجار يستمر ثواني، أما الأرض فتحتفظ بقصته لعقود.

من الجزائر إلى بيكيني، ومن مارالينغا إلى موروروا وسيميبالاتينسك، تتكرر مفارقة واحدة رغم اختلاف الظروف:

كانت الدول تبحث عن أبعد مكان ممكن عن مراكزها السكانية والسياسية، لكن تلك الأماكن لم تكن بالضرورة بعيدة عن البشر.

لم تكن المشكلة دائمًا في أن الأرض كانت خالية؛ بل في أن أصحابها كانوا أبعد عن مركز القرار.