![]()
خرج نزار زكا من السجن في إيران، واستعاد الأميركي سام غودوين والكندي كريستيان باكستر حريتهما بعد احتجازهما في سوريا. جمعت الإفراجات الثلاثة، التي تحققت عام 2019، وساطة عباس إبراهيم.
لكن شبكة اتصالاته لم توصله إلى نتيجة مماثلة في ملف الصحفي الأميركي أوستن تايس، الذي اتسع التفاوض بشأنه، وفق روايته، ليشمل انسحابًا عسكريًا وعلاقات دبلوماسية وعقوبات، مقابل الحصول أولًا على إثبات أنه حي.
بين هذه الملفات، يرسم المدير العام السابق للأمن العام اللبناني حدود الدور الذي أداه: يستطيع الوسيط الوصول إلى مسؤولين تتعذر مخاطبتهم مباشرة، ونقل المطالب وبناء الثقة، لكن قرار الإفراج يبقى في مكان آخر. ومن التفاوض مع جماعات مسلحة على إطلاق محتجزين، انتقل إلى ملفات تتداخل فيها الأجهزة الأمنية مع حسابات الرؤساء وعلاقات الدول.
ويروي إبراهيم تفاصيل هذه المسارات في الجزء الثالث من حواره مع محمد أبو رمان ضمن برنامج “وفي رواية أخرى” على التلفزيون العربي ومنصّة العربي بلس، عارضًا كيف تحركت الوساطات في إيران وسوريا، وأين توقفت رغم استمرار الاتصالات.
شاهد الحلقة الثالثة من “وفي رواية أخرى” مع عباس إبراهيم
نزار زكا.. من طلب العائلة إلى رسالة رئاسية
بدأ مسار زكا، بحسب إبراهيم، بزيارة زوجته إليه وطلبها مساعدته. كان اللبناني، الحاصل على إقامة دائمة في الولايات المتحدة، قد اعتُقل في إيران عام 2015 بعد سفره للمشاركة في مؤتمر. وحُكم عليه لاحقًا بالسجن عشر سنوات بتهمة التجسس، وهي تهمة نفاها. وانتهى احتجازه بالإفراج عنه وعودته إلى بيروت في 11 يونيو/ حزيران 2019.
يقول إبراهيم إنه راجع الرئيس اللبناني آنذاك ميشال عون، ثم طلب مساعدة الأمين العام لحزب الله آنذاك حسن نصر الله. ويروي أن اتصالاته قادته إلى زيارة إيران ولقاء المرشد علي خامنئي، ثم زيارة زكا في مكان احتجازه. وخلال اللقاء، وفق شهادته، تمسك الإيرانيون باتهاماتهم، فيما نفاها زكا، وكان إبراهيم يركز على إمكان إطلاق سراحه.
استغرقت المساعي وقتًا وتعددت الزيارات. وفي المرحلة الأخيرة، يقول إبراهيم إن رسالة رسمية من عون إلى الرئيس الإيراني وفّرت الإطار الدبلوماسي للإفراج. وقبل المغادرة، طُلب من زكا الالتزام بشروط لا يفصل إبراهيم مضمونها، لكنه يروي أنه اعترض على أن يكون شاهدًا على تعهد يعتقد أنه لن يُنفذ بعد الخروج من السجن.
وبحسب روايته، لم يوقّع زكا، وإن أعطى التزامًا شفهيًا للإيرانيين، ثم عاد معه إلى لبنان. وتظهر في هذا المسار أهمية جمع الاتصال بمن يملك النفوذ مع طلب رسمي يمكن أن يمر الإفراج من خلاله، إلى جانب حرص إبراهيم على ألا يرتبط دوره بضمانات لا يملك تنفيذها.
نزار زكا خلال مؤتمر صحفي في قصر بعبدا بعد الإفراج عنه من إيران، 11 يونيو 2019
غودوين وباكستر.. حين أمكن تحويل الاتصال إلى إفراج
وصل ملف سام غودوين إلى إبراهيم من طريق مختلف. يروي أن زميلًا سابقًا له في الجيش، يعيش في الولايات المتحدة، اتصل به بعدما وصلت إليه مناشدة من عائلة الشاب. وتعهد إبراهيم بالسؤال عنه في سوريا، حيث لم تكن العائلة تعرف، وفق شهادته، أين يوجد على وجه اليقين.
يقول إنه توجه إلى دمشق، وتلقى لاحقًا تأكيدًا بأن غودوين محتجز لديها. ثم بحث الملف مع علي مملوك، الذي اتصل ببشار الأسد، بحسب الرواية، لتسريع البت فيه. وعندما اقترب الإفراج، طلب إبراهيم من العائلة الحضور إلى بيروت، لكنه امتنع عن إعلان النتيجة مسبقًا خشية تراجع الجانب السوري. ولم يطمئن إلى اكتمال العملية إلا حين أبلغه فريقه أنه عبر الحدود ومعه غودوين، الذي التقى والديه في مكتبه.
أما الواقعة المعلنة فكانت الإفراج عن غودوين في يوليو/ تموز 2019، وهو أميركي كان يسافر في محاولة لزيارة دول العالم. وأكدت عائلته في 26 يوليو عودته إليها، وشكرت الوساطة اللبنانية.
شجعت هذه النتيجة السفيرة الكندية في لبنان على طلب تدخله في قضية كريستيان باكستر، وفق إبراهيم. ويقول إنه عاد إلى دمشق وسأل عن الملف، طالبًا الإفراج عنه إذا لم يكن ثمة أمر أمني خطير يمنع ذلك.
وبعد اتصالات لاحقة، أُبلغ بأن باكستر جاهز للمغادرة. وفي 9 أغسطس/ آب 2019 ظهر الكندي في بيروت بعد إطلاقه، إلى جانب إبراهيم والسفيرة الكندية.
كريستيان باكستر خلال مؤتمر صحفي في بيروت بعد الإفراج عنه من سوريا، ويظهر إبراهيم إلى جانبه، 9 أغسطس 2019 – غيتي
قنوات مفتوحة.. وملفات بقيت مغلقة
يفسر إبراهيم قدرته على التحرك ببقاء علاقاته الأمنية مع النظام السوري السابق في وقت انقطعت فيه قنوات دبلوماسية بين الأخير وبين دول غربية. ويقول إن مسؤولين أمنيين كانوا يلجؤون إليه لنقل ملفاتهم إلى الجانب السوري، مستفيدين من اتصاله المباشر بمملوك. غير أنه يروي أيضًا أن الأسد حاول في مرحلة ما ربط التعاون الأمني بإعادة العلاقات السياسية والدبلوماسية.
لكن هذه الصلات لم تثمر نتيجة في كل القضايا. ففي ملف المفقودين اللبنانيين في سوريا، يقول إبراهيم إن أهاليهم راجعوه وإنه أثار قضيتهم مرارًا، لكنه لم يلق استجابة. وينقل عن الجانب السوري طلب إرجاء البحث إلى حين هدوء الأحداث، ثم رفع المسألة إلى المستوى السياسي. هكذا بقيت أبواب موصدة أمام الوسيط الذي نجح في إخراج أشخاص آخرين.
أوستن تايس.. التفاوض على إثبات الحياة
في قضية أوستن تايس، كانت نقطة البداية مختلفة. اختفى الصحفي الأميركي أثناء عمله في سوريا في أغسطس/ آب 2012. ويقول إبراهيم إنه سأل عنه السلطات السورية، فتلقى نفيًا لاحتجازه لديها. ثم تواصل معه والداه ومسؤولون أميركيون، واستمر في متابعة الملف من دون الحصول على جواب يحسم مكانه ومصيره.
ويروي أن المساعي اكتسبت زخمًا قرب نهاية الولاية الأولى للرئيس دونالد ترمب. آنذاك، زاره كاش باتيل، وطلب ترتيب زيارة إلى دمشق، قبل أن يتوجه وفد أميركي يضم باتيل والمبعوث الخاص لشؤون الرهائن روجر كارستنز للقاء مسؤولين سوريين، بحسب شهادته.
الصحفي الأميركي أوستن تايس في القاهرة في مارس 2012، قبل اختفائه في سوريا بأشهر – غيتي
كان المطلوب في تلك المرحلة، كما يوضح إبراهيم، الحصول على إثبات حياة لتايس. ويقول إن مملوك طلب منه وضع اقتراح، فطرح ثلاث نقاط: انسحاب القوات الأميركية من منطقة في سوريا، وإعادة العلاقات الدبلوماسية، ورفع أغلب العقوبات. ثم حُددت الرقة منطقةً للانسحاب في الاتصالات اللاحقة التي ينقلها.
ويعرض إبراهيم هذه النقاط بوصفها سقفًا للتفاوض اقترحه هو، قبل أن تُناقش مع الأميركيين. وهنا اتسعت المسافة بين هذا الملف وعمليات الإفراج السابقة: صار البحث في معلومة عن محتجز مرتبطًا بتغييرات في العلاقة بين واشنطن ودمشق، تتجاوز صلاحيات الوسيط نفسه.
موافقة ينقلها إبراهيم.. ثم تراجع ينسبه إلى الأسد
يقول إبراهيم إن باتيل أبلغه لاحقًا بموافقة ترمب على النقاط المطروحة، وإنه توجه إلى واشنطن لمتابعة الأمر مع مستشار الأمن القومي آنذاك روبرت أوبراين. ويضيف أنه طلب إعلانًا أميركيًا رسميًا بالموافقة قبل إحضار إثبات الحياة، خشية التراجع بعد تسليمه.
لكن المسار توقف، وفق روايته، أثناء وجوده في الولايات المتحدة. فقد اتصل به مملوك وأبلغه أن الأسد عدل عن المضي فيه. وعندما عاد إلى دمشق، قيل له إن السبب وصف مسيء أطلقه ترمب بحق الأسد، الذي تعامل معه باعتباره مسألة شخصية.
هذه الموافقات وسبب التراجع يوردها إبراهيم بوصفها اتصالات شارك فيها أو نُقلت إليه. وفي عرضه للنتيجة، لم تصل الوساطة إلى تسليم إثبات حياة أو إطلاق سراح تايس. وعندما يناقش احتمال أن يكون الجانب السوري لا يعرف مصيره أو أنه لم يعد حيًا، يطرح تقديرًا شخصيًا، من دون أن يقدم في الحوار دليلًا يحسم أيًا من الاحتمالين.
اتصالات استمرت.. والجواب بقي غائبًا
يقول إبراهيم إن إدارة جو بايدن عادت إلى التواصل معه بشأن تايس عام 2022، وإنه بحث معها إمكان زيارة وفد أميركي إلى دمشق، لكنه ينسب إلى الأسد رفض استقبال الوفد. ويستعيد أيضًا طلبًا سابقًا من وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لزيارة سوريا والحصول على جواب بشأن تايس، قائلًا إن ذلك الطلب رُفض بدوره.
وبحسب شهادته، استمرت لاحقًا اتصالات أميركية سورية في سلطنة عُمان، لكنه أُبلغ بأن ملف تايس مستبعد من البحث. أما بيان مكتب التحقيقات الفيدرالي الصادر في 13 أغسطس 2026، فيؤكد مواصلة جمع المعلومات وتقييمها لكشف حقيقة احتجازه وتأمين عودته، وسط روايات منشورة عن مصيره.
