![]()
في حملات مسعورة، طفق أذيال الكفيل وأعوان الميليشيا في خطة ممنهجة مُحْكَمَة لترويج خطاب تضليلي مَصْنُوع يتكرر بكثافة منذ الأمس، ويسعى إلى استغلال جريمة قصف المعدّنين السودانيين في شمال الوادي؛ لإعادة تشكيل وعي السودانيين تجاه ما يتعرض له بلدهم، وتغيير تصوراتهم عمّن يمثل العدو ومن هو الصديق والشقيق.
مصر ليست الإمارات، ومصر ليست إثيوبيا، ومصر ليست عدواً للسودان. ولن تغيّر هذه الحقيقة مزايدات الحسابات المزيّفة، ولا النزعات الدونكيشوتية لدى من يخوضون معاركهم بمعزل عن الواقع والتاريخ والمجال الاستراتيجي المباشر للسودان. وهذا لا يمنح أي بلد حصانة من المساءلة عن حقوق السودانيين، ولا يبرر الاعتداء الذي أودى بحياة العشرات منهم. فالعلاقات بين الدول تشهد أزمات وتوترات وخلافات، وقد تقع اعتداءات تستوجب المحاسبة، لكن أياً من ذلك لا يمحو حقائق الجغرافيا، ولا يلغي المصالح الاستراتيجية التي تربط الدول والشعوب.
وقد جمعت محاولات استغلال دماء السودانيين الذين قصفهم الطيران المصري أصنافاً شتى؛ فمنهم من يحاول أن يصفّي عبرها خصوماته الشخصية والنفسية القديمة، ومنهم من وجد في الجريمة فرصة لإعادة تسويق موقفه السياسي الذي خدم الغزو الإماراتي أو تواطأ معه، وتبرير مواقفه المتخاذلة في بدايات الحرب. وعلى اختلاف دوافع هؤلاء وغاياتهم، فإن محصلة نشاطهم تصبّ في مصلحة مشيخة أبوظبي ومخططها ضد السودان.
ولا ينبغي القبول بأن تتحول الجريمة التي طالت مواطنينا المُعدّنين إلى وقود للتغييش على السودانيين عن الواقع الاستراتيجي لبلدهم، أو تزييف وإعادة كتابة تاريخ السنوات الثلاث والنصف الماضية بأدوات التضليل والكذب الكثيفة. من يموّل مخطط الغزو والاحتلال ويفتح أراضيه لتدفق المرتزقة والسلاح لإبادة السودانيين وتهجيرهم واستئصال دولتهم، ومن يهدد أهلنا في النيل الأزرق بمزيد من الإبادة والتهجير والإرهاب، ليس كغيره.
ووسط كل هذا، يبقى الموقف الوطني العقلاني الذي لا يساوم على أرواح المواطنين السودانيين وحقوقهم، ولا يقبل في الوقت نفسه طمس حقيقة من يمثل الخطر الوجودي على السودان الآن، أو إعادة ترتيب أولوياتنا الوطنية بما يخدم أجندات تستهدف وجود الدولة ووحدتها وسيادتها. فالمطالبة بكشف حقيقة قصف المعدّنين ومحاسبة المسؤولين عنه وإنصاف الضحايا وأسرهم واجب لا مساومة فيه، ولا يتعارض مع إدراكنا لطبيعة العدوان الذي يتعرض له بلدنا، والتمييز بين الاعتداء الذي يستوجب المحاسبة وحرب الغزو والاحتلال التي تستهدف وجود السودان.
ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن الدولة ومؤسساتها والعمل على تطويرها وتعزيز قدراتها هو الضامن الأهم اليوم وغداً وبعد مئة عام لحماية السودانيين وصون حقوقهم ومحاسبة كل من يعتدي عليهم. فلا حماية للأرواح ولا ضمان للحقوق دون دولة قوية وواعية ببيئتها الاستراتيجية، وقادرة على الدفاع عن مواطنيها وإنصافهم.
يمكننا أن نفعل الأمرين معاً، فنطالب بحقوق شهدائنا كاملة، ونحافظ على قدرتنا على التمييز بين الخلافات والاعتداءات، وبين العدو الذي يخوض حرباً لتفكيك بلدنا واحتلال أراضيه.