![]()
ثمة بشاعة تتجاوز فعل القتل نفسه في حادثة استهداف المُعِدِّنين السودانيين بمنجم العقيدات للتعدين الأهلي عن الذهب.. حين تفقد المأساة حرمتها، ويُنتزع الموت من سياقه الإنساني ليُزجّ به في مسارح العبث السياسي، حيث تتحول الدماء إلى أوراق للمساومة، والأرواح إلى أرقام في حسابات المصالح.
أي انحدار أخلاقي هذا الذي يجعل من دماء الضحايا فرصة للاستثمار السياسي، بدلاً من أن تكون موجباً للمساءلة، وكشف الحقيقة، والدفاع عن الكرامة والسيادة وإنصاف من سُلبوا حقهم الأبسط في الحياة؟
إن أخطر ما يصيب الضمير الإنساني ليس اعتياد الموت فحسب، بل اعتياد تبريره، وتطويع المآسي لخدمة السرديات، حتى يصبح السؤال عمّن يستفيد من الدم أعلى صوتاً من محاسبة من أراقه.
هؤلاء المُعَدِّنون السودانيون لم يكونوا مجرد أسماء عابرة في نشرات الأخبار أو الصفحات، بل بشراً خرجوا يفتشون في قسوة الأرض عن أسباب الحياة، لا عن نهايتها.
وراء كل واحد منهم حكاية لم تكتمل، وبيت انطفأ فيه انتظار، وأحلام بسيطة اغتالها الموت قبل أن تبلغ مداها.
إن كرامة الإنسان لا تُقاس بظروفه، ولا بحدود الجغرافيا، ولا بموقعه في موازين القوة.
والدم الذي لا يستدعي العدالة اليوم، يؤسس بصمتٍ لاستباحة دماء أخرى كل يوم.
وفي ذروة هذا الخراب الإنساني، لا يزال الذين أسهموا في صناعة المأساة يتبارون في بلاغة الاتهام، ويتزاحمون على منابر المزايدة، ويتنصلون من المسؤولية كأن الدم السوداني معروضٌ في مزادٍ للضمائر، تُقاس فيه المواقف بعلوّ الضجيج.
وليس بريئاً من هذا المصير من أوقد نار الحرب، ولا من شرّد ونهب وانتهك، ولا من اتخذ من الفجيعة منبراً، ومن أشلاء الضحايا رصيداً للمساومة. فالمسؤولية عن الخراب لا تنحصر في اليد التي تُريق الدم، بل تمتد إلى كل يدٍ مهّدت لاستباحته، وكل ضميرٍ وجد في المأساة غنيمة.
والخلاصة الأكثر فداحةً في فلسفة هذا العبث أن السوداني، حياً كان أم ميتاً، لم يعد في حسابات المتصارعين سوى ورقةٍ قابلة للتداول، يُساوَم على بقائه، ويُستثمر في فنائه.
وأيّ إفلاسٍ أخلاقي أعمق من أن يُجرَّد الإنسان من حقه في الحياة، ثم يُجرَّد موته من حرمته، حتى تغدو الدماء لغةً للمصالح، وتصير المأساة وطناً آخر للانتهازيين؟!
رحم الله المعدّنين السودانيين الذين رحلوا في هذه الفاجعة، وجعل الحقيقة والعدالة أسمى من كل حساب سياسي، فلا شيء أكثر إهانة للموتى من أن تُستباح حياتهم مرة، ثم تُستباح مأساتهم مرة أخرى.