مواقف للجمهور مع الفنان مجذوب أونسة

مواقف للجمهور مع الفنان مجذوب أونسة

Loading

تغطية: خالد البلولة

ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة «فيسبوك»، بنعي الفنان مجذوب أونسة، وامتلأت الصفحات بعبارات الحزن والدعاء والترحّم عليه. وقد لفت انتباهي في تلك المنشورات بعض التعليقات التي لم تكتفِ بالرثاء التقليدي، بل توقفت عند مواقف إنسانية صغيرة رواها الناس عن الراحل، كشفت ملامح شخصيته القريبة من الجمهور، وتواضعه، وخفة روحه.

(١)
يحكي الدرامي محمد كوبر واحدة من تلك المواقف مع الفنان الراحل مجذوب أونسة، وهي حكاية صغيرة في تفاصيلها، لكنها كبيرة في معناها الإنساني.

يقول:
في التسعينيات، كنت طالبًا بالمرحلة الثانوية، وأدرس الدراما في قصر الشباب والأطفال بأم درمان. تحركت من مركز شباب أم درمان نحو القصر راجلًا، مرتديًا بنطال جينز، وحاملًا شنطة ظهر بداخلها الأعمال الكاملة لأمل دنقل، ورواية، وبعض الأشياء الأخرى. وكان الحر يومها قاسيًا بصورة غير محتملة، حتى إنني وضعت شنطة الظهر فوق رأسي اتقاءً للشمس.

وقفت أمام مركز شباب أم درمان منتظرًا «أمجاد يا عم»، فتوقفت لي سيارة. يقول: فتحت الباب الأمامي بسرعة وركبت دون أن أنظر إلى السائق، ثم قلت:
ـ شكرًا جزيلًا يا عم.

فسمعت السائق يقول:
ـ معليش… أنا ماشي اتحاد الفنانين، إنت ماشي وين؟

التفتُّ إليه، فوجدته الفنان مجذوب أونسة. قلت بدهشة:
ـ مجذوب أونسة!

فضحك ضحكته المألوفة وقال ببساطة:
ـ أيوه.

فرددت مرتبكًا:
ـ ماشي قصر الشباب والأطفال.

فقال لي:
ـ خلاص تمام… أنا بوصلك لغاية الاتحاد، وبكون قصّرت ليك المشوار… كويس معاك؟

وخلال الطريق سألني:
ـ بتدرس في القصر؟

فأجبته:
ـ أيوه… بدرس دراما.

فرد باهتمام واضح:
ـ أوووو… جميل جدًا.

وحين وصلنا إلى اتحاد الفنانين، بدأت أستعد للنزول، لكنه فاجأني بقوله:
ـ خليك قاعد… حأوصلك، الدنيا حر… ولأنك درامي.

وبالفعل أوصلني حتى قصر الشباب والأطفال.

(٢)
ويحكي عبد الرحمن إبراهيم أبو بكر عن الفنان الراحل مجذوب أونسة موقفًا إنسانيًا بسيطًا، لكنه يكشف جانبًا كبيرًا من شخصية الرجل وتواضعه الفطري.

يقول إنه التقاه ذات مرة عند ميكانيكي، حيث جاء كلٌّ منهما لإصلاح سيارته. وأثناء الانتظار جلسا عند «ست الشاي»، فبدأ مجذوب أونسة الحديث معه بعفوية وألفة، كأنه يعرفه منذ سنوات طويلة، رغم أنها كانت المرة الأولى التي يلتقيان فيها.

وخلال الجلسة حكى له الراحل طرفة عن أحد سماسرة السيارات، حين ذهب ليبيع عربته، فقام السمسار ببخس سعرها. وعندما اعترض مجذوب أونسة، قال له السمسار ضاحكًا:
ـ عربتك من زمن آخر خبر كتبو الجواب!

في إشارة ساخرة إلى الأغنية الشهيرة. وكان مجذوب أونسة يروي الموقف وهو يضحك ويستمتع بالحكاية، مستعيدًا «عمايل السماسرة» بخفة ظل وروح مرحة.

(٣)
ويحكي مالك هجام عن لقاء جمعه بالفنان الراحل مجذوب أونسة داخل مستشفى تقى بأم درمان، حيث كان الراحل يزور أحد المرضى وسط أهله ومعارفه، وكان برفقة مالك شقيقه المرحوم قاسم هجام.

يقول مالك إن قاسم قال لمجذوب أونسة مازحًا:
ـ إنت غنيت في زواجي، والكهرباء قطعت، ووعدتني تعوضني.

فرد عليه الفنان الراحل ببساطته المعهودة وابتسامته الهادئة:
ـ أنا عند وعدي.

(٤)
ومن الطرائف التي تُروى عن الفنان الراحل مجذوب أونسة، أن أحد الشباب كان يعيش قصة حب مع فتاة، لكن الخلاف دبّ بينهما وانتهت العلاقة بالفراق. وصادف أن جمعتهما إحدى حفلات الزواج التي كان يحييها مجذوب أونسة.

وكان أحد الأصدقاء يعرف تفاصيل القصة وما تركه الفراق من أثر في نفس الشاب، فذهب إلى مجذوب أونسة وطلب منه أن يغني:
ـ «أقدار يا نور عيني».

فاستجاب له أونسة بروحه الجميلة.

(٥)
ويقول كرار تنير إن علاقته بالفنان الراحل مجذوب أونسة توثقت منذ سنوات بعيدة، حين جاء إليه في المطبعة العسكرية وبرفقته ابنه، خريج كلية الفنون الجميلة، طالبًا أن يستفيد من خبراتهم في مجالي التصميم والطباعة حتى يطور موهبته ويثقل تجربته العملية.

ويضيف أن تلك الزيارة كانت بداية لعلاقة مودة ومحبة استمرت بينهما منذ ذلك الوقت.

ويقول كرار:
ـ رجل شفيف، خفيف الروح، بسيط وصادق في مودته… ورحل عنا في الأيام المباركات.

(٦)
يقول بدر الزمان عثمان:
كانت علاقتي به كفنان في حفل زواج خالي عبد العظيم سر الختم، رحمه الله، بمدينة كسلا. اقتربت منه وأنا الصبي المراهق، ورأيته أمامي بشحمه ولحمه، فرد إليّ التحية بأحسن منها، بوجه طلق مبتسم، زاد من حبي له. وكنت فخورًا بهذا اللقاء، وصرت كلما أسمعه يغني يعني لي الأمر أكثر من مجرد مطرب ومعجب.

(٧)
يقول د. النور الكارس:
آخر مرة التقيته كانت قبل اندلاع الحرب، في سهرة تلفزيونية بفضائية الخرطوم، جمعتني به وبالراحل المقيم المخرج الكبير بدر الدين حسني، رحمه الله. وخلال حديث دار بيننا قبل دخول الاستديو، لمستُ في الرجل حبًّا عميقًا للسودان، واهتمامًا صادقًا بقضاياه وهموم أهله.

وفي تلك السهرة أتحفنا بأغنية وطنية جميلة تأثرنا بها كثيرًا، حتى إنني والأستاذ بدر الدين حسني وعدناه بالعمل على تحويلها إلى أغنية مصوّرة، إيمانًا منا بما تحمله من معانٍ وطنية نبيلة.

(٨)
ويقول الإعلامي الزبير نايل:
أيام الجامعة، أخذني صديقي د. عادل المهدي إلى بلدته «نقزو» شمال بربر، وعرّفني على أهلها الطيبين ومعالمها الهادئة. وهناك وقف بي عند ضفة النهر تحت شجرة حراز كثيفة الظلال، وقال:
ـ هذه «حرازة أونسة».

وتحت ظلها حدثني عن الفنان الراحل مجذوب أونسة، ابن تلك الديار، وعن محبة الناس له. وبعد أن عملت في التلفزيون، اقتربت أكثر من مجذوب أونسة، فوجدته إنسانًا بسيطًا، بشوشًا، خفيف الروح، قريبًا من الناس، يحمل صدقًا نادرًا في حضوره وفنه.

وحين حدثته عن «حرازة أونسة» تهلل وجهه مسرورًا.