موسم الهجرة إلى دنقلا

موسم الهجرة إلى دنقلا

Loading

درجت على زيارة دنقلا العرضي مذ تلمذتي، وقيل إن اسمها جاء من الطوب الأحمر الذي شاع البناء به منذ القدم هنالك، وأحد الأدلة أن بيت جد شاعرنا الفذ توفيق صالح جبريل، الذي ينتمي لجزيرة مقاصر الفيحاء الضاحيوية، كان أول مبنى شيد بالطوب الأحمر في أمدرمان.
استطرادا من يفاعتي الغضة تلك عهدنا بدنقلا أنها عاصمتنا ومحل طيارتنا تقوم ومريضنا المتعب يحول لمستشفاه المركزي.
أما مدارسها القاعدية فشأن مدارسنا لكن ثانوياتها مقصد طلابنا .. البنين التي خرجت أفواج النابهين للجميلة ومستحيلة، و” القصر بنات “، التي فرخت المتعلمات الطامحات، وكان على صدارة تعليم دنقلا أكابر، منهم الأساتذة أمين أوشي وجودة ونوري ” شايقي” وثلاثتهم من عندينا.
أما المدينة فعرفت بالغلاء النسبي والبعوض الشتوي الشرس، الذي باتت حمته في عظامي حتى اكتشفتها بلاد لا تألفها ما جعلني عندهم ” عينة ” دراسية!
في الفترة الوسيطة تزامنا مع الطفرة الاقتصادية السعودية، التي تستضيف أكبر جالياتنا اتجه بعض العاملين هناك الذين وجدوا بسطة في الرزق لبناء أو شراء أو استئجار بيوت في دنقلا ونقل أسرهم إليها من قراهم لينعموا بخيرات البندر.
أما اليوم فالأعمى يحمل المقعد من قرانا تجاه مدارسها الثانوية الخاصة المتناسلة، التي بلغت عددا متزايدا باطراد تاركين مدارسنا الحكومية العريقة في عبري ودلقو وفريق وسواها يتناقص تعداد طلابها، رغم ما يعتور التعليم الخاص من مثالب  مثل علة الدروس الخصوصية فكلاهما ينطلقان من الكسب المادي ويقوضان مبدأ ديمقراطية التعليم والفرص المتكافئة.
كيف نعجز عن الوفاء بمعلمي الرياضيات والعلوم في مدارسنا الريفية في ظل خريجي كليات التربية ملء الأفق؟
إن أهلنا يرحلون إلى دنقلا مكرهين متطلعين لتعليم منافس لفلذات أكبادهم وهم يواجهون مصاعب دنقلا المتزايدة مثل استضافة أهلنا المتجهين بمختلف أغراضهم لدنقلا والإيجارات النارية الكاوية، إحدى عماتي مثلا استأجرت مسكنا محدودا بمبلغ ضاغط لتعسكر فيه مع ابنها الذي أقبل على امتحانات الشهادة الثانوية الفائتة ..
بالطبع كل أسرة تريد أولادها أطباء بينما عالميا الإقبال أعلى على تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي من حيث أعداد الخريجين وسعة سوق العمل.
في ظل الحرب هناك نحو 8 ملايين  يافع خارج التمدرس، منهم نحو 5 ملايين لا يجدون مقعدا في الصف الأول الابتدائي فيضافون لحشود الأميين، بنوعيها الأمية الأبجدية الكتابية، القرائية والأمية الحضارية التي تحجب غاية التعليم المتمثلة في حسن التصرف في مواقف الحياة المختلفة العصي جردها مثل الوعي بالواجبات وأدائها والحقوق والتمسك بها، فإزاء هذه التحديات المتفاقمة لا ريب أن للتعليم الخاص الراشد دوره المقدر، لكن المرق الكبير إن انكسر تشتت الرصاص لذا:
لا بديل للتعليم الحكومي إلا التعليم الحكومي، فهو ملاذ محدودي الدخل وهم الأغلبية.
قوموا لترتيب أوضاع مدارس مناطقكم .. مدارس الأغنياء والفقراء كتفا بكتف، واجعلوا مبادراتكم تسابق طموحاتكم  وإلا سيرحل من تبقى فيها إلى مدارس دنقلا الخاصة.
ألا هل بلغت؟!