![]()
عندما أعلنت بعثة الأمم المتحدة في كولومبيا، في 26 يونيو/ حزيران 2017، أنها خزّنت 7,132 قطعة من الأسلحة الفردية المسجّلة لمقاتلي “فارك”، لم تكن تقول إن كل سلاح في البلاد اختفى. فقد استثنى الإعلان أسلحة أبقيت مؤقتًا لحماية المعسكرات، فيما كانت معالجة مخابئ السلاح تسير في مسار آخر.
من هنا يبدأ السؤال الذي لا تجيب عنه صور تسليم البنادق وحدها:
كيف تتحول القطعة التي يقدمها مقاتل إلى سلاح معلوم الهوية، مضبوط العهدة، ثم موثّق التعطيل؟ ومتى يحق للمراقب أن يقول إن التزامًا قد نُفّذ، من دون أن تتحول شهادته إلى ضمان أوسع مما عاينه؟
من يصرّح ومن يفحص؟
بحسب بروتوكول إلقاء السلاح الملحق باتفاق السلام النهائي لعام 2016، كانت “فارك” مسؤولة عن تزويد المكوّن الدولي بمعلومات عن كميات سلاحها وأنواعه، وعن مواقع المخابئ المشمولة بالعملية.
للإعلان وظيفة عملية: تحديد ما يُنتظر استلامه، والتخطيط لمراقبته وتخزينه. لكنه يظل نقطة انطلاق تقدمها الجماعة، وليس جردًا مستقلًا يثبت بذاته أن المعلومات كاملة.
أما التحقق، فأُسند إلى بعثة الأمم المتحدة. ويوضح تقرير الأمين العام عن ترتيبات البعثة أنها تولّت أيضًا تنسيق آلية ثلاثية تضم الحكومة و”فارك” والأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار، مع مسؤوليتها عن التقارير المستقلة وتسوية الخلافات.
حدّد الملحق التنفيذي للتسجيل والتعريف استمارة لكل سلاح فردي تتضمن نوعه وطرازه وعياره واسم حامله. يطابق المراقب المعلومات بالمعاينة البصرية، وتُربط القطعة باستمارتها عبر رمز تعريفي. وهنا تصبح نتيجة الفحص أكثر تحديدًا من عبارة “سُلّمت أسلحة”: هذه القطعة عوينت، وهذه البيانات تخصها.
وفي شرح رئيس المراقبين في 2 مارس/ آذار 2017، قالت البعثة إن الاستمارة نفسها ستُستخدم في مرحلتي التخزين والتعطيل، بما يتيح تتبّع السلاح عبر العملية. فالمقصود ليس عدّ البنادق في مشهد واحد، بل الحفاظ على الصلة بين ما سُجّل أولًا وما وصل إلى المراحل اللاحقة.
التسجيل لا ينقل العهدة وحده
لا تكفي معرفة هوية السلاح لمعرفة من يستطيع استخدامه. فقد ميّزت الترتيبات بين أسلحة بقيت موقتًا مع حامليها داخل المعسكرات وتحت المراقبة، وأسلحة في مخازن مؤقتة بمسؤولية “فارك”، ثم أسلحة استلمها المكوّن الدولي وأودعها الحاويات. لذلك لا تتساوى قطعة مسجّلة ما زالت بحوزة مقاتل مع قطعة انتقلت إلى عهدة الجهة المتحققة.
هذه هي أهمية “سلسلة الحيازة“: أن يمكن وصل هوية القطعة بالجهة المسؤولة عنها خلال كل انتقال. وفي الحالة الكولومبية، اجتمعت السجلات مع مراقبة الحاويات وضبط الوصول إليها. نصّ البروتوكول على تقييد دخول منطقة التخزين بالمكوّن الدولي، وعلى ترتيب للإقفال يوزّع المفاتيح بينه وبين قائد “فارك” المحلي. وهذه صيغة متفق عليها لضبط العهدة، وليست وصفًا يصلح افتراضه في بعثات أخرى.
وشرح بيان رئيس المراقبين وجود مراقبين بصورة دائمة قرب الحاويات، مع ترتيبات إنذار ومراقبة. أما حماية النقل، فيوثّق التقرير الختامي للبعثة أن الحاويات أُخرجت من 26 معسكرًا بين 31 يوليو/ تموز و15 أغسطس/ آب 2017، ونُقلت إلى مستودع مركزي قرب بوغوتا في قوافل واكبتها الشرطة والقوات المسلحة. وهكذا اختلفت مهمة تسجيل السلاح وحفظ عهدته عن مهمة تأمين طريق نقله.
كما أنّ التخزين، مهما كانت حراسته، لا يغيّر تلقائيًا حال السلاح. فإذا كان التسليم ينقل حيازته إلى جهة أخرى، فإنّ التخزين يحدد مكان حفظه وشروط الوصول إليه. أما التعطيل فيستهدف إخراجه من قابلية الاستخدام كسلاح، بينما يعني التدمير إتلافه ماديًا. وقد يتداخل التعطيل والتدمير بحسب الإجراء المعتمد، لكن وصف قطعة بأنها “مخزّنة” لا يكفي لوصفها بأنها “مدمّرة“.
بندقية وسترة معلّقتان على شجرة داخل معسكر لا إلفيرا التابع لفارك في كولومبيا، 17 يناير 2017، قبل بدء عملية التسجيل والتسليم في مارس – غيتي
كيف تُوثّق نهاية السلاح؟
يسجّل التقرير الختامي بدء تعطيل الأسلحة في المستودع المركزي في 16 أغسطس/ آب 2017، بعد نقل الحاويات. ثم أعلنت البعثة في بيان 22 سبتمبر/ أيلول انتهاء الأنشطة المتعلقة بإلقاء السلاح، بما شمل تعطيل الأسلحة المجموعة في المعسكرات والمستخرجة من المخابئ. وبلغت الحصيلة المعلنة 8,994 قطعة سلاح.
هذه الحصيلة تختلف في نطاقها وتاريخها عن رقم الأسلحة الفردية المسجّلة في إعلان يونيو/ حزيران. لذلك لا تصح قراءة الرقمين على أنهما جردان متعارضان للمجموعة نفسها في اللحظة نفسها، ولا تحويل الفارق بينهما تلقائيًا إلى كمية سلاح كانت مخفية.
ويبدأ التوثيق قبل الإعلان الختامي: استمارة تربط السلاح بهويته، ثم تتبّع لحالته. وفي الترتيبات التنفيذية، يبلّغ المكوّن الدولي آلية المراقبة بإتمام كل مرحلة والأنشطة التي أنجزها؛ وتصدر عنها إفادة المرحلة للجمهور. كما نصّ البروتوكول، في مسار إتلاف المواد غير المستقرة، على سجل يثبت التاريخ والوقت والموقع والكمية والنوع. هذه أدلة على وقوع عمل محدد، وليست مجرد إعلان نية.
لكن مستوى اطلاع الجمهور مختلف عن مستوى اطلاع المراقب. فالوثائق المستخدمة هنا تتيح قراءة قواعد التسجيل والتوثيق وحصيلة التنفيذ؛ ولا ترفق ملفًا كاملًا لكل قطعة منذ تسلّمها حتى تعطيلها. لهذا تُنسب النتيجة إلى شهادة البعثة، ولا تُقدَّم بوصفها تدقيقًا صحافيًا مستقلًا لكل سلاح على حدة.
ما الذي لا تثبته شهادة التحقق؟
أبرز الحدود يظهر في ملف المخابئ نفسه. يقول التقرير الختامي إن “فارك” قدمت معلومات عن أكثر من 1,000 مخبأ، وإن البعثة أنجزت 182 عملية لمعالجة 750 مخبأ حتى 15 سبتمبر/ أيلول 2017. وبعد ذلك تولّت القوات المسلحة الكولومبية مسؤولية المخابئ المتبقية بمساندة أعضاء سابقين من الحركة. كان لاختصاص البعثة، إذن، نطاق وزمن وحدّ تنتهي عنده مسؤوليتها المباشرة.
والاستنتاج من هذا النطاق أن المراقب يستطيع تأكيد ما عاينه وسجّله، وما استلمه أو راقب تخزينه، وما وثّق تعطيله ضمن ولايته. لكنه لا يستطيع، بمجرد ذلك، نفي وجود مخبأ لم يُعلن عنه أو لم يصل إليه. كما أن إثبات إخراج قطعة بعينها من الاستخدام لا يثبت أن حاملها السابق فقد كل طريق للحصول على سلاح آخر.
هذه حدود للأدلة، وليست اتهامًا تلقائيًا بإخفاء السلاح. فالجزم بوجود مخزون غير معلن يحتاج بدوره إلى دليل. والمطلوب عند قراءة أي حصيلة هو الحفاظ على نطاق عبارتها: هل تتحدث عن الأسلحة المسجلة، أم المستلمة، أم المعطلة، أم عن اكتمال التزامات جماعة بعينها؟ كل توسيع في الاستنتاج يحتاج إلى ما يسنده.
نزع السلاح ليس تسريح المقاتلين
تميّز الأمم المتحدة بين إخراج السلاح من أيدي أعضاء الجماعات المسلحة، وفصلهم عن بنيتها العسكرية، ومساعدتهم على العودة إلى المجتمع. فنزع السلاح يعالج الأسلحة، فيما يعالج التسريح خروج الأشخاص من هياكل القيادة والتنظيم العسكري. أما إعادة الإدماج فتعالج انتقالهم الاجتماعي والاقتصادي إلى حياة مدنية قابلة للاستمرار.
ولهذا لم تكن شهادة تسليم السلاح في كولومبيا شهادة اكتمال إعادة الإدماج. يوضح تقرير يونيو/ حزيران 2017 أن البعثة كانت تصدر شهادات فردية لمن ألقوا أسلحتهم لتيسير انتقالهم إلى الوضع القانوني. ثم بدأت بعثة التحقق اللاحقة، في 26 سبتمبر/ أيلول، متابعة التزامات إعادة الإدماج والضمانات الأمنية، بما يوضح أن موضوع التحقق نفسه تغيّر.
