نوطٌ للشجاعة للعقيد مدثر إرساوي.. وقصةٌ للوفاء

نوطٌ للشجاعة للعقيد مدثر إرساوي.. وقصةٌ للوفاء

Loading

نوط الشجاعة لمدثر ليس مجرد قطعة من معدن …إنه قصة تُعلّق في ذاكرة وطن.

هي دروسُ الشجاعات الكبرى، وقيمُ الوفاء العاليات، حين تتقطّر على تراب الوطن زرعاً، وتفتح في أكثر أيامه عتمةً فسحةَ أملٍ للأجيال.

 

كان مدثر خارج السودان عندما اندلعت الحرب. عرفته سنوات العمل قريباً من الفريق أول عبد الفتاح البرهان، سكرتيراً ومرافقاً له. وفي زمن سابق، شكا منه محمد حمدان دقلو وشقيقه، واتّهماه بعدم احترامهما، وقالا إنهما لن يأتيا إلى مكتب البرهان ما دام فيه. ثم نُقل لاحقاً للعمل ملحقاً عسكرياً خارج البلاد.

 

وكان يمكن للحكاية أن تنتهي هناك.

 

لكن حين اشتعلت الخرطوم، وحين كانت الطرق تحمل الناس بعيداً عنها، فعل مدثر العكس تماماً.

 

عاد إلى بورتسودان، ومنها شق طريقه إلى العاصمة، ثم مضى في رحلة تبدو اليوم أقرب إلى الحكايات التي يرويها الناس بعد الحروب: تسلّل وسط النار وطائف الموت حتى نجح في الوصول إلى القيادة العامة.

لم يكن ذاهباً يبحث عن موقع جديد، ولا رتبة، ولا مكسب. كان يعود إلى موقعه القديم في ساعة لم يعد فيها الموقع امتيازاً، بل صار احتمالاً مفتوحاً للموت.

عاد ليكون في خدمة قائده.

 

واليوم، حين يُسلَّم مدثر نوط الشجاعة، يصبح السؤال أكبر من النوط نفسه:

أهي الشجاعة؟

نعم.

 

ولكن أليست أيضاً وفاءً نادراً، حين يعود الإنسان إلى صاحبه في الساعة التي يفرّ فيها الآخرون من الموت؟

أم هي الفداء؛ ذلك المعنى القديم الذي لا تصنعه الخطب، وإنما يصنعه رجل يعرف أن أمامه النار، ثم يمضي إليها لأنه يعتقد أن مكانه هناك؟

 

ربما كانت هذه القصة هي الأشياء الثلاثة مجتمعة: شجاعة الجندي، ووفاء الرفيق، وفداء الإنسان.

والأوطان التي مزقتها الحروب لا تعيد بناء نفسها بالحجر والمال وحدهما. إنها تحتاج أيضاً إلى أن تحفظ مثل هذه القصص؛ لأن الأمم تبني ذاكرتها بما تختار أن ترويه لأبنائها.

 

أن تقول لهم إن رجلاً كان في مأمن، بينما كانت العاصمة تحترق والناس يغادرونها، فاختار الطريق المعاكس؛ عاد إلى وطنه، ودخل إلى مدينته، وعبر النار حتى بلغ القيادة العامة.

 

لهذا فإن نوط الشجاعة الذي عُلّق اليوم على صدر مدثر ليس مجرد قطعة من معدن.

إنه قصة ينبغي أن تُعلّق في ذاكرة وطن.

فالشجاعة تنتهي بانتهاء المعركة، أما الوفاء حين يتحول إلى قدوة، فإنه يتقطّر على الأرض زرعاً، ويمضي من جيل إلى جيل.

 

وفي وطن أثخنته الحرب، ربما يكون من أجمل ما نستطيع إنقاذه للأجيال القادمة أن نقول لهم:

هكذا يكون الرجال حين تضيق الطرق، وهكذا يصبح الوفاء ضرباً من ضروب الشجاعة.