يوميات خليل السكاكيني.. حكاية مفكر وثّق نهضة التعليم في فلسطين ووجع النكبة

يوميات خليل السكاكيني.. حكاية مفكر وثّق نهضة التعليم في فلسطين ووجع النكبة

Loading

لا تبدو يوميات خليل السكاكيني مجرد مذكرات شخصية لمفكر فلسطيني عاش بين القدس والقاهرة، وبين التعليم والسياسة واللغة.

فهي، في جانب كبير منها، أرشيف حيّ لفلسطين قبل النكبة: مدارسها، مثقفوها، نقاشاتها، بيوتها، خوفها المبكر من الصهيونية، ثم وجعها الكبير حين جاء عام 1948.

في هذه اليوميات، يظهر السكاكيني رجلًا متعدد الوجوه: معلّمًا ثائرًا على أساليب التعليم التقليدية، وكاتبًا حداثيًا شديد الصراحة، ومثقفًا مشغولًا بالنهضة العربية، وفلسطينيًا رأى بيته في القطمون يتحول من حلم شخصي إلى جزء من ذاكرة الفقد.


 تُقرأ يوميات خليل السكاكيني بوصفها أرشيفًا حيًا لفلسطين قبل النكبة، لا سيرة شخصية فقط

لذلك لم يكن غريبًا أن يصفه الأديب عباس محمود العقاد بأنه “إنسان بكل ما تحمله كلمة إنسان من رفعة وعمق“، ولا أن يرى باحثون في يومياته واحدة من أهم الوثائق التي تضيء التاريخ الفلسطيني السياسي والاجتماعي والثقافي في النصف الأول من القرن العشرين.

وبحسب الدكتور سليم تماري، كبير الباحثين في مؤسسة الدراسات الفلسطينية والأستاذ في جامعة بيرزيت، فإن رسائل السكاكيني وكتبه، وفي مقدمتها يومياته ومذكراته، شكّلت قاعدة مبكرة للكتابة الحداثية في فلسطين، بسبب ما حملته من أفكار تحررية ورؤى تربوية لم يتمّ تقديرها على نحو واسع إلا بعد نشر هذه اليوميات.


من هو خليل السكاكيني؟


وُلد خليل السكاكيني عام 1878 في حي المصرارة بالقدس لأسرة مسيحية أرثوذكسية متواضعة. كان والده نجارًا، بحسب تماري، فيما كان التعليم في تلك المرحلة مقتصرًا إلى حد بعيد على مدارس الإرساليات الأجنبية.

تلقى السكاكيني تعليمه الأساسي في هذه المدارس، التي شكّلت آنذاك مساحة احتكاك بين الحداثة الوافدة من الغرب وأفكار النهضة العربية التي نشطت في بلاد الشام، ولا سيما في لبنان.



ويشير تماري إلى أن المثال الأعلى للسكاكيني في تلك المرحلة كان نخلة زريق، أحد رموز النهضة العربية في لبنان، إذ فتحت أفكاره أمام الشاب المقدسي بابًا واسعًا على تيارات فكرية امتدت من بطرس البستاني وناصيف اليازجي إلى أسئلة اللغة والتربية والهوية.

في ثمانية كتب، وثّق السكاكيني محطات واسعة من حياته: سنوات فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى، تجربة السجن خلال الحرب، نشاطه الوطني والتعليمي، وحياته الاجتماعية والثقافية في القدس.

وبالنسبة إلى الدكتور عصام نصار، المؤرخ الفلسطيني والأستاذ في معهد الدوحة للدراسات، تكتسب هذه الكتب أهميتها لأنها ليست سيرة فردية فقط، وإنما مجموعة وثائق عن التاريخ الفلسطيني السياسي والاجتماعي والثقافي.



خليل السكاكيني: القدس عشية النكبة | مذكرات

يوميات بدأت من حب وسفر


تبدأ يوميات السكاكيني عام 1907، حين سافر من ميناء يافا إلى الولايات المتحدة بحثًا عن عمل يمكّنه من الزواج بحبيبته سلطانة عبده، التي تعرّف إليها خلال عملها مدرسة في إحدى مدارس القدس.

خلال ذلك العام، كتب السكاكيني رسائل كثيرة إلى سلطانة، فيما يبدو أنها ردّت عليه مرتين فقط، وفق ما يذكر نصار. وتمتاز هذه الرسائل، بحسب المؤرخ الفلسطيني، ببعد عاطفي لافت، إذ كان السكاكيني صريحًا في حبّه في فترة كان المجتمع الفلسطيني فيها محافظًا إلى حد كبير.

أما تماري فيصف حب السكاكيني لسلطانة بأنه كان حبًا “أسطوريًا”، إلى درجة أن الشاعر زكريا محمد عنون إحدى مقالاته عنه بعبارة “مجنون سلطانة”. وقد دفعه هذا الحب إلى الهجرة من أجل جمع المال والزواج منها، ثم إلى العودة سريعًا حين سمع أن علاقتها به بدأت تفتر.

لم يحقق السكاكيني الهدف العملي الذي سافر من أجله، لكن تجربته في أميركا تركت أثرًا فكريًا عميقًا في حياته. فقد احتك هناك بعدد من رموز الحركة الثقافية العربية في المهجر، وعمل تحديدًا مع فرح أنطون في إصدار صحيفة في نيويورك.

كما تعرّف، وفق نصار، إلى الثقافة الأميركية والعالمية، وتأثر بأفكار فريدريك نيتشه، وخصوصًا فكرة “الشخص القوي“. وقد انعكس ذلك لاحقًا في مشروعه التعليمي، إذ صار مشغولًا ببناء الإنسان لا على المستوى المعرفي فقط، وإنما من ناحية الجسد والصحة والرياضة والشخصية الحرة.


المدرسة الدستورية.. تعليم بلا إذلال


تزامنت عودة السكاكيني إلى القدس مع عودة العمل بالدستور في الدولة العثمانية. وقد أتاحت له أجواء الحرية الجديدة أن ينخرط في الشأن العام، وأن يعمل في الصحافة محررًا في مجلة “الأصمعي“، قبل أن يخوض أولى معاركه السياسية مع الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية.

عام 1909، افتتح السكاكيني المدرسة الدستورية، وهي تجربة تربوية بدت متقدمة على زمنها في فلسطين والمنطقة العربية. ويرى أكرم مسلم، الروائي ومحرر يوميات خليل السكاكيني، أن تلك المرحلة كانت الأكثر أهمية في تجربة السكاكيني على المستوى الوطني، لأنه انتقل فيها من التنظير إلى التطبيق.

عمليًا، تمرّد السكاكيني على كثير من التصورات التربوية السائدة. فقد أراد مدرسة غير دينية، عابرة للطوائف والأديان، لا تقوم على العقاب والحفظ والطاعة، وإنما على احترام التلميذ وتحرير شخصيته.


في يومياته، لخّص السكاكيني فلسفة المدرسة باعتبارها تقوم على إعزاز التلميذ لا إذلاله، وتكبير نفسه لا تصغيرها، وإطلاق حريته لا تقييدها. ولذلك رفض العقاب والجوائز والعلامات، معتبرًا أن أثرها سيئ في نفس التلميذ. 

طرح السكاكيني تصورًا تربويًا متقدمًا يقوم على احترام التلميذ وتحرير شخصيته لا على العقاب والطاعة 

ويشرح نصار أن المدرسة التي أرادها السكاكيني كانت تسعى إلى تطوير قدرات الطالب ومهاراته، ليكون مواطنًا صالحًا ونشطًا وملتزمًا بأفكار العدالة الاجتماعية والدستورية التي كانت حاضرة في ذلك الزمن.

ولم يكن البعد الإنساني في فكر السكاكيني محصورًا في التربية. فبحسب تماري، لم يكن الرجل يصنف نفسه قوميًّا بالمعنى الضيق، وإنما جزءًا من إنسانية أوسع، يدعو إلى تحررها من القوالب القامعة.



النهضة العربية والوعي المبكر بالخطر الصهيوني


كان للحرب العالمية الأولى، التي اندلعت عام 1914، أثر مدمر على البلدان والشعوب العربية. وقد دفعت السكاكيني إلى إعادة التأمل في سؤال الدولة والمستقبل السياسي للمنطقة العربية، وفي قلبها فلسطين التي كانت تتجه إلى مرحلة أشد قسوة.

يقول نصار إن السكاكيني أدرك خلال الحرب أن على العرب أن يقيموا نهضتهم الخاصة. لم يكن يتحدث بالضرورة عن دولة مستقلة بصيغتها السياسية اللاحقة، لكنه كان يرى ضرورة الارتقاء بالقيم العربية، وكتب في الوقت نفسه بنبرة نقدية حادة عن الحكام الأتراك.

كما تنبه السكاكيني مبكرًا إلى خطورة الحركة الصهيونية. وفي يومياته، انتقد مشروعًا يحاول، كما رأى، أن يبني وجوده على أنقاض الآخرين، متسائلًا عن موقف الدولة العثمانية والحكومات الأوروبية من هذا المسار.

ويلفت نصار إلى أن السكاكيني تنبه لخطورة الحركة الصهيونية مبكرًا.


تنبه السكاكيني مبكرًا إلى خطورة المشروع الصهيوني، ودوّن موقفه في يومياته بعبارات واضحة

ويشير تماري إلى أن السكاكيني خاض جدالات شديدة مع عدد من دعاة الفكر الصهيوني، وبينهم بعض طلابه من اليهود. ومع ذلك، لم تمنعه معارضته للمشروع الصهيوني من التصرف انطلاقًا من قيم إنسانية حين التجأ إليه يهودي فارّ يدعى ألتر لافين في شتاء عام 1917.

بحسب مسلم، طلب العثمانيون، مع دخول الولايات المتحدة الحرب، مغادرة من كانوا يحملون الجنسية الأميركية القدس. ولجأ لافين إلى السكاكيني، فقرر الأخير أن يؤويه انطلاقًا من قيمه العربية والإنسانية، ما أدى إلى اعتقاله واقتياده سيرًا على الأقدام إلى دمشق.

وقد رأى السكاكيني في تلك الواقعة امتحانًا لقيمه؛ فالمستجير، في نظره، لم يلجأ إلى شخصه فقط، وإنما إلى تقاليد عربية عميقة في إغاثة من يطلب الحماية. 

“هنا لا يسعني إلا أن أقول إنه خولني شرفًا عظيمًا بالتجائه إلي، إذ جعلني وأنا الضعيف العاجز أهلًا لأن أمثل روح تاريخنا في إيجارة المستجير”.

وبحسب تماري، أمضى السكاكيني فترة طويلة من عام 1918 في سجن دمشق، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا.

بعد خروجه، انتقل السكاكيني إلى أوساط الثورة العربية في جبل الدروز، ثم إلى ثورة الأمير فيصل. ويلفت تماري إلى أنه وضع أول نشيد قومي عربي لصالح الأمير فيصل، حمل اسم “المليك المفدى“.

في تلك المرحلة، آمن السكاكيني بأن على العرب أن ينالوا استقلالهم. وبحسب نصار، كان من مؤيدي استقلال بلاد الشام في دولة سورية واحدة، وكان يكتب “القدس – فلسطين – سوريا الجنوبية”، معتبرًا أن فصل فلسطين عن سوريا جزء من المشروع الصهيوني.


منزل خليل السكاكيني في حي القطمون في القدس


– صفحة التراث الفلسطيني على فيسبوك  


الانتداب البريطاني واستقالة احتجاجية


عاد السكاكيني إلى القدس مع بدايات الانتداب البريطاني، وعُين مفتشًا عامًا للغة العربية. لكنه لم يمكث طويلًا في منصبه، إذ استقال بعد وصول هربرت صموئيل مندوبًا ساميًا إلى فلسطين.

يوضح نصار أن السكاكيني كان مدركًا لموقع هربرت صموئيل ودوره، باعتباره أحد الصهاينة الإنكليز ومن أوائل الداعين إلى تحويل فلسطين إلى “وطن قومي يهودي“.

أما تماري فيرى أن استقالة السكاكيني من منصبه لم تكن احتجاجًا على شخص صموئيل فقط، وإنما على تبنّي الانتداب مشروع تطبيق وعد بلفور، إلى جانب اعتراضه على تدخل السلطات الانتدابية في مناهج التعليم بالمدارس الحكومية.


منهاج “الجديد”


بعد مغادرة هربرت صموئيل منصبه عام 1925، قرر السكاكيني العودة إلى العمل مفتشًا للغة العربية في فلسطين، وشرع في وضع المنهاج الذي أسماه “الجديد“.

ويلفت تماري إلى أن أثر هذه الطريقة في التعليم لم يبق داخل فلسطين وحدها، إذ انتقلت إلى دول عربية مجاورة، من بينها تونس ومصر وسوريا.

ومع استقراره في جهاز التعليم، وتحسن وضعه المالي بفعل مبيعات كتاب “الجديد”، قرر السكاكيني أن يبني بيتًا بمواصفات مميزة. وقد سرد في يومياته، وفق مسلم، تفاصيل رحلة بناء البيت مع سلطانة.


 


في الوقت نفسه، كانت الثورة الفلسطينية الكبرى تلفظ أنفاسها الأخيرة، وكانت فلسطين تقترب أكثر من لحظة التحول الكبرى.

وقد كتب خليل السكاكيني في يومياته: “كنت أظن أني أحب الحياة، فإذا بي أحبك أنت لا الحياة، فلما غبت عني أصبحت الحياة في نظري شيئًا تافهًا لا قيمه لها. أليس من الأفضل أن لا يكون هناك حياة، فلا يكون هناك موت. أيها الناس تعالوا نفترض”.


البيت والنكبة


عام 1947، دخل الفرح حياة السكاكيني مجددًا بعد سنوات من الحزن، حين اختير عضوًا في المجمع اللغوي بالقاهرة. لكن ذلك الفرح لم يطل، إذ جاء عام 1948 حاملًا النكبة التي عاش وقائعها يومًا بعد يوم في حي القطمون بالقدس.

دوّن السكاكيني في يومياته مشاهد القتال حول بيته، ووصف ليلة قاسية من أبريل/ نيسان 1948، حين اهتزت الأرض تحت أقدام العائلة وكادت الدار تسقط على رؤوسهم. وفي الصباح، وصل القائد الفلسطيني إبراهيم أبو ديّة من ساحة القتال القريبة، مرهقًا ومغبرًا، ليخبرهم بأن عددًا كبيرًا من رجاله قُتلوا.

بعد تردد طويل، قرر السكاكيني وعائلته مغادرة تلك الناحية “إلى أجل قريب”، كما كتب. غير أن الرحيل المؤقت صار اقتلاعًا طويلًا، وتحول بيت القطمون من مكان شخصي شديد الحميمية إلى رمز من رموز الفقد الفلسطيني.

بعد النكبة، غادر السكاكيني القدس إلى القاهرة، حيث عاش بقية أيامه حزينًا على ضياع بيته، ثم مفجوعًا بوفاة ابنه سري. كان قد خسر المدينة والبيت والزوجة والابن، لكن يومياته بقيت شاهدة على حياة فلسطينية كاملة.


تحول بيت السكاكيني في القطمون من حلم شخصي إلى رمز من رموز الفقد الفلسطيني بعد النكبة 

لم تكن يوميات خليل السكاكيني إذًا سيرة مفكر فقط. كانت شهادة على القدس قبل النكبة، وعلى التعليم حين كان مشروعًا للتحرر، وعلى مثقف رأى مبكرًا ما يتهدد فلسطين، ثم عاش لحظة الفقد الكبرى بكل قسوتها.
من هنا، تستعيد هذه اليوميات قيمتها اليوم؛ لا لأنها تروي حكاية رجل استثنائي فحسب، وإنما لأنها تحفظ صورة فلسطين وهي تعيش نهضتها وأسئلتها وخوفها، قبل أن تدخل في زمن النكبة والمنفى.