![]()
اعتبر المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدكتور عزمي بشارة أنّ الإخراج الفني لعملية “اختطاف” الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو “مقصود”، مشيرًا إلى أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب “أراد التباهي بالقوة”.
ورأى بشارة أنّ العملية بذاتها ليست جديدة، مذكّرًا بما حصل في بنما عام 1989 عندما أُحضر مانويل نورييغا وحوكم وسُجن بتهمة مخدرات أيضًا، لكنه لفت إلى أنّ الجديد هو حديث الرئيس الأميركي صراحة عن الهدف، وهو السيطرة على النفط في فنزويلا.
جاء ذلك في حديث خاص إلى التلفزيون العربي أداره الزميل وائل التميمي، تحت عنوان “ماذا بقي من النظام الدولي القائم بعد احتجاز مادورو”، حيث قدّم قراءة لمعالم السياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد عام على وجوده في البيت الأبيض.
وشدّد بشارة على أنّ “ترمب يؤمن بسياسة القوة”، وينظر إلى العالم بمنطق أنّ “القوي يفرض إرادته على الضعيف”، ولفت إلى أنّه محاط برجال أعمال أقوياء مرتاحين لطبيعة تفكيره ونظرته إلى العالم.
وإذ اعتبر أنّ الطغمة الحاكمة المحيطة بترمب تريد ما وصفها بمنافع “الدولة العظمى”، من دون التزاماتها، أشار إلى وجود تيار في الولايات المتحدة يخشى على مصير الديمقراطية نتيجة سياسات ترمب.
وفي حين شدّد على أنّ الانتخابات النصفية تبقى المحطة الأهم لتقييم ردّة الفعل على سياسات ترمب، تحدّث عن لوبي إسرائيل قوي يحيط به، منبّهًا إلى أنّه مستعدّ للقبول بأن تمتدّ مناطق نفوذ إسرائيل إلى الدول العربية المجاورة.
أكثر من ذلك، اعتبر الدكتور بشارة أنّ الرئيس ترمب يريد من العرب القبول بأن تقود إسرائيل المنطقة، محذرًا من أنّ إسرائيل تسعى لتحويل البحر الأحمر إلى منطقة نفوذ تابعة لها. واستغرب عدم وجود تصدّ لها، مشدّدًا على غالبية الصراعات المستمرة في منطقتنا يمكن أن تنتهي بتوفر التنسيق العربي.
كما اعتبر أنّ الوقت مناسب للتوصل إلى تفاهمات على مستوى المشرق العربي، داعيًا إلى إقامة نظام إقليمي حتى مع تركيا وإيران في مواجهة المشاريع الأميركية الإسرائيلية، معتبرًا أنّ العرب قادرون على فرض مطالبهم على إيران في هذا الصدد.
اختطاف مادورو.. “إخراج مقصود” للتباهي بالقوة
من الحدث المستجدّ في فنزويلا، انطلق المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في حديثه إلى التلفزيون العربي، حيث اعتبر أنّ الإخراج الفني لعملية اعتقال، بل اختطاف الرئيس الفنزويلي، “مقصود”، بل يكاد يكون عملاً فنيًا متعمدًّا، مشيرًا إلى أن ترمب نفسه تفاخر بالعملية وقال إنه كان كمن يشاهد فيلمًا تلفزيونيًا أو سينمائيًا.
ورأى بشارة أن الهدف كان مزدوجًا: ترك انطباع لدى جمهور ترمب داخل الولايات المتحدة، وترك انطباع “رادع/تخويفي” لدى قادة العالم. واعتبر أن إدراج تفاصيل مثل تصوير الرئيس “المختطف” بالأصفاد من زوايا متعددة، مرة من الطائرة ومرة من السفينة ومرة من السيارة، وإظهار ترمب ومعه موظفون يراقبون العملية “عن قرب” وبث مباشر، يدخل في سياق الرسالة نفسها.
ومع تأكيده أن الإخراج الاستعراضي هو العنصر الأبرز، قال بشارة إن العملية بذاتها ليست جديدة، مذكّرًا بما حصل في بنما عام 1989 عندما أُحضر مانويل نورييغا وحوكم وسُجن بتهمة مخدرات.
المشهد الهوليوودي مقصود… يكاد يكون إخراجًا فنيًا
وتوقف عند ما وصفه بنمط متكرر في علاقة واشنطن بأميركا اللاتينية، وهو استخدام “تهمة المخدرات” عند الخلاف مع قادتها، حتى لو كانوا في مرحلة ما “موالين” للولايات المتحدة، معتبرًا أن هذه التهمة تقوم على صور نمطية وعنصرية تُلصق بأميركا اللاتينية.
لكن الجديد، وفق بشارة، هو “السفور والوضوح”، لجهة استخدام قضية المخدرات كغطاء من دون أي محاولة للاحتماء بمبرر قانوني دولي، ولكن أيضًا، اللجوء صراحة إلى القانون الأميركي ضد رئيس دولة أجنبية.
وأوضح أن تطبيق القانون الأميركي على رئيس دولة ذات سيادة “لا أساس له في القانون الدولي”، مشدّدًا على أنّ ترمب لا يحترم القانون الدولي ولا يكترث له، بل “لا يريد أن يبدو كأنه يحترم القانون الدولي”، ولذلك يتعمّد القفز فوقه.
ترمب قالها بصراحة: “نريد النفط”
أبعد من ذلك، ذهب الدكتور بشارة، حيث توقف عند التصريح الصريح الذي أدلى به ترمب حول الغاية الاقتصادية من العملية، وذلك حين تحدّث بوضوح عن “السيطرة على النفط”، حتى إنّه قارن نفسه بمن سبقوه، ولا سيما أولئك الذين “لم يحتفظوا بنفط العراق”، بينما هو “سيحتفظ بنفط فنزويلا”، وفق تعبيره.
وأشار بشارة إلى أن هذا الكلام كان يُتداول سابقًا بوصفه خطاب “اليسار الراديكالي” الذي يتهم الولايات المتحدة بالسعي لوضع اليد على ثروات الشعوب، في حين أنّ الرئيس الأميركي يقولها الآن مباشرةً: “نريد النفط، هذا النفط لنا، أعيدوا لنا النفط”. واعتبر أنّ ترمب يعكس المعنى بالكامل حين يصف “تأميم فنزويلا لنفطها” بأنه “سرقة”، قائلًا إننا أمام “عالم مقلوب تمامًا”.
وفي سياق الحديث عن فنزويلا داخليًا، قال بشارة إن البلاد أصابها ما يصيب الدول الريعية السلطوية (تراجع ديمقراطي، بيروقراطية فاشلة، وتحول نحو دولة أمنية)، لكنه شدد على أن ذلك “لا علاقة له بنوايا ترمب”، لأن الولايات المتحدة صديقة لعديد من الديكتاتوريات والأنظمة الفاسدة والفاشلة.
واعتبر أن ترمب كشف معيار التدخل الحقيقي عندما هدّد ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس الفنزويلي، التي تولّت مهام الرئاسة بالوكالة بعد احتجاز نيكولاس مادورو، قائلًا إن مصيرها سيكون كمصير مادورو إن “لم تتعاون”، ليخلص إلى أن المشكلة ليست مخدرات ولا ديمقراطية ولا ديكتاتورية، بل “التعاون من عدم التعاون مع الولايات المتحدة”.
جرس إنذار لدول أميركا اللاتينية
وحول ما إذا كانت السياسة الترامبية مجرد نزعة شخصية أم تقوم على أساس أيديولوجي، قال بشارة إن الأمرين حاضران معًا: “ظاهرة الفرد” التي تؤمن بسياسات القوة وترى العالم بقاعدة بسيطة مفادها أن القوي ينتصر ومن حقه أن يأخذ ما يستطيع، ثم “الفكرة” التي تعود إلى مراحل سابقة من التاريخ السياسي الأميركي.
واستعاد بشارة مبدأ مونرو بوصفه مدخلًا لفهم ما سماه عودة “مناطق النفوذ”، معتبرًا أن استعادة هذه الفكرة في زمن تُفترض فيه سيادات دولية محكومة بمواثيق وقوانين، “أمر خطير”، ومشدّدًا على أنه يجب أن يشكّل جرس إنذار لدول أميركا اللاتينية، خصوصًا مع خطاب يتعامل مع المنطقة بمنطق: عليكم أن تشتروا منا وتبيعونا وتفتحوا المجال لشركاتنا، وكأن واشنطن “تدير” شؤون البلدان.
المشكلة ليست مخدرات ولا ديمقراطية.. المشكلة هي التعاون من عدم التعاون مع الولايات المتحدة
وفي تفصيل لطريقة تفكير ترمب، قال بشارة إنه يؤمن بسياسات القوة وينظر إلى العالم بمنطق أن القوي يفرض إرادته على الضعيف، فهو لا يكتفي بفكرة الهيمنة الأميركية، بل يبدي استعدادًا لاحترام “الأقوياء الآخرين” أيضًا: يرى بوتين “الرجل القوي” في أوروبا الشرقية ومن حقه أن يتوسع في أوكرانيا، وقد يقبل ضمنيًا بحق الصين مستقبلًا في تايوان، ويقول لحلفاء واشنطن إن عليهم الاعتماد على أنفسهم بدل الاتكال على الولايات المتحدة.
وضمن المنطق نفسه، اعتبر بشارة أن ترمب يرى نتنياهو “القوي” في المنطقة، وأنه يتوقع من العرب أن “يتفهموا” ذلك، إلى أن يتلقى ترمب “صفعة” تغيّر قواعد اللعب.
الشعبوية ورجال الأعمال.. و”الرُقعاء”
وربط الدكتور بشارة هذا النهج الذي يعتمده ترمب بتيار شعبوي داخل الولايات المتحدة يقبل بسياسات القوة تحت شعار “إعادة مجد أميركا”، مع وجود تناقض داخلي بين نزعة الانكفاء إلى الداخل والرغبة في إظهار قوة مفرطة.
وأشار كذلك إلى أن ترمب محاط برجال أعمال وأصحاب شركات، خصوصًا من قطاع التكنولوجيا المتقدمة والتطوير العقاري، وقال إن كثيرين منهم باتوا مقتنعين بهذا التوجه، ويريدون رئيسًا قويًا يفرض مصالحهم، بما في ذلك فرض حرية عمل شركات السوشال ميديا والهاي تيك عالميًا بدل أن تُقيّدها قوانين دول أخرى، في إشارة إلى سجالات من هذا النوع مع الاتحاد الأوروبي.
وضمّ إلى ذلك وصفه لفئة من المحيطين بترمب بأنهم “رُقعاء”، وفق تعبيره، مشيرًا إلى أنّ عبارة “رقيع” في اللغة العربية هي كلمة جميلة تجمع بين الحماقة والوقاحة، والغباء والسفاهة، معتبرًا أنّ هؤلاء يعتمدون على الإسكات والهجوم الشخصي، مع نقص معرفة وكثير من الكذب.
إشكالية “النظام الدولي” وصراحة ترمب
وردًا على سؤال حول الحديث عن “نظام عالمي جديد”، اعتبر بشارة أن مفهوم “النظام الدولي” ذاته طالما كان إشكاليًا، مستشهدًا بانتهاكات واحتلالات وحروب تلت الحرب العالمية الثانية رغم قيام المواثيق الدولية. لكنه عاد ليشدد على أن الجديد مع ترمب هو “الصراحة” والإعلان العلني عمّا كان يُمارَس عادةً مع قدر من التمويه.
لكنه دعا إلى الانتباه أيضًا ممّا سماه “الأفعال الناعمة” غير العنيفة التي تضرب النظام الدولي، مثل انسحاب الولايات المتحدة من عشرات المنظمات الدولية. وذكر أن واشنطن انسحبت من 66 منظمة، بينها منظمات تابعة للأمم المتحدة وأخرى دولية مستقلة، مشيرًا إلى أمثلة مثل مجلس حقوق الإنسان واليونسكو ومنظمة الصحة العالمية.
وإذ لفت إلى أن ترمب ينسف فضاء “العمل المتعدد الأطراف” في مجالات الصحة والمناخ وغيرها، خلص إلى أن الطغمة الحاكمة المحيطة بترمب “تريد منافع الدولة العظمى، لكن من دون التزامات الدولة العظمى”.
هل ينتهي كل شيء بخروج ترمب؟
واستبعد بشارة أن ينتهي هذا التوجه بخروج ترمب من البيت الأبيض، موضحًا أنّ أثر “الهيبة” والتهديدات السافرة التي تترافق مع تنفيذ في بعض الحالات، يترك انطباعًا عالميًا يجعل الدول “تحسب حساب” واشنطن.
وفي المقابل، قال إن الداخل الأميركي مختلف، مشيرًا إلى غياب نتائج اقتصادية سريعة، وإلى أن حملات ترحيل المهاجرين غير النظاميين قد تضر قطاعات تستفيد من اليد العاملة الرخيصة مثل الزراعة والخدمات والبناء.
كما تحدث عن مخاوف من تآكل قواعد اللعبة الديمقراطية، وتجاهل الكونغرس، ووجود مشكلات في حرية التعبير، وملاحقات قضائية للخصوم وصفها بأنها تشبه “صيد الساحرات”، فضلًا عن “السفور” في إثراء العائلة والمحيطين.
وفي حين تحدّث عن تيار في الولايات المتحدة يخشى على النظام الديمقراطي من سياسات ترمب، شدّد على أنّ الانتخابات النصفية هي المحطة الأهم لتقييم ردة الفعل داخليًا على سياسات ترمب.
أوروبا بين الخوف وازدواجية المواقف
وعن ردود الفعل الدولية، قال بشارة إن أحدًا لا “يهضم” ما جرى، لكن التخويف يفرض حذرًا.
وفي الحالة الأوروبية، تحدث عن “قصر نظر” وازدواجية، باستثناء مواقف محددة، معتبرًا أن بعض الزعماء يريدون إرضاء واشنطن بأي ثمن خشية انعكاسات ذلك على الناتو ومواجهة روسيا. ورأى أن ترمب ومن حوله “لا يحترمون سوى القوي”، وأن أوروبا إن بقيت ضعيفة ستظل في موقع الاستعطاف.
وأشار إلى أنّ واشنطن ترسل رسائل واضحة بأنها ليست في حاجة إلى الناتو في حين يحتاج الحلف إليها، وربط ذلك بما طرحه ترمب حول غرينلاند بوصفه جزءًا من مقاربة توسعية واقتصادية، يريد عبرها “طبع عهده” بصفقات وتحولات من هذا النوع.
هل تفعلها الصين مع تايوان؟
ورداً على سؤال حول ما إذا كانت الخطوة الأميركية في فنزويلا قد تشجّع الصين على فعل مماثل تجاه تايوان، قال بشارة إن ذلك “بالتأكيد” وارد، موضحًا أنّ بكين خسرت مصدرًا للنفط الرخيص، إذ إن فنزويلا كانت مضطرة لبيع النفط بأسعار زهيدة بسبب العقوبات، فيما ستبيع الولايات المتحدة النفط “بسعر السوق” إذا سيطرت عليه.
وتوقف بشارة عند مفارقة لافتة في سياق حديثه، حيث لفت إلى أنّ العقوبات الأميركية هي التي منعت إعادة تأهيل البنية التحتية وكانت عاملاً رئيسيًا في تراجع إنتاج النفط إلى ما دون مليون برميل، بعدما كان يبلغ قرابة ثلاثة ملايين ونصف إلى أربعة ملايين في فترات سابقة.
ورأى أنّ الصين خسرت النفط الرخيص، لكنها قد تربح “أمرًا آخر”: هامش حرية أكبر للتحرك في “منطقة نفوذها” إذا صار العالم يُدار بمنطق مناطق النفوذ. وأضاف أنّ روسيا ستستفيد أيضًا من الفوضى، معتبرًا أنّ موسكو “أصلًا مستفيدة” من واقع الحرب في أوكرانيا.
ترمب يرى العالم من زاوية بسيطة: القوي ينتصر.. وهو مستعدّ أن يحترم الأقوياء الآخرين أيضًا
وفي تفريقه بين روسيا والصين، قال بشارة إن الصين، رغم أنها بنت قوة عسكرية هائلة، حريصة للغاية على بقاء التجارة الدولية مستقرة، لأن كيانها الاقتصادي قائم على التجارة العالمية، ولا تريد خللًا في التجارة ولا حروبًا واسعة. لكنه شدّد على أنّ بكين “صارمة وحازمة جدًا” داخل نطاق نفوذها، وتتعامل مع تايوان بوصفها “حالة انفصالية” وليست دولة ذات سيادة، على خلاف فنزويلا التي تُعد دولة ذات سيادة ولا تمتلك الصين إزاءها المرافعة نفسها.
وأضاف أنّ ترمب “لن يتأسف كثيرًا” إذا اتُخذت خطوات ضد تايوان، معتبرًا أنّ استمرار ترمب ومجموعته فترة طويلة قد يراكم “تقليدًا سياسيًا جديدًا” مفاده أن “موضوع الديمقراطيات ليس قضية الولايات المتحدة”، وبالتالي أن روسيا قد تصبح، وفق هذا المنطق، أهم من أوروبا الغربية، وأن العلاقة مع الصين قد تُقدَّم على تايوان.
أميركا اللاتينية.. خطاب “تصالحي” مع ترمب؟
وردًا على سؤال حول خطاب بعض زعماء أميركا اللاتينية الذي بدا “تصالحيًا” مع ترمب، رغم أنّ دولهم تُعَدّ “الساحة الرئيسية المعنية” بما جرى، قال بشارة إن معظم هذه الدول “فيها انتخابات”، موضحًا أنّ زعماءها يريدون إنهاء ولاياتهم بنجاح اقتصادي كي لا يخسروا في الاستحقاقات المقبلة بسبب عقوبات أميركية أو وضع اقتصادي سيئ أو محاولات أميركية لإفشال إداراتهم، مضيفًا أنّ واشنطن “عندها أدوات كثيرة”.
وفي هذا السياق، انتقل بشارة إلى مثال الرئيسة الجديدة لفنزويلا، قائلاً إنّ شائعات خرجت عنها بأنها “تواطأت”، لكنه شدّد على أنها “شخصية وطنية” وأنه “لا علاقة لها بما يجري”، مضيفًا أنها رفضت في البداية تلقي مكالمات هاتفية من الولايات المتحدة، قبل أن تتعرض لضغوط على قاعدة أنها “مضطرة لإدارة البلد” في ظل حصار وتهديد وقوة عسكرية أميركية.
وتابع بشارة أنّ فنزويلا “نظام غير ديمقراطي” وفيها تزوير انتخابات، لكنها “ليست ديكتاتورية عاتية” وفق تعبيره، إذ توجد فيها حرية تعبير ومعارضون في البرلمان. وأضاف أنّ البلاد ورثت نظامًا فقيرًا وباليًا. وتحدث عن “اختراق للأجهزة الأمنية”، لكنه شدّد على أنّ المسؤولية الآن هي إدارة البلد والمرور بمرحلة انتقالية بأقل الخسائر.
هل يكرّر ترمب السيناريو في مناطق أخرى؟
وربط بشارة ذلك بتجارب شهدتها المنطقة العربية، محذرًا من أن إسقاط الأنظمة “من فوق” عبر تدخل خارجي قاد في حالات عديدة إلى فوضى وصراع أهلي طويل، مستشهدًا بليبيا واليمن والعراق، ومشيرًا إلى أنّ بلدانًا لا تزال تعيش هذه الفوضى بعد 14 إلى 15 سنة.
وخلص إلى أنّ استمرار النظام في فنزويلا لفترة ما، بما يمنع الانزلاق إلى فوضى أهلية عارمة، قد يكون “أقل سوءًا” من انهيار الدولة بالكامل.
وعن احتمال تكرار ما جرى في فنزويلا في أماكن أخرى، قال بشارة إن ذلك “وارد”، لكنه أشار إلى أنّ ترمب أحيانًا يستخدم التهديد “بدل الفعل”، فإذا كانت التهديدات فعّالة ودفعت دولًا إلى القبول بالشروط، فقد لا يصل الأمر إلى تدخل عسكري، وإن كان احتمال التكرار قائمًا.
تحالف ترمب-نتنياهو.. أيديولوجيا ومصلحة
وفي الجزء الثاني من المقابلة، توقف المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عند الملفات العربية، ونصيبها من ولاية ترمب في سنتها الأولى، حيث لفت إلى لوبي إسرائيلي قوي يحيط بالرئيس الأميركي، وأشار إلى أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعتمد منذ فترة طويلة على سياسات القوة في التعامل مع العرب.
ورأى أنّ التحالف بين ترمب ونتنياهو قائم على “الأيديولوجيا والمصلحة” في آن واحد، لافتًا إلى أنّ ترمب لا يقبل أن يكون هناك “قوي معه”، ويريد أن يظهر بوصفه الطرف الأقوى في أي معادلة، وأن نتنياهو “مستعد للعب هذه اللعبة”، حتى لو بدا أحيانًا أن ترمب “يوبّخه”، لأن ذلك مفيد في السياسة الأميركية-الإسرائيلية طالما أن نتنياهو “يأخذ ما يريد” في النهاية.
غالبيّة الصراعات المستمرة في منطقتنا يمكن أن تنتهي بتوفّر التنسيق العربي
ورأى بشارة أنّ الخلافات بين ترمب ونتنياهو “تفصيلية”، في ظل اتفاق كامل على خطوط كبرى مثل فصل غزة عن الضفة، وطرح إدارة مستقلة لغزة مع نزع سلاح حماس، وصيغ سيادة/إدارة دولية، لافتًا إلى أنّ ترمب لا يتحدّث أبدًا عن “حقوق للفلسطينيين”، وأنّ انتقاداته، حين تظهر، تكون محصورة بتفاصيل مثل “تصرفات المستوطنين”، من دون وصف الاستيطان بأنه عائق أمام السلام أو بأنه غير قانوني.
هل يقبل العرب بأن تقود إسرائيل المنطقة؟
وفي قراءته لـ”اتفاقات أبراهام”، قال بشارة إن جوهرها هو القبول بالقيادة الإسرائيلية للمنطقة بوصف إسرائيل “الطرف القوي”، معتبرًا أنّه لا معنى لـ”العملية الأبراهيمية” خارج هذا الإطار. وأوضح أنّ ترمب مستعد للقبول بأن تمتد مناطق نفوذ إسرائيل إلى الدول العربية المجاورة، وهو يريد من العرب القبول بأن تقود إسرائيل المنطقة.
وحذّر بشارة من مشروع إسرائيلي أوسع لإعادة رسم الخرائط، خصوصًا في القرن الأفريقي، عبر السعي للسيطرة على موانئ البحر الأحمر وصولًا إلى باب المندب، معتبرًا أنّ ذلك ينعكس على دول الخليج وعلى العالم العربي، ويمنح إسرائيل عناصر قوة تجعلها “تملي شروطها” وتحوّل أجزاء أكبر من العالم العربي إلى مناطق نفوذ لها.
وفيما استغرب “عدم وجود تصدٍّ واضح”، وهو ما وصفه بالمحير، رأى أنّ إسرائيل تحاول ترجمة إنجازاتها العسكرية منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 سياسيًا إلى “إبادة سياسية”، بمعنى إنهاء المشروع الوطني الفلسطيني، بالتوازي مع محاولة تحويل مساحات في لبنان وسوريا وربما الأردن إلى مناطق نفوذ لها.
الردّ الوحيد: تنسيق عربي فعليّ
وفي المقابل، اعتبر بشارة أنّ “الرد الوحيد” هو تنسيق عربي فعلي، داعيًا إلى إقامة نظام إقليمي جديد، حتى مع تركيا وإيران، لإسقاط فكرة الحاجة إلى “حماية” إسرائيل والولايات المتحدة. وقال إن موضوع الديمقراطية “غير مطروح الآن” بالمفهوم الذي كان يُطرح به سابقًا، بل المطروح هو “تمتين الدول” وإقامة نظام أمن إقليمي.
وأضاف أنّ العرب قادرون، إذا نسّقوا فيما بينهم، على فرض شروط على إيران، خصوصًا في ظل ما وصفه بوضع إيراني “ضعيف” بعد الضربات القاسية التي تعرّضت لها، بما يضمن وقف التدخل في السيادات العربية وفق “الشروط العربية”.
وبالحديث عن غزة، لفت بشارة إلى أنّ خروقات إسرائيل لوقف إطلاق النار “لن تتوقف”، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستستمر في تقديم الغطاء السياسي.
وعن “المرحلة الثانية” التي يُفترض أن تنتهي بانسحاب إسرائيل، قال بشارة إن إسرائيل “غير موافقة على البدء” بها إذا لم يُنزع سلاح حماس، متسائلًا عن كيفية نزع السلاح من دون مواصلة الحرب. وأضاف أنه لا توجد دول مستعدة للمشاركة في قوة حفظ سلام بغزة خشية التورط في نزع مسلح في غزة، بعد الإبادة الجماعية التي شهدتها.
اليمن.. نهاية مشروع الانفصال
ومن غزة إلى اليمن، انتقل بشارة ليشير إلى أن ما يجري يشير إلى نهاية مشروع انفصال جنوب اليمن، لا نهاية مشروع تفكيك اليمن، موضحًا أنّ احتمالات التفكيك لا تزال قائمة، إذ إن اليمن بات عمليًا في حالة غير متماسكة: الحوثيون يحكمون أجزاء من الشمال، والجيش الوطني يحكم أجزاء أخرى، وفي الجنوب تتعدد القوى المسيطرة بحسب المحافظات.
واعتبر أنّ القوة الظاهرة للمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن كانت أكبر من قوته الحقيقية، محذرًا من أنّ فتح باب الانفصال في اليمن قد يقود إلى تحول الدولة إلى دويلات عدة، إذ إنّ مشاريع الانفصال لن تنتهي عند عدن، إذ لحضرموت والمهرة وغيرهما هويات وتطلعات، ما قد يفضي إلى أربع أو خمس دول بدل دولتين.
واستعاد بشارة تجربة “الحوار الوطني” في اليمن بعد 2011، بعد ثورة قال إنّه كانت من “أعدل” الثورات وأصدقها. وفيما لفت إلى أنّ اليمنيين خاضوا أطول حوار وطني عربي وخرجوا بمخرجات تحافظ على وحدة اليمن وتقدّم حلولًا لقضايا الجنوب وصعدة والحوثيين، أشار إلى أنّ الحوثيين كانوا أول من انقلب على هذه المخرجات.
وانتقد بشارة ضمّ المجلس الانتقالي الذي لا يعترف بوحدة اليمن إلى المجلس الرئاسي، معتبرًا أنّ ذلك كان خطأ. ودعا إلى العودة لمخرجات الحوار الوطني وأخذ الجميع بالاعتبار، بما في ذلك الحوثيون، على قاعدة أنهم جزء من اليمن وليسوا حكام اليمن، وأن عليهم التوصل لتفاهمات توقف العداء مع السعودية ودول الجوار.
سوريا بحاجة إلى برنامج وحدوي وطني
وفي ختام المقابلة، توقف بشارة سريعًا عند المشهد السوري بعد 13 شهرًا على سقوط نظام الأسد، حيث أشار إلى أنّ سوريا تحررت من نظام الأسد لكنها لم تتحرر من مشاكل كثيرة أخرى، مشدّدًا على أنّ سوريا بحاجة إلى برنامج وحدوي وطني.
وفي حين انتقد ما وصفه بتصرف “فئوي سياسي/حزبي” أوقعنا في مشكلة بعد مشكلة، ولم يسهم في احتواء فئات الشعب السوري المختلفة، رفض منطق الثأر أو تقسيم الضحايا، مشدّدًا على أنّ ضمان الولاءات في الأجهزة الأمنية كان عاملًا مؤثرًا في السابق، وأن المطلوب اليوم “تغيير جوهري” لا تكتيكي، لأن ذلك وحده يقوّي سوريا أمام الدول الأخرى ويمنع تفكيكها.
كل الشعب السوري كان ضحية النظام السابق. نحتاج مؤتمرًا وطنيًا جامعًا… وجيشًا من الشعب السوري.
وتطرق بشارة إلى إسرائيل بوصفها “أكبر مصيبة”، محذّرًا من الذهاب إلى “لغة تطبيعية” معها، تحت عنوان الدوافع التكتيكية والرغبة بالتهدئة والنشاط الاقتصادي. واعتبر أنّ ميزان القوى الراهن لا يسمح بكسب شيء من إسرائيل، وأن الأولوية هي الحفاظ على القوة والمبادئ.
وعن “ملامح المشروع الوطني الوحدوي” الذي ينبغي على السلطة السورية تبنيه، دعا بشارة إلى مؤتمر وطني جامع، أو جمعية وطنية تأسيسية بتمثيل حقيقي لكل المناطق، وإلى إعادة بناء الجيش وأجهزة الأمن على أساس وطني جامع لا على أساس “ولاءات” أو “نواة فصائلية”.
