بدعوة ترمب لاختيار قيادة جديدة في إيران… خامنئي في دائرة الاستهداف

بدعوة ترمب لاختيار قيادة جديدة في إيران... خامنئي في دائرة الاستهداف

Loading

للمرة الثانية منذ يونيو/ حزيران الماضي، يدعو الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلميحًا أو تصريحًا إلى تغيير رأس النظام في إيران، من دون أن يعني ذلك “تغيير النظام” نفسه. 

ففي حين ألمح خلال العدوان الإسرائيلي على إيران في يونيو الماضي إلى احتمال اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، “لكن ليس الآن”، يبدو أن ترمب تقدّم خطوة حاسمة إلى الأمام أخيرًا بحديثه إلى موقع “بوليتيكو” الأميركي الإخباري، إذ قال:  

حان الوقت للبحث عن قيادة جديدة في إيران.

واتهم ترمب مرشد الجمهورية الإسلامية شخصيًا بالمسؤولية عن “التدمير الكامل لبلاده وقتل شعبه واستخدام العنف بمستويات غير مسبوقة” في التعامل مع الاحتجاجات التي انطلقت في البلاد في 28 ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

وأضاف ترمب أن النظام الإيراني يعتمد على القمع والعنف في الحكم، معتبرًا أن “إيران باتت أسوأ مكان للعيش في العالم”

وكان ترمب ألمح إلى أنه ضد اغتيال خامنئي “في الوقت الحالي” في يونيو الماضي، بعد ثلاثة أيام من العدوان الإسرائيلي على إيران. 

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس) عن مسؤول أميركي كبير في حينه أن الرئيس الأميركي عارض خطة إسرائيلية لاغتيال مرشد الجمهورية الإيرانية.

ولكن يبدو أن معارضته لم تكن للاغتيال من حيث المبدأ بل لتوقيته، ففي السابع عشر من الشهر نفسه قال الرئيس الأميركي إن بلاده لن تقتل خامنئي “في الوقت الحالي”.

وكتب على منصته “تروث سوشال” موضّحًا:

نعرف بالتحديد أين يختبئ المدعو المرشد الأعلى. هو هدف سهل، لكنه في مأمن هناك. لن نقضي عليه، على الأقل ليس في الوقت الحالي، لكننا لا نريد أن تُطلق الصواريخ على المدنيين أو الجنود الأميركيين. صبرنا يقترب من النفاد.

وبعد دقائق من ذلك، نشر ترمب رسالة أخرى على موقعه جاء فيها “استسلام غير مشروط“، قائلًا: “نحن نحظى الآن بالسيطرة الكاملة والشاملة على أجواء إيران”.

فما الذي تغيّر بين يونيو/حزيران الماضي وأيامنا هذه، ودفع ترمب إلى التفكير بجدية بضربات قد تكون قاصمة لإيران تُنهي حكم المرشد علي خامنئي، من دون أن تقضي على النظام نفسه؟
الإغراء هنا ليس في التصريح وح ده، بل في نموذجٍ عملي سبق أن اختبرته واشنطن مؤخرًا…

السيناريو الفنزويلي في إيران

يبدو أن السيناريو الفنزويلي الذي نجحت بموجبه الإدارة الأميركية بالقبض على رأس النظام في كاراكاس، نيكولاس مادورو، واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته مطلع الشهر الجاري، أغرى ترمب بتكراره في دول أخرى.

فمن شأن هذا السيناريو أن يعطي ترمب صورة نصر يسعى إليها بأقل الخسائر، ويؤمّن في الوقت نفسه مصالح واشنطن داخل الدول المستهدفة من خلال أنظمتها نفسها، ومن دون الدخول في الفوضى المفترضة بعد إسقاط هذه الأنظمة وتوريط الولايات المتحدة في حروب قد تكون طويلة.

فبعد الإطاحة بمادورو بساعات قليلة، خرج الرئيس الأميركي على الإعلام ليؤكد تواصل إدارته مع نائبة مادورو، ديلسي رودريغيز، التي ستنفذ ما تريده واشنطن، مستبعدًا في الوقت نفسه أي دور قيادي لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو في هذه المرحلة على الأقل، لأنها لا تحظى بالدعم أو الاحترام على حد قوله:

أعتقد أنه سيكون من الصعب للغاية عليها (ماتشادو) أن تكون القائدة، فهي لا تحظى بالدعم أو الاحترام داخل البلاد. إنها امرأة لطيفة للغاية، لكنها لا تحظى بالاحترام.

وينطبق الأمر تمامًا على رضا بهلوي الذي يقترح نفسه زعيمًا محتملًا في حال انهيار النظام في إيران. 

ويرتبط بهلوي بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، ومثل زعيمة المعارضة الفنزويلية فقد تعهّد بهلوي بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل إذا وصل إلى الحكم.

بين ماتشادو ورضا بهلوي

لا يخفي المسؤولون الإسرائيليون دعمهم لبهلوي، وخلال الاحتجاجات الأخيرة تواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرتين مع الرئيس ترمب، في حين قال وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي إن إسرائيل لديها عملاء “على الأرض” في إيران.

وكما يلاحظ التقارب بين شخصيتي بهلوي وماتشادو زعيمة المعارضة الفنزويلية، يُلاحظ أيضًا أن رأي ترمب في كليهما يكاد يكون متطابقًا، فعندما سُئل في 15 يناير/ كانون الثاني الجاري عن دور محتمل لبهلوي في المرحلة المقبلة، كرّر الرئيس الأميركي الوصف نفسه الذي أطلقه على ماتشادو، وهو “لطيفة للغاية لكنها لا تحظى بالدعم والاحترام في بلادها”:

يبدو لطيفًا للغاية لكن لا أعرف كيف سيتصرف داخل بلاده.. لم نصل إلى تلك المرحلة بعد.

وقال ترمب لرويترز لاحقًا:

لا أعلم إن كان شعبه سيقبل قيادته أم لا، ولكن إن قبلوا، فسيكون ذلك مقبولًا ⁠بالنسبة لي. 

تصريح ترمب عن ماتشادو وبهلوي يكشف عن طريقة تفكير تكاد تكون نمطية إزاء الملفات المتشابهة التي يقاربها ترمب، ما يعني في حالة إيران أن واشنطن ربما تكون في مرحلة التواصل مع رجالات في النظام الإيراني، لتأمين أهدافها المتمثلة بخلع “خامنئي” بطريقة أو أخرى، من دون الدخول في حرب واسعة، على غرار ما فعل في فنزويلا.

وكان ترمب تعهّد في الرابع عشر من هذا الشهر باتّخاذ “إجراء قوي للغاية” إذا أقدمت السلطات على إعدام أشخاص أوقفوا في احتجاجات إيران التي بدأت في 28 ديسمبر الماضي على خلفية تدهور سعر صرف العملة المحلية.  

وكتب ترمب على منصته تروث سوشال: 

أيها الوطنيون الإيرانيون، استمروا في التظاهر. سيطروا على مؤسساتكم. لقد ألغيت كل الاجتماعات مع مسؤولين إيرانيين إلى أن يتوقف القتل العبثي للمتظاهرين.

وقال ترمب لشبكة سي بي إس الإخبارية إنه سيتخذ إجراء قويًا للغاية إذا فعلوا شيئًا كهذا، في إشارة إلى احتمال قيام السلطات الإيرانية بإعدام بعض المحتجين شنقًا. 

وأضاف ترمب في وقت لاحق لوسائل إعلام من مدرج قاعدة أندروز العسكرية: “سأعود إلى البيت الأبيض، وسنراجع الوضع في إيران”، مضيفًا: “سنحصل على أرقام دقيقة مرتبطة بمقتل (متظاهرين)” متحدثا عن عدد “كبير” من القتلى.

متابعة إخبارية – ترمب: إيران تتطلع إلى الحرية أكثر من أي وقت مضى وأميركا على أهبة الاستعداد لتقديم المساعدة

هل تراجع ترمب أم غيّر التكتيك؟

في اليوم التالي (15 يناير الجاري) قال ترمب إنه أُبلغ بأن “الإعدامات” توقّفت في إيران، مشيرًا إلى أنه أُبلغ “من مصدر ثقة” بأن “القتل يتوقّف في إيران. وقد توقّف… وما من إعدامات مخطّطة”. 

وردًا على سؤال عما إذا كان العمل العسكري الأميركي قد استُبعد الآن، أجاب ترامب: “سنراقب الوضع ونرى كيف تسير الأمور“.

وكانت إيران حذّرت الولايات المتحدة من أنها قادرة على الرد على أي هجوم محتمل، بينما قالت المصادر إن واشنطن سحبت أفرادًا من قاعدة “العديد” في قطر التي استهدفتها طهران بالصواريخ في يونيو الماضي ردًا على الضربات الأميركية على منشآت نووية إيرانية. 

وذكّر علي شمخاني، مستشار المرشد الإيراني، الرئيس الأميركي بما سمّاه “تدمير قاعدة العديد الأميركية بصواريخ إيرانية”، مضيفًا: “سيساعد هذا بالتأكيد على التوصل إلى فهم حقيقي لعزم إيران وقدرتها على الردّ على أي هجوم“.

من جهته، أكد قائد الحرس الثوري الإيراني محمد باكبور أن الحرس في “أقصى درجات الاستعداد للرد بحزم على حسابات العدو الخاطئة“، واصفًا ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بأنهما “قتلة شباب إيران“.

خامنئي يفتح باب “الحساب”: الفتنة أميركية

والسبت الماضي، هاجم خامنئي الرئيس الأميركي، وحمّله مسؤولية قتلى الاحتجاجات التي وصفها بالمؤامرة الأميركية، وقال: 

بعث الرئيس الأميركي برسالة إلى مثيري الفتنة قال فيها: نحن ندعمكم، وسنقدّم لكم دعمًا عسكريًا… هذا يعني أن الرئيس الأميركي قد انخرط بنفسه في الفتنة، وهذا يُعدّ جريمة.

وبحسب خامنئي، فإن هدف الولايات المتحدة “هو ابتلاع إيران”، مضيفًا أنّ “المسعى هو إخضاع إيران مجدّدًا للهيمنة العسكرية والسياسية والاقتصادية المباشرة”:

بإذن الله، على الأمة الإيرانية أن تقصم ظهر مثيري الفتنة كما قصمت ظهر الفتنة. لا نعتزم أن نقود البلاد إلى الحرب، لكننا لن نوفر المجرمين المحليين، وأسوأ من المجرمين المحليين، المجرمون الأجانب، لن نوفرهم كذلك.

على أن خامنئي الذي اعتبر الاحتجاجات “مؤامرة أميركية” هو نفسه من أقرّ بمطالب المحتجين، وقال في الثالث من هذا الشهر، إنها محقة، في حين قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إنه وحكومته “من منظور إسلامي، إذا لم نحلّ مشكلة سبل عيش الناس، فسننتهي في جهنّم”.

ونقلت وكالة رويترز للأنباء الأحد الماضي عن مسؤول إيراني طلب عدم الكشف عن اسمه، قوله إن السلطات تحققت من مقتل ما لا يقل عن خمسة آلاف شخص في الاحتجاجات التي تعتبر الأعنف منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وقال المسؤول إن من بين القتلى نحو 500 من أفراد الأمن.

ورغم أن الاحتجاجات تعتبر الأعنف والأوسع نطاقًا منذ عام 1979، إلا أنه يبقى من السابق لأوانه التكهن بما إذا كانت ستطيح بنظام الحكم، ما لم تتدخل الولايات المتحدة عسكريًا. 
لماذا لا تكفي الاحتجاجات لتغيير النظام؟

رغم اتساع الاحتجاجات وحدّتها، يرى محللون أن ترجمتها إلى تغيير سياسي كبير تبقى محدودة ما لم تتوافر شروط إضافية تتجاوز زخم الشارع. ويمكن تلخيص أبرز العوامل التي تُضعف احتمال التغيير في النقاط الآتية:

  • تماسك مركز القرار:
حتى الآن، لا تظهر تصدعات يُعتدّ بها داخل هيكل القيادة، خصوصًا في شقّيه الأمني والعسكري. فمن رئاسة البلاد إلى مجلس الشورى وصولًا إلى الحرس الثوري، يبدو الخطاب واحدًا ومصطفًا خلف المرشد، من دون دلائل واضحة على انشقاقات أو انقسامات معلنة بين النخب العليا.
  • ضعف التنظيم السياسي للمعارضة:
على الرغم من ارتفاع أصوات معارضة في الخارج ودعوات متكررة للتظاهر، فإن غياب معارضة سياسية داخلية منظّمة وقادرة على قيادة مسار بديل يحوّل الاحتجاجات، في كثير من الأحيان، إلى موجات غضب متقطعة أكثر منها مشروع تغيير.
  • غياب مسار مؤسساتي لإزاحة المرشد:

لا توجد حتى اللحظة مؤشرات إلى مطالبات جدية داخل المؤسسات التي أرساها النظام منذ 1979، ولا سيما مجلس خبراء القيادة، لفتح نقاش داخلي منظم حول استبدال المرشد وفق الآليات لدستورية.

  • سقف الصراع ما دام التدخل العسكري مستبعدًا:
مع غياب تدخل عسكري أميركي، تبقى قدرة الشارع وحده على قلب النظام محدودة، إذ يستطيع النظام في العادة احتواء موجات احتجاج “مطلبية” عبر القبضة الأمنية أو عبر تسويات اقتصادية.

ومع ذلك، لا يُستبعد تمامًا سيناريو آخر أقل وضوحًا: أن تتكوّن، تحت ضغط الخوف من ضربات قاصمة، رغبة صامتة لدى أطراف نافذة داخل النظام بإجراء تغيير “محسوب” يجنّب الدولة انهيارًا شاملًا. وهو احتمالٌ يشبه، من حيث المبدأ، فكرة “الترتيب من الداخل” التي يُشار إليها في مقارنات السيناريو الفنزويلي، مع فارق أن الحالة الإيرانية قد تكون أكثر تعقيدًا وكلفة.

خامنئي.. عنيد وينجو دائمًا

يوصف المرشد الإيراني علي خامنئي بالعنيد، ويتميّز بقدرته على النجاة من الأزمات الكبرى التي مرت بها البلاد منذ توليه منصبه عام 1989، بعد وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني.

وتمكّن خامنئي من تجاوز أزمات شملت تظاهرات الطلاب عام 1999، والاحتجاجات الجماهيرية عام 2009 التي اندلعت إثر الانتخابات الرئاسية، وتظاهرات عام 2019، وحركة “مرأة، حياة، حرية” عامي 2022-2023، على خلفية وفاة الناشطة مهسا أميني أثناء توقيفها بتهمة انتهاك قواعد اللباس الصارمة.

كما نجا خامنئي خلال حرب الاثني عشر يومًا مع إسرائيل في يونيو التي قتل فيها مسؤولون عسكريون وأمنيون كبار.  

ويعيش خامنئي تحت حراسة مشددة، ولا تُعلن إطلالاته العلنية النادرة مسبقًا، ولا تُبث مباشرة، ومنذ توليه منصب المرشد الأعلى، لم يقم بأي زيارة إلى الخارج.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” خلال العدوان الإسرائيلي على بلاده في يونيو الماضي، فإن خامنئي الذي لم يكن يتواصل بالهاتف مع المسؤولين الإيرانيين العسكريين والمدنيين خلال العدوان بل من خلال مساعد موثوق به، اختار ثلاثة من كبار رجال الدين مرشحين لخلافته في حال اغتياله.

وقالت الصحيفة، إن خامنئي كلّف “مجلس خبراء القيادة”، وهو الهيئة المسؤولة بموجب الدستور عن تعيين أو عزل مرشد الجمهورية، اختيار خليفة له من بين الأسماء الثلاثة التي اقترحها.

وأشارت الصحيفة إلى أن مجتبى، نجل خامنئي، ليس من بين المرشحين لخلافة والده، على خلاف تقارير صحافية كانت تؤكد أن المرشد كان يؤهل نجله للمنصب.

وكانت تقارير صحافية أخرى أفادت قبل ذلك بأن خامنئي فوّض صلاحياته إلى الحرس الثوري الإيراني، للقيام بها في حال اغتياله لفترة انتقالية.

 ولهذا، فإنّ استهداف خامنئي لا يعني مجرد تغيير شخص، بل مسّ مركز القرار الدستوري في إيران، لأن موقع المرشد يمسك بمفاتيح السياسة والأمن والجيش وتوازن المؤسسات.
صلاحيات واسعة للمرشد

يتمتع المرشد الإيراني بصلاحيات واسعة جدًا بموجب الدستور الإيراني الذي تنص المادة 110 منه على أن من صلاحياته: 
  • رسم السياسات العامة لنظام جمهورية إيران الإسلامية بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام.
  • الإشراف على حسن تنفيذ السياسات العامة للنظام.
  • إصدار الأمر بالاستفتاء العام.
  • القيادة العامة للقوات المسلحة.
  • إعلان الحرب والسلام والنفير العام.
  • تنصيب وعزل وقبول استقالة كل من: فقهاء مجلس صيانة الدستور، والمسؤول الأعلى في السلطة القضائية، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، ورئيس أركان القيادة المشتركة، والقائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية، والقيادات العليا للقوات المسلحة.
  • حلّ الاختلافات بين أجنحة القوات المسلحة الثلاثة وتنظيم العلاقات بينها، وحلّ مشكلات النظام التي لا يمكن حلّها بالطرق العادية، وتوقيع مرسوم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه، إضافة إلى عزله إذا اقتضت مصالح البلاد.