![]()
كنتُ خائفًا أن يفعلها حميدتي، لكنه لم يخذلني!!
بقلم: حسين خوجلي
تُعَدّ مدينة الفاشر واحدة من أعرق المدن العربية والإفريقية والإسلامية، فهي ليست مجرد آثارٍ عتيقة، بل روحٌ وخلودٌ في قلوب نسائها ورجالها. ومن هذا الإرث العريق، نشأت مقاومة لا تقهر؛ مقاومةٌ شعبية وعسكرية، شاركت فيها قوات مشتركة وسكان المدينة، عبر أكثر من 285 معركة، شكلت طوفانًا من الصمود لم يشهده التاريخ الحديث أو القديم.
لو كان الإعلام العالمي عادلاً ومنصفًا، لجعل من حكاية الفاشر أيقونةً تصلح لمئات الأفلام والكتب والمذكرات، لكنها للأسف لم تجد مساحات للنشر أو التقدير، لأننا نعيش في عصر القوة الخالية من الشرف، والسلطة بلا عدل ولا أخلاق.
خلال عامين من الصبر والتحدي، واجه أهل الفاشر قوى الشر من دول الجوار الأفريقي، ومرتزقة يدعمهم بعض العواصم العربية، مدعومة بأموال شعبنا التي استولى عليها النظام السابق. وكان هدف تلك القوى اقتحام المدينة لإخماد روحها الباسلة، لكنها فشلت في كسر إرادة أهلها، حتى اضطر الأحرار لإخلائها في عملية انسحاب تكتيكية مدهشة، أظهرت براعتهم العسكرية على غرار انسحاب خالد بن الوليد في مؤتة.
لكن المخاوف كانت كبيرة لدى كثيرين، بما فيهم كاتب هذا المقال، من دخول قائد قوات الدعم السريع، حميدتي، إلى المدينة في لحظة الانسحاب، كما فعل العباقرة في التاريخ، ليعلن العفو أو الرحمة. ورغم كل التوقعات، جاء الواقع مغايرًا: فقد صدرت الأوامر بذبح المصلين، إطلاق النار على الجرحى، قتل الأسرى، وارتكاب جرائم اغتصاب ونهب، وتم توثيق هذه الانتهاكات عبر الكاميرات والهواتف، ليصبح الحاضر شاهداً على أبشع الجرائم التي يمكن أن ترتكبها عصابة مسلحة ضد المدنيين.
تحولت نيالا وغيرها من المدن المتضررة مثل زالنجي والضعين، من مناطق عامرة إلى أماكن موت وخراب، تخيم عليها رائحة القتل والاغتصاب والنهب، لتصبح بذلك صورًا حية للفوضى التي يمكن أن تخلقها السلطة حينما تتحول من حماية المواطنين إلى أداة للقتل والتدمير.
إن هذا التاريخ القريب يعلمنا درسًا مهمًا: لا يمكن للمدن الصامدة، ولا للشعوب الحرة، أن تثق بقوىً فاقدة للأخلاق والعدالة. فالفاشر لم تُسقط، لكنها تحمل عبر صمودها رسالة للعالم، أن الإرادة الحرة لا تُقهر، وأن القيم الحقيقية لا تُستبدل، مهما حاول أعداء الإنسانية أن يزرعوا الفوضى والدمار.
وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحًا: هل سيستفيد الشعب السوداني من هذا التاريخ المؤلم لبناء غدٍ أفضل، أم سيظل عرضة لتكرار نفس المسرحيات المأساوية على أيدي من خانوا الإنسانية وأخلاقها؟