تصريحات بولس مسعد … هل تطوي صفحة الحرب..؟ أم تُدخِل السودان كأول دولة بعد غزة غرفة عمليات مجلس السلام الترامبي…؟

تصريحات بولس مسعد … هل تطوي صفحة الحرب..؟ أم تُدخِل السودان كأول دولة بعد غزة غرفة عمليات مجلس السلام الترامبي…؟

Loading

تصريحات مسعد بوليس بالأمس عن توصل أطراف الرباعية لخطة سلام سوف يجري تنفيذها في السودان، تحمل مدلولات مهمة جداً يمكن تناول بعضها في الآتي…
… واضح أن المشروع للحل يقوم على رؤية أمريكية خالصة، وأنه قد تم تفصيله ليخدم مصالحها في المنطقة، وأن مساهمة الجهات الأخرى رمزية بدليل قوله: إنه سوف يتم تقديمه لدول الرباعية للتوقيع عليه (أجر المناولة)..
… إنه لا يتحدث عن هدنة، وإنما عن خطة سلام متكاملة تم العمل عليها في صمت طيلة الثلاثة أشهر الماضية…
… أن الخطة قد اكتملت، أما إشاراته إلى أنها في انتظار موافقة الأطراف عليها، فهو ذرٌّ للرماد على العيون، وذلك حتى يتم إخراجها على أنها حل سوداني سوداني خالص..
… أن هناك موافقة حكومية، والتزام شخصي صارم من البرهان عليها مسنوداً من القيادات العسكرية وشركائه، وأن أي محاولة من أي طرف للقفز منه سوف تعصف به خارج منظومة التأثير بالكلية، وكلنا نعلم أن الوفدين (الجيش والدعم السريع) ظلا في تفاوض في واشنطن طيلة الفترة الماضية، وأن الفريق مفضل بقي هناك أكثر من شهر، وأن وزير الخارجية كان دائم التردد على واشنطن..
… أن الترتيبات والأحداث في الأيام السابقة تفيد بأن هناك حلاً متكاملاً قد تم التوافق عليه وبدأ إنزاله إلى أرض الواقع..
… إعلان أمريكا عن قيام مؤتمر للدعم الإنساني (الذي بدأ مساء أمس الثلاثاء في واشنطن) وطلبها من المانحين توفير دعم عاجل يبلغ واحداً ونصف مليار دولار، مع إعلانها دفع 200 مليون دولار فوراً لهذا الأمر، هذا يعني بداية تنفيذ الاتفاق بلا عوائق، حتى قبل الإعلان عنه..
… إذا صحت الأنباء بوجود الحلو في أمريكا، فهذا يعني أنه قد تم طلبه لإبلاغه بمحتوى الاتفاق النهائي والتوقيع المبدئي عليه، مع تمليكه مجموعة من المطالب والمحاذير الخاصة بعدم معارضته.
… النشاط المكثف وعودة الروح لمجموعة صمود، وتيار ثورة ديسمبر، ممثلة في جولتها الدولية، يشير إلى طبيعة الحكم المدني التي سوف تلي الفترة الانتقالية، والتي سوف يكون عمادها تيار صمود، وأرى أن ترتيبات الحكم في السودان تم تركها لحكومة بريطانيا، لأنها الأقرب لفهم المشكلة السودانية…
… تصريحات حمدوك تعطي إشارة واضحة، أن الاتفاق حوى بنداً بإبعاد العسكر عن الحكم نهائياً بعد الفترة الانتقالية، وهذا يمكن استشفافه من اعتذاره عن الفترة التي رضوا فيها كقوى ثورية بمشاركة العسكريين الحكم..
… ومن التسريبات الرائجة حول محتوى الاتفاق، أنه سوف يتم استبعاد الإسلاميين وحزب المؤتمر الوطني من أي ترتيبات سياسية قادمة، وأن هذا الأمر سوف يُنص عليه قانوناً، مع استيعاب حزب المؤتمر الشعبي ضمن الإطار السياسي، وأتوقع أن يتم تصنيف الإسلاميين كمجموعة إرهابية في حالة معارضته، وهذا هو السبب الرئيس الذي دعاهم سابقاً إلى عدم تصنيفهم، أي الاحتفاظ بكرت التصنيف واستخدامه وفقاً لموقفهم من اتفاق السلام الأمريكي، والمؤسف أن كثيراً من الإسلاميين لم يستوعبوا بعد كيف يفكر هؤلاء القوم..
… أيضاً سوف تُدار الدولة وفقاً لنظام فيدرالي كامل السلطات، أقرب للكونفيدرالية، وأنه تم تجاوز الخلافات التي نشبت بين الوفدين حول شكل الحكم الفيدرالي، وهل يكون على نظام الأقاليم التي تحوي محافظات، أم على نظام الولايات الحالي، خاصة وأن مقترح الأقاليم عندما تم تقديمه حوى بنداً (مستمدّاً من الدستور الإثيوبي) يعطي كل إقليم حق الاستقلال إذا قرر أهله ذلك، ولكن تم تجاوز ذلك بإعطاء الولايات مزيداً من السلطات، وبسط اللامركزية، وأن سلطة الحكومة الاتحادية سوف تنحصر في المسائل السيادية كإعلان الحرب والجيش والأمن والسياسة الخارجية والحدود والجمارك والجنسية والجوازات… إلخ.
… فتح مطار الخرطوم للرحلات الداخلية، وإعلان مديره أن سلطات الطيران المدني تتفاوض مع هيئة الطيران الدولية لرفع الحظر المفروض عليه، هذا مع وصول رحلة تركية كأول رحلة خارجية عبره، وهذا له قراءة ومدلولات معينة.. وفتح المطار قبل الإعلان عن الاتفاق، قصد منه تهيئته لاستقبال الوفود، التي سوف يتوالى وصولها في الأيام القادمة، تلك المرتبطة بتنفيذ ترتيبات الاتفاق..
… التسريبات التي انتشرت عن أن ترامب سوف يعلن عن خطة سلام السودان في اجتماع مجلسي الشيوخ والنواب يوم 24 فبراير الحالي، بمناسبة تقديمه لخطاب حالة الاتحاد، تفيد بأنه اتفاق متوافق عليه من جميع الأطراف، وربما يكون قد تم التوقيع بالأحرف الأولى عليه، وهذا يعني أنه لا مجال لأي طرف للتراجع عما تم الاتفاق عليه، لأن الاتفاق حال الإعلان عنه داخل الكونغرس، سوف يكون إحدى إنجازات الحكومة الأمريكية، وستصبح وثائقه لاحقاً ضمن مضابط ووثائق الكونغرس المهمة، خاصة أن جانباً كبيراً منه يتعلق بالمكاسب التي سوف يحققها لأمريكا، بحكم أن السودان دولة مهمة من ناحية الموقع والجغرافيا السياسية، والموارد الاقتصادية، وفرص الاستثمار المستقبلي للشركات الأمريكية..
كما يفيد برعاية ترامب الشخصية لهذا الاتفاق، وسوف يتباهى به ويضيفه إلى إنجازاته السابقة، وسجله في إيقاف الحروب، بوصفها حرباً تاسعة نجح في إيقافها، وطي ملف أكبر كارثة إنسانية على ظهر الأرض اليوم، وتوظيف ذلك شخصياً، أو لانتخابات التجديد النصفية للكونغرس في الفترة القادمة..
… إعلان بولس بإيداع الاتفاق لدى مجلس الأمن، يهدف إلى إعطائه شرعية أممية، مما يوفر لأمريكا عند تنفيذه فرصة العمل فيما يخصها تحت مظلة القانون الدولي، علماً بأن بولس أعلن بأن تنفيذ الاتفاق سوف يتم تحت آلية أممية تتبع للأمم المتحدة.. وهذا سيعطي أمريكا حرية التحرك عسكرياً، إذا تطلب الأمر تدخلاً دولياً لإنفاذ الاتفاق، أو للقضاء على أي جهات أخرى مهددة له، مما يدخل البلاد تحت وصاية دولية مستترة..
… وهنا تأتي الخطوة الأهم، وهي بيت القصيد، فبعد اكتساب الاتفاق للشرعية الدولية، فور الموافقة الأممية عليه، وإذا حدث وأن تم تعطيل تنفيذه عبر آليات مجلس الأمن لاحقاً (فيتو من أحد الأعضاء)، فسوف يتم تنفيذه وفقاً لرؤية مجلس السلام الترامبي، وذلك كأول تجربة خارج سلام غزة، لمدى فاعلية مجلس السلام، في تقديم ممارسة دولية برؤية أمريكية، خارج نطاق مجلس الأمن الدولي..
هذا الأمر يعني وضع السودان تحت إدارة ووصاية مجلس السلام الأمريكي الدولي، أي حقيقة وضعه تحت الوصاية الأمريكية، الأمر الذي يدفع أمريكا إلى تعيين إدارة حكومية، على غرار مجلس غزة، وتعيين (علي شعث) سوداني لرئاسة الحكومة، وهو أمر إن حدث فيحمل وزره هؤلاء الأقزام من تجار السياسة الذين يصطرعون على جثة الوطن، الذي جعلوه مغنماً، حتى فقد المواطن الثقة فيهم، ولا يرى سوى أقزام يلهثون خلف مكاسبهم الشخصية، ولا أستثني أحداً…
ختاماً، لا أحد يعرف فحوى ما تم الاتفاق عليه، والكل بجهل عموميات خطة السلام دعك عن تفاصيلها، ولكنني أعرف أن السودان بعد الاتفاق لن يكون كسودان ما قبله بأي حال من الأحوال، وأنه ربما يحمل خيراً كثيراً، ولكنه سوف يكون وبالاً على مجموعات أخرى، وربما يكتب آخر فصل من فصول حروب السودان..
حيدر التوم خليفة
٤ فبراير ٢٠٢٦
السودان