الفساد في العالم العربي: هل المشكلة في الشعوب أم في المنظومة؟

الفساد في العالم العربي: هل المشكلة في الشعوب أم في المنظومة؟

Loading

في عام 2012، أعلن وزير داخلية جورجيا باتشو أخالايا استقالته بعد تداول صور تُظهر عناصر من الشرطة يعتدون بالضرب على سجين، وذلك بعد أيام من استقالة زميلته خاتونا كارماخيلادزه، وزيرة الإصلاح والشؤون القانونية، للسبب نفسه.

كان المشهد، بالنسبة إلى كثيرين في عالمنا العربي، صادمًا إلى حدّ “المبالغة”:
كيف يمكن لمسؤولين أن يستقيلا لأن صورةً خرجت إلى العلن؟

السؤال نفسه يزداد حدةً عندما نضع الصورتين في العام ذاته: في دول عربية عدّة كانت قوى أمن وجيوش تطلق النار على متظاهرين، وتقصف مدنًا، وتلاحق خصومًا بالدبابات.

حدثان في الكوكب نفسه والزمن نفسه، يُنقلان إلى المتابع نفسه، لكنهما يُنتجان ثقافتين سياسيتين مختلفتين تمامًا: هناك حيث تتحول الفضيحة إلى مسؤولية فورية، وهنا حيث تُبتلع الفضيحة داخل صخب أكبر، أو تُعاد تسميتها، أو يُقال للناس إنها “تفصيل” في معركة أكبر.

من هذا التفاوت تبدأ أسئلة الفساد: ليس الفساد كجريمة منفصلة فقط، بل الفساد كمنظومة تسمح للجريمة أن تمرّ، أو تُعاد صياغتها، أو تُستوعب، ثم تعود وتتكاثر.


الفساد والطبيعة البشرية


لغويًا، يُقابل الفساد الصلاح، ويُقابل الإفساد الإصلاح. ومن حيث الأصل، لا يميل البشر إلى الفساد بوصفه “قيمة”، بل ينفرون منه كما ينفرون من الطعام الفاسد ويطمئنون إلى الصالح. لكن المفارقة أن تطبيقات الفساد تتسع في الواقع أكثر مما نتخيّل: من رشوة واختلاس وسرقة وتغيب وظيفي، إلى تعطيل خدمة عامة أو إهدار وقتٍ ومالٍ ومقدرات.

في الخطاب العربي اليومي، كثيرًا ما يُحصر الفساد في “المعروف والمباشر” مثل الرشوة والسرقة والاختلاس. غير أن النظر إليه بوصفه نقيضًا للإصلاح يفتح الباب على مساحة أوسع:
  • إذا كانت تربية الأبناء والتعليم إصلاحًا، فالتقصير المزمن فيهما صورة من صور الإفساد.
  • إذا كانت خدمة المواطن في المؤسسات العامة إصلاحًا، فإن التباطؤ المتعمد، وإدامة التعقيد، وإنتاج الإهانة اليومية في طوابير الخدمات، تتحول إلى فسادٍ مؤسسي حتى لو لم تُدفع رشوة واحدة.
  • إذا كانت المساهمة في الخزينة العامة والرعاية الاجتماعية إصلاحًا، فإن التهرب الضريبي، والتلاعب بالحسابات، والعيش خارج أي التزام جماعي، يصبح فسادًا ينهش فكرة الدولة نفسها.

وهنا تظهر نقطة جوهرية: في بعض تجاربنا العربية، تُعامل حماية المواطنين، وصيانة أموالهم، ورعاية أطفالهم وضعفائهم، وتنمية عقولهم، بوصفها كماليات أو “شعارات”، بينما التقصير فيها يُنتج فسادًا أفدح من فساد الرشوة الفردية، لأنه يُطبع المجتمع على قبول انهيار المعايير.

لهذا لا يتعامل من يمارس الفساد معه كفساد. هو يحتاج دائمًا إلى رواية تبرره، أو إلى لغة جديدة تُجمّله وتعيد تسميته. ومن هذه الفكرة بالذات تأتي أهمية الآية القرآنية:

“وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ” (البقرة:11-12)

الفكرة ليست دينية بقدر ما هي معرفية: الإفساد غالبًا لا يعلن نفسه، بل يتخفّى خلف ادعاء الإصلاح.

يمكن، انطلاقًا من ذلك، تمييز ثلاث طبقات للفساد:
  • فساد واضح لا يحتاج إلى نقاش كالسّرقة والقتل، وهي مسائل فطرية لا يكاد يختلف عليها اثنان على أنها فساد مطلق، فتأتي القوانين لتجرمه بشكل واضح، وتضع لهذه الجرائم عقوبات معروفة مسبقًا.
  • فساد واضح يُغلّف بخطاب يبرّره ويمنحه غطاء “عمليًا” أو “قانونيًا”؛ أي أنه مغلف بتغليف عملي يجعله مغايرًا لصورته، فيتم فلسفته أو قوننته بقضايا أخرى لجعله مبررًا، مثل سجن أصحاب الرأي السياسي، أو قصف المدن وتجويعها على أن أهلها خارجين عن القانون أو إرهابيين.
  • فساد غير مُدرَك، ينبع من فجوة في الفهم تجعل الناس يظنون أنهم في منطقة الصلاح بينما هم يوسّعون، من حيث لا يدرون، مساحة الإفساد.

الفساد بين الغرب والعالم العربي 


تعرّف منظمة الشفافية الدولية الفساد على أنه “إساءة استخدام السلطة الموكلة لتحقيق مكاسب خاصة”، وهي تحصر مفهومه في الوظائف العامة والحكومية، حيث ترى أن مطالبة الموظف بأموال مقابل الخدمة هو فساد، وكذلك إساءة استخدام المال العام من قبل المسؤولين، وترسية صفقة على شركة خاصة من أجل الحصول على منفعة خاصة.

في المقابل، يميل مكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة الفساد والجريمة إلى توسيع المروحة: عرقلة العدالة، غسل الأموال، الإثراء غير المشروع، استثمار النفوذ… من دون الاكتفاء بالتعريف الحكومي الصرف.

ثم جاءت الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد عام 2010، فوسّعت المفهوم بدورها لتشمل اختلاس المال العام وأموال التبرعات، وغسل الأموال، والإثراء غير المشروع، والرشوة والمتاجرة بالنفوذ، وإعاقة سير العدالة.

ورغم الاتساع النظري في إدارك الظاهرة، بقيت معظم الدول العربية (باستثناء قطر والسعودية والإمارات) في مراتب متأخرة جدًا على مؤشرات الشفافية الدولية، ما يوحي بأن توسعة التعريف لم تُترجم بالضرورة توسعةً في القدرة على المكافحة أو في بناء مؤسسات المساءلة.

 ترتيب الدول على مؤشر الشفافية الدولية 2024 

لكن النقطة الأهم ليست سباق التعريفات. النقطة أن العالم الغربي، في جزء كبير من مقاربته، يربط الفساد بالشفافية والحوكمة:

ما يُدار تحت الطاولة وما يفتقد القواعد هو بيئة الفساد.

في المقابل، يميل التعريف العربي، تاريخيًا وشعبيًا، إلى ربط الفساد بالصلاح والإصلاح:

كل ما يهدم هدف الإصلاح ويعطّل بناء المجتمع والدولة يدخل في خانة الفساد، سواء وقع داخل مؤسسة الدولة أو في المجتمع.

هذا يجعل الفضاء العربي، من حيث المفهوم، أوسع: لأن الفساد لا يصبح محصورًا في الموظف والمسؤول، بل يمتد إلى السلوك الاجتماعي الذي يُنتج بيئة تُشرعن الفساد أو تتعايش معه.

الاختلافات الرئيسية بين العرب والغرب في الفساد:

  •  نظريًا
    • الفساد يأتي نقيضًا للإصلاح في العالم العربي، وهذا يعني أن كل ما يتعلق بالتخريب والهدم والعرقلة والخروج عن هدف الإصلاح يأتي في سياق الفساد، بينما يراه الغرب في كل ما هو مخفي وغير واضح ويسير بشكل خفي أو “من تحت الطاولة” أو بدون قانون.
  • مفاهيميًا:
    • الفساد في العالم الغربي هو ممارسة موجودة وما الاستقالات التي نسمع عنها تجاه بعض الأفعال أو المحاكمات إلا تعبيرًا عن وجود الفساد، ولكنه يبقى في سياق الممارسات الحكومية، وما يتعلق بالممارسات الحكومية، أي أنه يبدأ بالرشوة والاستفادة من المنصب وعندما يمتد خارج مؤسسات الدولة فنجده يذهب نحو التهرب الضريبي الذي هو شكل من أشكال تمويل الدولة.
    • في العالم العربي قد تكون ممارسات الفساد اجتماعية أكثر من كونها سياسية، فالمفهوم العربي الشعبي والسائد للفساد هو كل ما يتعلق بالممارسات الخاطئة من قتل وتدمير وسرقة ونهب ورشوة وسواها وهو ما ينبذه المجتمع أو يتعارف على نبذه بشكل عام.
  • واقعيًا:
    • رغم وجود الفساد في كل الدول سواء كانت غربية أم عربية، فإن الفساد في العالم العربي أكثر انتشارًا سواء على المستوى الحكومي أو على المستوى الاجتماعي ولكن بنسب متفاوتة.

مقاييس الفساد


يمكن القول إن الحوكمة والشفافية تمثلان نقطة تقاطع بين التعريفات المؤسسية الغربية وبعض القراءات العربية، لكنّ الاختلاف يحصل في نقطة جوهرية:

غياب الشفافية أو ضعف الحوكمة لا يعني تلقائيًا فسادًا في كل الحالات، لأن أنماطًا من القيادة الاجتماعية في العالم العربي قد تعمل أحيانًا بفعالية حتى لو لم تتخذ شكلًا مؤسسيًا صارمًا.

في المقابل، تمنحنا اللغة العربية تعريفًا أوسع للفساد بوصفه نقيضًا للصلاح والإصلاح، وهو تعريف يفرض بناء مقاييس تستوعب الخصوصية الثقافية والاجتماعية، بدل الاكتفاء بمؤشرات “تحت الطاولة” وحدها.

ومن هنا يمكن اقتراح مجموعة معايير عملية، لا باعتبارها قائمة مغلقة، بل بوصفها مفاتيح لقراءة الفساد حين يتحول إلى بنية في الدولة والمجتمع:

  • الاستبداد والظلم: لما كانت العدالة هي المطلب الرئيسي لأيّ مشروع إصلاح، فإن وجود الظلم وعدم تحقيق العدالة بين الأفراد هو المؤشر الأول والرئيس على الفساد في الدولة، بل إن شخصيات مثل ابن خلدون ترى أن غياب العدالة هو غياب للدولة وبداية لزوالها، ولعل هذا ما يؤيده فيه أرنولد توينبي بأن “فشل النخبة الحاكمة” في التكيف مع تطلعات الناس والحفاظ على رغباتهم سيؤدي لسقوطها، ولعل العدالة تأتي على رأس المطالب الشعبية، والتي لا يمكن تجاهلها، ويرى مونتسكيو (Montesquieu) أن الاستبداد هو تجسيد الفساد نفسه (despotism isitsembodiment).
  • ارتفاع مستوى الضرائب والرسوم والجبايات: حتى لو كانت المبالغ المالية التي تجمع من الناس قانونية (بموجب قانون) فإن زيادتها تعني فسادًا واضحًا، وهو مبدأ جسده عالم الاقتصاد المشهور فلبس، إضافة إلى أن رونالد ريغان الرئيس الأميركي الأسبق استشهد في هذا المجال بعبارات لابن خلدون تؤدي المعنى.
  • الإهمال والترف: السرقة تأتي من الإهمال في الموروث الشعبي وخاصة إهمال المال، فبحسب بعض العبارات الشعبية: “المال السائب يعلم الناس السرقة”، كما أن الترف يعني انفاقًا للأموال ومضيعة للوقت في مقابل إمكانية استثماره في عملية التنمية، وهي مسألة مهمة للغاية تجعل الفساد ذو مفهوم واسع للغاية، فمن يضيع وقته ووقت غيره هو فاسد، ومن ينفق أمواله بدون وجه حق حتى لو كانت أمواله من مصدر صالح فهذا الانفاق فساد بحد ذاته. ولعله تجسيد لمفهوم عدم القدرة على الاستثمار المالي، والمعروف في الأوساط القانونية بالسفاهة. 
  • غياب الأهلية الاجتماعية والسياسية: عندما يكون الشخص أو المؤسسة غير مؤهلين فيعني أن قدرتهما على العمل هي مجتزأة وبالتالي يصبح الفساد واقعًا، فلو كان الشخص المناسب في مكانه، وكانت المؤسسات تعمل بشكل جيد فهذا يعني أنها مؤسسات مؤهلة وبالتالي فإن الفساد يقل مستواه أو يختفي، وفي حالة معاكسة عند الأفراد والمؤسسات سيكون الفساد موجودًا، فالتأهيل هو جزء من أهلية الشخص لشغل المنصب، وللتصرف والحكم والعمل، وغياب الأهلية بكل ما تحتويه من مكونات تعني فسادًا. 
  • عدم فصل السلطات: عندما تقبض السلطة التنفيذية على التشريع والقضاء والأمن هذا سيؤدي حكمًا للفساد، وعندما يكون هناك إمكانية للفصل العملي للسطات فهو أبعد ما يكون عن الفساد، وبالتالي فإن غياب مبدأ فصل السلطات في العالم العربي هو أحد أهم عناصر الفساد. وهو أمر أشار إليه الغزالي بلغته الخاصة عندما طالب علماء الشريعة بالابتعاد عن السلطة وعدم الالتصاق بها لكي تسلم، ولعل جوليان بندا Julien Benda الفيلسوف الفرنسي ذهب أبعد من ذلك عندما وضع نظرية خيانة المثقفين عام 1927 والتي رأى فيها أن السلطة الرابعة التي تعبر عن الثقافة والفن يجب أن تكون بعيدة عن السلطة التنفيذية وأن تحرس العدالة وتضيء على نقاط الفساد. 
  • ضعف القانون: سواء كان هذا الضعف في النص أو الضعف في التطبيق أو في الأجهزة التنفيذية التي تقوم على التطبيق، فإن هذا فساد واضح ولعل تشومسكي وسّع نطاق الفساد المتعلق بضعف القانون حتى عندما يشمل التلاعب بالوعي العام. فهو يهاجم فكرة “الأقليات الذكية” التي وظفت نفسها لـ “التلاعب المُنظم بآراء الجماهير وعاداتهم” لخدمة نظام السيطرة والهيمنة (Indoctrination). ويرى تشومسكي أن هذا التطور حدث عندما أدركت النخب في الغرب أنها بدأت تفقد القدرة على السيطرة على الناس بالقوة، فلجأت إلى “السيطرة على ما يفكر فيه الناس”. 

هذا هو التطور الحديث لخدمة “السلطان”؛ بدلاً من الاكتفاء بالدعم الشرعي، يقوم المثقف اليوم بـ “التلاعب الذكي” و”البروباغندا”، مما يوضح أن النقد الكلاسيكي لفساد العلماء يظل صالحًا، لكن آلياته قد تطورت لتصبح أكثر تعقيدًا في السيطرة على الوعي العام. 

ومن بين هذه الآليات:

1- ضعف منظومة القيم السائدة بين الناس في المجتمع الذي يعيشون به، حيث أن تراجع هذه القيم الداخلية سيجعل الفساد يلعب ويسرح في الدولة والمجتمع، فالقيمة هي مسألة لا يمكن المساس بها لأنها نابعة من الداخل وعند ضعفها فإن الفساد يصبح ممكنًا. 
2- فقدان النظام العام والروتين اليومي: عندما ترى الدولة موظفيها وطلابها يخرجون صباحًا ويعودون في وقت معروف، ويبكرون في الاستيقاظ وينامون في وقت معروف، وتفتح المحلات وتغلق وفق برنامج، وتعمل وسائل النقل وفق برامج يحترم الوقت، هذا كله مؤشر على تراجع الفساد بل ربما على غيابه، وفي حال وجدت النظام العام والروتين اليومي مفقودًا فإننا نقترب من صورة من صور الفساد التي تحتوي كثير من التفاصيل. 

دور الفرد في صناعة الفساد


الآن، قد يقول قائل إن هذه مفاهيم عميقة، ويصعب قياسها، ولكن في الحقيقة القراءة العامة لوجود أو غياب الفساد هي مسألة غير معقدة، حيث نستطيع أن نلخص الأمر وفق ما يلي: 

  • الفساد في العالم العربي ليس مفهومًا متعلقًا بالسلطة وحدها، بل إن المجتمع والفرد مساهم رئيسي في صناعة الفساد. 
  • القراءة العامة للفساد الاجتماعي والسياسي تبدأ بالنظام العام، فوجود النظام العام (قبل الالتزام به) حضور هذا النظام العام هو مؤشر واضح على ضعف الفساد وتراجع وزيادة الصلاح الاجتماعي والسياسي. 
  • قدرة السلطات القضائية والتشريعية على لعب دورها هو دليل واضح على الصلاح في الدولة، كذلك وجود مثقفين ينتقدون الأداء ويعطون رأيهم المحايد في مختلف القضايا العامة. 
  • وجود ارتياح عام عند الناس بأن المنح والوظائف والرواتب عادلة وذات روح واحدة، وليست متغيرة ومتحولة بحسب الشخص والحالة. 
  • المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي والنشاط الاقتصادي من قبل الأفراد والشركات، وكذلك المساهمة في ميزانية الدولة بنسب واضحة ومقبولة للجميع دون ازدواجية. 
ولكن كيف يمكن أن تنعكس هذه المقاييس على الدولة؟

في الحقيقة نستطيع أن نلاحظ أن الدول التي يرتفع فيها معدل الفساد تتصف بالآتي: 

1- معدل تنمية متراجع، وناتج محلي إجمالي ضعيف، فبلداننا العربية معظمها دول ذات موارد كبيرة، ولكن تجد أن ناتجًا محليًا لدولة غربية صغيرة يفوق الناتج المحلي لبعض الدول العربية مجتمعة بعدة أضعاف. 

2- معدل التعليم متدنٍ: فالدول الفاسدة تميل إلى عدم تعليم الأبناء أو عدم القناعة بأن التعليم سيحقق نتائج فالوظائف تعطى على أسس غير عادلة والتعليم فيه مضيعة كبيرة للوقت. 

3- ارتفاع معدل الصرف مقابل تراجع في معدلات الإيراد: فالمواطن يدفع والدولة تدفع، والموارد تقل عندهما بشكل متزايد، وهذا ينعكس على دين الأسر والأفراد، وعلى دين الدولة، وعلى فجوة ميزان التجارة الدولية تجاه الدول التي تتعامل معها. 

4- ضعف منظومة القيم: سواء في المؤسسات العامة أو عند الأفراد، حيث يرى الجميع أنه يجب الاستفادة من الطرف الثاني واستغلاله حتى لو كان ذلك بالكذب أو الغش، من دون إدراك حجم الضرر الناتج عن هذا الغش والكذب. 

وقد لُخّص الفساد في الفكر العربي الكلاسيكي والمعاصر على أنه انحراف جذري عن الصلاح والإصلاح، مما يمنحه نطاقًا أوسع بكثير من التعريف الغربي الذي يحصره في إساءة استخدام السلطة لتحقيق مكاسب خاصة وغياب الشفافية. 

هذا الفهم الشامل في العالم العربي يوسع قاعدة الفساد لتشمل التقصير في تربية الأبناء، والتباطؤ في خدمة المواطنين، وحتى الإهمال في رعاية الأموال والوقت. 

وقد شخصت النظريات الكلاسيكية الفساد على أنه نتيجة هيكلية ودورية لا مفر منها إذا اختل ميزان العدل، حيث يرى ابن خلدون أن الظلم السياسي والجور هما السبب الجذري، مؤكدًا أن “الظلم مؤذن بخراب العمران”. 

ويتجلى هذا الظلم في الحكم “القاهر الباطش” الذي يزرع الخوف والذل، والفساد الاقتصادي المتمثل في الإفراط في الجبايات، والاحتكار، مما يقتل دافعية الكسب ويؤدي إلى انهيار الإنتاج. كما أن الانحلال الأخلاقي والترف يؤديان إلى ضعف “العصبية” وهرم الدولة. وقد أيدت الفلسفة الغربية هذا التشخيص، حيث رأى مونتسكيو أن الاستبداد هو تجسيد الفساد نفسه.    


ثقافة الفساد والمحسوبية


في المقابل، تتفق المقاربات الحديثة على أن غياب الشفافية والمساءلة المؤسسية هو العنصر الأساسي لترسيخ “ثقافة الفساد والمحسوبية”. 

ويبرز الفساد أيضًا في تواطؤ النخب الفكرية، حيث حذر الإمام الغزالي العلماء من مخالطة الظالمين والبحث عن الرئاسة، وهو ما يوازيه نقد جوليان بندا لـ “خيانة المثقفين” الذين يتنازلون عن قيمهم لخدمة السلطة. 

وتتجلى صفات الدول التي يرتفع فيها معدل الفساد في تراجع معدل التنمية وضعف الناتج المحلي الإجمالي رغم وفرة الموارد، وانخفاض مستوى التعليم لغياب العدالة في الوظائف، وارتفاع معدل الصرف مقابل تراجع الإيرادات. 

وفي النهاية، ورغم أن الدول العربية وسّعت مفهوم الفساد في الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد عام 2010، إلا أن معظمها ظلّ في مراتب متأخرة على مؤشرات القياس الدولية مثل “مؤشر مدركات الفساد”. وهو ما يعيدنا إلى الخلاصة الأهم: الفساد في العالم العربي ليس مشكلة سلطة وحدها، بل مسؤولية اجتماعية وفردية تتغذى من ضعف منظومة القيم وفقدان النظام العام وتراجع فعالية القانون، وتتحول—إن لم تُكسر—إلى نمط حياة يلتهم فكرة الدولة من الداخل.