أربع سنوات على حرب أوكرانيا.. شهادات من قلب النار

أربع سنوات على حرب أوكرانيا.. شهادات من قلب النار

Loading

عند الخامسة من صباح 24 فبراير/ شباط 2022، أعلنت روسيا إطلاق ما أسمته “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا، مؤكدة أنّ خططها لا تشمل احتلال الأراضي الأوكرانية، وأن تحركها مجرد “دفاع عن النفس” لمنع “كارثة أكبر”.

اليوم، بعد أربع سنوات على حرب أوكرانيا، ماذا يقول الواقع على الأرض؟ وكيف يستذكر المعنيّون ذلك الصباح الذي غيّر وجه العالم؟

شهاداتٌ من قلب النار، تجمعها هذه المادة التي توثّق لحظة مفصلية في التاريخ الحديث، ليس فقط كحدث عسكري، بل كتحوّل جذري في الوجدان الجمعي للشعب الأوكراني وعلاقته بجيرانه وبالعالم.

ترسم هذه الشهادات، التي حصل عليها برنامج “كنت هناك” الذي يعرضه التلفزيون العربي و”العربي بلس“، لوحة إنسانية مؤثرة تبدأ من ذهول الفجر الأول لتصل إلى عقيدة “صراع الوجود”.


الصدمة الأولى


لم تكن المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان، أوليكساندرا ماتفيتشوك، تحتاج إلى بيان رسمي لتعرف ما يحدث؛ فقد أيقظتها طرقاتٌ عنيفةٌ على باب منزلها وعشرات المكالمات الفائتة، قبل أن يزف إليها صوتٌ خلف الهاتف الخبر اليقين:

القوات الروسية تقصف المدن..
لقد بدأ الغزو الشامل“.

في تلك الأثناء، كان رئيس تحرير وكالة “أوكرانيا بالعربي”، الدكتور محمد فرج الله، يخرج إلى شوارع كييف ليرى آثار الدمار الأولى، بحسب ما كشف في حديثه لبرنامج “كنت هناك”. 

وبينما جرى بث صور الرتل العسكري الروسي المتجه إلى العاصمة الأوكرانية، أدرك أن الغزو أصبح أمرًا واقعًا لا مفرّ منه.


الاستعداد للأسوأ


يستذكر رئيس مركز الأمن والتعاون الأوكراني، سيرهي كوزان، تلك الساعات الحرجة قائلاً إن الأوكرانيين كانوا يستعدون لأسوأ السيناريوهات، بما في ذلك الوقوع تحت الاحتلال وخوض حرب عصابات طويلة. ويضيف:

“لم يكن أحدٌ يدرك الحجم الحقيقي للقوة الروسية، ومع انهمار الصواريخ وتوالي أخبار سقوط الجنوب ودخول القوات إلى سومي وتشيرنيهيف، كان فقدان الأمل أمرًا سهلاً”.

ومن زاوية أخرى، يصف رئيس المركز الأوكراني للتواصل والحوار، الدكتور عماد أبو الرُب، المشهد الصوتي للعاصمة، ويروي كيف كان يسمع أصوات المدافع والصواريخ والتفجيرات القريبة من العاصمة كييف، إضافة إلى الأخبار عن الاجتياح البري للعاصمة الأوكرانية، بينما كان يتهافت الجميع إلى مغادرتها نحو الغرب لحماية عائلاتهم.

أما الضابط في الجيش الأوكراني إيفهن كونتسكي، فقد اختصر مأساة تلك اللحظة في وداعه لزوجته:

“قلتُ لها إن الأمر لن يطول، وسينتهي بعد أسبوعين أو ثلاثة، 

لكنني كنتُ أعلم في داخلي أننا ربما لن نلتقي مجدداً”.


كييف تحت الحصار


في الأيام الأولى لمحاولة تطويق كييف، رفض كثيرون المغادرة، وبينهم صحافيون وناشطون، واختاروا البقاء لمواجهة المجهول.

تقول ماتفيتشوك

“قررتُ البقاء لتوثيق الجرائم ميدانيًا. كنتُ أشعر بغضب هائل؛ فمن غير العدل أن يقرر أناسٌ في بلد مجاور أننا لا نملك الحق في الحرية”.

هذا الصمود ترافق مع مشاعر قاسية، حيث يروي أبو الرُب كيف بدأت “رائحة الموت” تفوح مع سقوط القنابل العشوائية، وصعوبة التمييز بين المسلحين في الشوارع، بالتزامن مع الأخبار عن تقدّم القوات البرية الروسية إلى منطقة كريفي ريه القريبة.

ومع اقتراب أصوات القصف من العاصمة الأوكرانية، قرّر فرج الله نقل أسرته إلى مدينة أخرى، من دون مغادرة الأراضي الأوكرانية، لكنّه عندما شاهد أزمة السير الخانقة الناجمة عن قوافل المغادرين يومها، شعر أنّ أوكرانيا تغيّرت للأبد.

“بدأنا نشعر بالأزمة وبأنّ أوكرانيا لن تعود إلى ما كانت عليه بعد ذلك اليوم، وهذا كان أحد أسباب الطلاق النهائي بين الشعبين الأوكراني والروسي”. 

فيديو: “كنت هناك” – الهجوم على كييف 

 تسلّط الحلقة المرفقة من برنامج “كنت هناك” الضوء على تفاصيل بدء الغزو الروسي لكييف في فبراير 2022، وكيف واجه الأوكرانيون الهجوم.

مدينة فارغة بلا حياة


في 24 فبراير 2022، تحولت كييف، المدينة التي تضج بالضحكات، إلى مدينة “بلا ألوان” كما وصفتها ماتفيتشوك. في ذلك اليوم، ذهبت إلى العمل سيرًا على الأقدام، فرأت كييف كما لم ترَها من قبل.

“مدينة اعتادت أن تكون مزدحمة بالحياة والضحكات، بدت فجأة فارغة بلا ألوان ولا وجوه مبتسمة. فقط عند مداخل الأبنية، كان الناس يحزمون أمتعتهم ويغادرون”.

في هذا الفراغ تحديدًا، بدأ التفكير بالمقاومة.

يوضح كونتسكي أن الحيرة والارتباك في الشهر الأول تحولا تدريجيًا إلى عزيمة منظمة للدفاع عن البلاد.

كان لدى الجميع العزيمة والتصميم للدفاع عن البلاد، لكن من دون خبرة أو تدريب. حتى قوات الدفاع الإقليمي افتقرت إلى أبسط المهارات العسكرية. 

ومع ذلك، بدأت الأمور تتغير تدريجيًا، واكتسب المتطوّعون الخبرة، وتحوّلت مجموعات مدنية إلى وحدات قتالية منظّمة نفذّت مهامها على الجبهات”.

من جهته، يعتقد كوزان أن القرار السياسي بتوزيع السلاح على الناس، وإشراك المدنيين الذين لم يكونوا رسميًا في الخدمة العسكرية، كان “قرارًا صائبًا”.

ويوضح أنّ هذا القرار سمح بعمليات مقاومة “مبدعة وجريئة وغير تقليدية”، مشيرًا إلى أنّها “صدمت القوات الروسية التي كانت تفوقهم عددًا وعتادًا بستة أضعاف”.


تدرّب المدنيون الأوكرانيون على حمل السلاح لقتال القوات الروسية – غيتي


فاتورة الدم والدمار


لم يمرّ هذا الدفاع من دون ثمن باهظ، إذ تؤكد شهادات عديدة أنّ روسيا استخدمت “جرائم الحرب” كوسيلة ممنهجة لإخضاع السكان، على حدّ وصفها.

في هذا السياق، ترى ماتفيتشوك أنّ الروس يستخدمون “الألم” كأداة ممنهجة لكسر إرادة الناس. وتروي بأسى:

بعد انسحاب القوات الروسية من محيط كييف، أرسلنا فرقًا ميدانية إلى المدن والبلدات المُحرّرة، وما رأيناه كان صادمًا:

جثث مدنيين في الشوارع، وفي ساحات المنازل، وفي الأقبية حيث حاولوا الاختباء من القصف.

وجدنا مقابر جماعية لأشخاص كُبّلت أيديهم خلف ظهورهم مع آثار تعذيب واضحة”.

بدوره، يروي فرج الله كيف أُحرقت السيارات بمن فيها، بينهم أطفال ونساء ومدنيين.


تضامن إنساني


بعد انسحاب القوات الروسية من كييف ومحيطها، بدأ السكان بتوزيع مهام الإنقاذ فيما بينهم.

وفي هذا الإطار، يقول أبو الرُب إنّ الأطباء بدأوا الدخول إلى القرى القريبة من الحدود الروسية-الأوكرانية والتي كانت الأكثر تضررًا، لمعالجة الجرحى والمدنيين، بينما عمل آخرون على توزيع المواد الغذائية والمياه والوجبات البسيطة. وكانت طوابير الأطفال والعائلات التي تنتظر للمساعدات هي الأكثر تأثيرًا في النفوس.

ومع مرور الوقت، ارتفع منسوب التعبئة الوطنية وامتلأت مراكز التجنيد وطوابير التسجيل في الجيش، “لأن الاندفاع المعنوي والوطني كان في ذروته، مع رغبة صادقة من الأوكرانيين في الدفاع عن الوطن وإدراكهم أن العدو لا ينوي إيقاف الحرب”، بحسب ما يقول كونتسكي.


كيف صدمت كييف العالم؟


أظهرت مشاهدة مجزرة بوتشا حجم القسوة الروسية، فارتفعت الروح الوطنية أكثر من أي وقت مضى، خاصة بين الذين انضموا إلى صفوف القوات المسلحة الأوكرانية، وفقًا للضابط الأوكراني.

يروي فرج الله أنّ القوات الأوكرانية بدأت بالخروج من الثكنات والقتال، وشكّلت اللجان الشعبية خطوط دفاع ثانية في العاصمة، وهو ما رفع عن الجيش الأوكراني ثقلًا كبيرًا في حماية العاصمة.  

في المقابل، كان العالم يتوقّع سقوط أوكرانيا خلال ألأيام الثلاثة الأولى أو الأسبوعين الأولين على الأكثر. لكنّ الحسابات انهارت.

يوضح كوزان أنّ “الألمان والفرنسيون قالوا لنا إنّ الأمر انتهى”.

“قدّموا لنا صواريخ جافلين على افتراض أنّ أفراد الوحدات الخاصة في الجيش سيُقاتلون من الجبال ويُطلقون الصواريخ على العدو من هناك.

لكنّ الأوكرانيين غيّروا المعادلة، وفاجأ صمود الأوكرانيين العالم بأسره”.


كيف أخطأت حسابات “الكرملين”؟


وفقًا لفرج الله، قامت الخطة الروسية على “دخول كييف واختراقها خلال شهر واحد“، غير أن صمود القوات الأوكرانية، وتعدد الأسلحة المستخدمة، وتوسع نمط “حرب العصابات”، مع انكشاف القوات الروسية لوصولها من دون تعزيزات عسكرية وغذائية، دفع الدول الغربية إلى قناعة بأن روسيا يمكن هزيمتها.

برأيه، فإنّ صمود أوكرانيا هو ما دفع الغرب لتغيير موقفه، فبعدما كان الحلفاء يتوقعون السقوط السريع ويخططون لدعم “تمرد من الجبال”، اقتنعوا في مايو/ أيار 2022 بإمكانية هزيمة روسيا ميدانيًا.

“لولا انتصار الأوكرانيين في كييف، لما كانت الدول الأوروبية وواشنطن اتخذت قرارًا بدعم أوكرانيا في مايو/ أيار من ذلك العام”.

أما أبو الرُب، فيوضح أن روسيا أدركت أنها “لن تستطيع الحسم العسكري في أوكرانيا”، وأن حلفاء كييف مصممون على دعمها ورفع مستوى ونوعية الدعم.

وفي المقابل، أدركت أوكرانيا أنها لن تستطيع استعادة أراضيها بالحسم العسكري من دون دعم كافٍ، فسعت إلى الخروج بأقل الخسائر، وفق ما يقول.


صراع وجودي


تقول ماتفيتشوك إنّ موسكو سقطت في فخ دعايتها الخاصة بأن الأوكرانيين والروس “شعب واحد”، موضحة أنّ الفارق الجوهري بين الشعبين يتمثّل في اختلاف نظرتهما إلى الحرية. وتضيف:

“الأوكرانيون يضعون الحرية دائمًا ضمن منظومة قيمهم.  نحن دولة شابة، لكننا أمة عريقة. استعدنا استقلالنا فقط بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ولم نتمكن بعد من بناء مؤسسات قوية بالكامل.

لكن عندما وقف ملايين الناس خلف هذه المؤسسات، صمدت الدولة. وهذا ما عجز الروس عن فهمه لأن عقلهم الجماعي يرى الأمر بطريقة مختلفة”.

المشكلة برأي فرج الله، هي أنّ الروس “لم ينظروا إلى أن استقلال أوكرانيا حقيقي، بل اعتبروا أنها ستكون بيلاروسيا ثانية، أي أنها تحصل على استقلال شكلي ثم تعود لتنضوي في اتحاد جديد مع روسيا”.

وفي هذا السياق، يشير أبو الرُب، إلى أنّه كان الأولى بروسيا كدولة جوار أن تتوافق مع أوكرانيا وتزيل كل مخاوف كييف من بقائها تحت عباءة المنظومة السوفيتية أو الاتحاد الروسي، أو أن تُقرّ لها بالحرية والاستقلالية، مع التفاهم على الخطوط الحمراء عبر الحوار الدبلوماسي والتوافق السياسي بين القيادتين.

ترى ماتفيتشوك أن روسيا أدركت، في لحظة ما، أنّها تخسر أوكرانيا إلى الأبد، وأن “الطريقة الوحيدة لاستعادتها تكون عبر القوة الغاشمة، ولذلك انتهكت روسيا النظام الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وهي تعيد اليوم تشكيل عالم بلا قواعد”.


معنى النصر


النصر، كما يراه الأوكرانيون، لا يعني فقط استعادة المدن، بل فشل روسيا في تحقيق أهدافها.

تختتم ماتفيتشوك المشهد بتعريفها الخاص للنصر:

“النصر هو عندما تخسر روسيا أهدافها.

من السذاجة أن نفكر أن روسيا بدأت هذه الحرب وخسرت آلاف الأرواح فقط من أجل احتلال مدن صغيرة مثل أفدييفكا أو باخموت، على الرغم من أهميتهما لكييف.

هدفها الحقيقي هو احتلال أوكرانيا واستخدامها كنقطة انطلاق نحو مهاجمة دول أخرى في سعيها لإحياء الإمبراطورية الروسية”.

 أما كونتسكي، فيؤكد أنّ النصر هو “حليف الأوكرانيين”، لأنّ “هذه أرضنا ودولتنا”، على حدّ قوله.

“نحن لسنا المعتدين،
ولم نأتِ لنحتلّ أحدًا أو نغزو بلدًا آخر”.